أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العاهرات لا يسرقن الأوطان.














المزيد.....

العاهرات لا يسرقن الأوطان.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 20:13
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمة أسئلة لا تليق بالمجتمعات السليمة، لكنها تصبح واجباً أخلاقياً في الأزمنة المريضة. وثمة أسئلة تولد خجولة ثم تكبر حتى تصبح صفعة على وجه التاريخ. من هذه الأسئلة سؤالٌ ظل يؤرقني كلما مررت بوجه طفلٍ يبحث عن طعامه في مكب للنفايات، أو رأيت شيخاً عراقياً يحمل ملف تقاعده منذ عشرين عاماً وكأنه يحمل نعشه بيديه، أو شاهدت مريضاً يموت على باب مستشفى بُنيت له في الموازنات ألف مرة ولم يُبنَ على الأرض ولو مرة واحدة. سؤالٌ لا يخجل من قسوته لأن الواقع أكثر قسوة منه: أيهما أكثر انحطاطاً، امرأة باعت جسدها لتعيش أم رجلٌ باع وطناً بأكمله ليعيش وحده؟
لقد ظلمنا الكلمات كثيراً، فمنذ آلاف السنين ونحن نرجم امرأةً سقطت في حفرة الحاجة، بينما نصفق للرجل الذي حفر الحفرة وباع ترابها وسرق أحجارها ووقف يخطب فوقها عن الفضيلة. لقد علّمونا أن نخجل من لفظة "عاهرة"، لكنهم لم يعلمونا كيف نخجل من لفظة "سارق وطن". جعلوا الأولى لعنة اجتماعية، والثانية وظيفة رسمية لها حراس ومواكب وألقاب وسيارات مصفحة وحسابات مصرفية لا تعرف النوم.العاهرة لا تحتاج إلى خطيب يبرر وجودها، فهي لا تدعي أنها جاءت لإنقاذ البشرية، ولا تعلق صورتها في الشوارع، ولا تعد الأطفال بمستقبل أجمل، ولا تقسم بالله العظيم أنها ستبني لهم المدارس والمستشفيات والجسور، ثم تكتشف بعد أربع سنوات أنها كانت تقصد بناءها في دولة أخرى. أما سارق الوطن فهو يحتاج إلى ألف كذبة كل صباح ليحمي سرقته الواحدة، وإلى ألف منافقٍ كل مساء ليصفقوا له وهو يتحدث عن النزاهة والعدالة والإصلاح.
إن العاهرة تبيع ما تملك، أما لصوص الأوطان فيبيعون ما لا يملكون. تلك باعت نفسها، وهذا باعنا جميعاً. تلك خسرت شيئاً من عمرها، وهذا سرق أعمار الملايين. تلك لا تستطيع أن تقطع الكهرباء عن مدينة، ولا أن تهجر عائلة من بيتها، ولا أن تسرق دواء مريض، ولا أن تجعل طفلاً يبيع المناديل الورقية تحت الشمس، أما هؤلاء فقد جعلوا العراق أكبر يتيم يقف على أبواب التاريخ يسأل أين ذهبت ثرواته؟.. العاهرة لا تصنع الأرامل، ولا تخلق المقابر الجماعية، ولا تحول الإنسان إلى رقم في سجلات الفقر، أما سارق الوطن فإنه لا يسرق المال فقط، بل يسرق الزمن أيضاً. إنه يسرق من الطفل عشرين سنة من التعليم، ومن الشيخ عشرين سنة من العلاج، ومن الشاب عشرين سنة من الانتظار، ثم يخرج على الناس بوجهٍ يشبه الملاك ولسانٍ يشبه الأنبياء وجيبٍ يشبه إمبراطوريات النهب القديمة.
أعترف أنني لم أرَ عاهرةً واحدة تسببت بانهيار وطن، ولم أقرأ في كتب التاريخ أن امرأة باعت جسدها فأفلست دولة، لكنني قرأت كثيراً عن رجالٍ كانوا يرتدون ربطات العنق والعمائم والبدلات الفاخرة، فباعوا شعوبهم بثمن بخس، ثم عادوا يتحدثون عن الوطنية وكأن الوطن ولد في جيوبهم، وعن الأخلاق وكأن السماء كتبت أسماءهم في سجل الصالحين.