أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.














المزيد.....

الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 19:09
المحور: قضايا ثقافية
    


لا تكمن قيمة الزيارات السياسية في عددالمصافحات ولا في طول البيانات الختامية، بل في الأسئلة التي تتركها معلقة فوق رؤوس الشعوب. فهناك لقاءات تُنتج اتفاقات، ولقاءات تُنتج خلافات، أما اللقاء الذي جمع علي الزيدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد أنتج شيئًا أكثر تعقيدًا؛ لقد أعاد إنتاج السؤال العراقي نفسه. سؤالٌ لم يتغير منذ عقود، لكنه كان يبدل وجوهه كلما تبدلت الحكومات: هل يستطيع العراق أن يكون دولة كاملة الإرادة، أم أنه سيظل مساحة تتفاوض فوقها القوى الكبرى بينما ينتظر أبناؤه نتائج المفاوضات؟.. إن التصريحات التي خرج بها الطرفان لا تستحق أن تُقرأ بوصفها أخبارًا، بل بوصفها نصًا سياسيًا يحمل طبقات متعددة من المعاني. فكل عبارة كانت تخفي خلفها سؤالًا أكبر منها. وعندما قال ترامب إن الولايات المتحدة لم تعد تحتاج إلى وجود عسكري واسع داخل العراق، لم يكن يتحدث عن انسحاب الجنود فقط، بل كان يعلن انتهاء مرحلة كاملة من إدارة النفوذ، وبداية مرحلة جديدة يصبح الاقتصاد فيها أكثر فاعلية من الدبابة، والشركة أكثر تأثيرًا من القاعدة العسكرية، والاستثمار أكثر قدرة على تشكيل القرار من حاملات الطائرات. فهل أدرك العراق أن العالم قد غيّر أدواته بينما ما زال بعض ساسته يتحدثون بلغة الحروب القديمة؟
وعندما أعلن علي الزيدي أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، لم يكن يطرح مشروعًا أمنيًا، بل كان يضع تعريفًا جديدًا للدولة العراقية. فالدولة ليست أرضًا وحدودًا وعلمًا، وإنما هي احتكار الشرعية. وكل سلاح لا يخضع للقانون لا يشكل تهديدًا للحكومة فحسب، بل يشكل تهديدًا لفكرة الوطن ذاتها، لأن الوطن الذي تتعدد فيه مصادر القوة يفقد القدرة على إنتاج العدالة. وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلامًا: هل يمتلك العراق الإرادة الكافية لتحويل هذا الإعلان إلى واقع، أم أن التاريخ سيضيفه إلى قائمة الوعود المؤجلة؟
والأكثر إثارة أن الزيدي لم يتحدث عن نزع السلاح بوصفه نهاية لفريق، بل بوصفه بداية لتحول سياسي، إذ فتح باب الانتقال من العمل المسلح إلى العمل المدني. وهذه ليست مجرد معالجة أمنية، بل محاولة فلسفية لإعادة تعريف الخصومة داخل الدولة؛ فالاختلاف يجب أن ينتقل من لغة الرصاص إلى لغة الصندوق، ومن البندقية إلى البرنامج السياسي، لأن الأمم التي تتنافس بالأفكار لا تحتاج إلى دفن أبنائها كل صباح.
أما حديث ترامب عن تراجع النفوذ الإيراني، فهو لا يخص إيران وحدها، بل يخص العراق أولًا. إذ يطرح سؤالًا بالغ الخطورة: هل يريد العراقيون استقلالًا حقيقيًا، أم مجرد انتقال من تأثير خارجي إلى تأثير خارجي آخر؟ إن السيادة لا تُقاس باسم الدولة التي تؤثر في القرار، بل بقدرة القرار على أن يُولد من داخل بغداد وحدها. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في ابتعاد هذا النفوذ أو ذاك، بل في قدرة العراق على منع عودة أي وصاية مهما كان لونها أو لغتها أو مصالحها.ثم يأتي الاقتصاد، لا بوصفه ملفًا ماليًا، بل بوصفه فلسفة جديدة للحكم. فالعراق الذي دفع مئات المليارات في الحروب لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، وإنما يحتاج إلى مصانع، ومختبرات، وجامعات، وموانئ، ومدن ذكية، لأن الثروة التي لا تتحول إلى معرفة ليست سوى رقم ضخم ينام في باطن الأرض. ومن هنا تبدو دعوة الزيدي إلى شراكة اقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة محاولة لنقل العراق من زمن الأمن المؤقت إلى زمن التنمية المستدامة، وهي معادلة لن تنجح إلا إذا أصبحت مصلحة العراقي فوق كل اصطفاف.ولعل السؤال الذي لم يُطرح في المؤتمر الصحفي هو الأهم: ماذا لو نجح هذا المشروع؟ وماذا لو فشل؟ فإذا نجح، فإن العراق سيدخل مرحلة لم يعرفها منذ عقود، مرحلة يكون فيها القرار الاقتصادي هو الذي يقود القرار السياسي. أما إذا فشل، فإن البلاد ستعود إلى المربع الذي استنزفها طويلًا؛ مربع السلاح والولاءات والانقسامات التي تلتهم المستقبل قبل أن يولد.
وهكذا تبدو الزيارة، في جوهرها، ليست رحلة دبلوماسية، بل امتحانًا تاريخيًا للعراق نفسه. فالولايات المتحدة ستغادر أو تبقى وفق مصالحها، والدول الإقليمية ستواصل البحث عن نفوذها، لكن السؤال الذي سيظل قائمًا هو: هل يملك العراق مشروعًا وطنيًا يجعل الآخرين يتعاملون معه بوصفه دولة، لا بوصفه ساحة؟ ذلك هو السؤال الذي لم يُكتب في البيان المشترك، لكنه كان حاضرًا في كل كلمة قيلت، وسيبقى الجواب عنه هو الذي يحدد شكل العراق في السنوات القادمة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.
- لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.
- بلاغٌ ضدَّ وطنٍ يُباع.
- عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.
- خرائبُ النحو.
- حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.
- أنا الذي لا يبيع ظله.
- القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.
- هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى ب ...
- الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي... الرجل الذي جعل من الإعلا ...


المزيد.....




- الهند تحظر إيفاد بحّارتها إلى السفن العابرة لمضيق هرمز.. لهذ ...
- أبوة سياسي ألماني بارز تثير الجدل حول -الأم البديلة-
- وفيات وإصابات في حريق بدار للأيتام في الجزائر
- مستشار أوكراني سابق لـ RT: زيلينسكي وافق شخصيا على اغتيال ال ...
- العراق.. النزاهة تسقط عضوا في البرلمان بقضية رشوة
- ماليزيا تعلن الترحيل الفوري لأي إسرائيلي يرصد على أراضيها عل ...
- أسراب من البعوض تعطل رحلتين جويتين في إيطاليا (فيديو)
- العراق يشكل لجنة تحقيق متخصصة بعد إحباط تهريب أسلحة وصواريخ ...
- الفيلق الروسي يشيد ببطولات قوات مالي في معركة أنفيس
- علم الاتحاد السوفيتي الذي وصل إلى القمر يُباع في مزاد بسعر ي ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.