ما أغرب هذا الشرق الذي يغضب من امرأة باعت جسدها ولا يغضب من رجل باع البحر والنهر والنفط والخبز والمستقبل. وما أغرب هذه المجتمعات التي تحفظ أسماء الراقصات وتنسى أسماء السارقين، وتخجل من لفظة عاهرة ولا تخجل من لفظة فاسد، وكأن فساد الجسد أشد خطراً من فساد الضمير، وكأن الوطن يمكن أن يُدفن بصمت بينما تقوم القيامة إذا رقصت امرأة في مكان ما.لقد كان ينبغي أن نعيد تعريف الكلمات منذ زمن بعيد. فالعهر الحقيقي ليس ما يحدث خلف بابٍ مغلق، بل ما يحدث في وضح النهار على شاشات التلفاز وخلف مكاتب السلطة. والعاهر الحقيقي ليس من يبيع جسده، بل من يبيع مبادئه وضميره وشعبه مقابل حفنة من الذهب وكرسي لا يدوم أكثر من عمر الكذبة التي صنعته.إن العاهرة لا تسرقك مرتين، فهي تخبرك منذ البداية بما تريد وما ستعطيك، أما لصوص الأوطان فيسرقونك قبل أن تولد وبعد أن تموت. يسرقون طفولتك وشبابك وشيخوختك، ثم يسرقون قبرك أيضاً حين يجعلون أبناءك يبحثون عن وطن آخر يحملهم بعدما لفظهم وطنهم الأول.لقد اكتشفت البشرية دواءً لأمراض الجسد كلها تقريباً، لكنها لم تكتشف حتى الآن علاجاً للطمع السياسي، لأنه المرض الوحيد الذي كلما ازداد صاحبه ثراءً ازداد جوعاً، وكلما ازداد شبعاً ازداد افتراساً. إنه وحش لا يكتفي بسرقة المال، بل يسرق الإحساس أيضاً، حتى يصبح قادراً على النوم فوق وسادةٍ محشوة بأوجاع الملايين.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن لصوص الأوطان يخافون من الكلمات أكثر من خوفهم من المحاكم. إنهم يرتجفون إذا وصفتهم الصحافة بالفاسدين، لكنهم لا يرتجفون وهم يوقعون على سرقة جديدة أو صفقة جديدة أو خيانة جديدة. لقد أصبحت الكلمة أخطر عليهم من السجن، لأن السجن قد ينتهي يوماً، أما لعنة التاريخ فلا تنتهي أبداً.
سيأتي يوم يكتب فيه المؤرخون أن العراق لم تقتله الحروب وحدها، بل قتله أولئك الذين أحبوا أنفسهم أكثر مما أحبوه، والذين جعلوا من السلطة مهنةً للنهب ومن الوطنية قناعاً ومن الشعب سلماً يصعدون عليه نحو قصورهم العالية. وسيكتبون أيضاً أن العاهرات لم يسرقن الأوطان يوماً، وأن الخرائط لا تتمزق بأيدي الفقراء، بل بأيدي الذين أقسموا على حمايتها.إنني لا أدافع عن الخطيئة، ولكنني أرفض أن تتساوى الخطيئة مع الجريمة، فثمة فرقٌ شاسع بين إنسانٍ أسقطته الحياة وبين إنسانٍ أسقط وطناً بأكمله. الأول يحتاج إلى الرحمة، أما الثاني فلا يحتاج إلا إلى محكمةٍ بحجم التاريخ، لأن الذين سرقوا العراق لم يتركوا لنا سوى سؤالٍ واحدٍ ما زال يطاردنا كل صباح: أيهما أكثر قبحاً، جسدٌ باعته الحاجة أم وطنٌ باعه الطمع؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.
- لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.
- بلاغٌ ضدَّ وطنٍ يُباع.
- عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.
- خرائبُ النحو.
- حين يتحول الموت إلى لغة السياسة.
- أنا الذي لا يبيع ظله.
- القرآن ليس أداةً للإهانة السياسية.
- هاتف الثلج... الرجل الذي أنقذ الذاكرة من النسيان، ومضى إلى ب ...


المزيد.....




- بـ-الرضّاعة-.. كويتي يوثّق أغرب طريقة لإطعام الأسماك في الصي ...
- أول مولود لنائب رئيس أمريكي في المنصب منذ 150 عامًا.. فانس و ...
- هيئة بريطانية: حريق في سفينة قرب مضيق هرمز.. وإيران تعلن است ...
- الجيش الكويتي يعلن التصدي لهجمات إيرانية جديدة بالطائرات الم ...
- تحليل.. إيران تُظهر قدرتها على الصمود أمام هجمات أمريكا وترد ...
- التصعيد في المنطقة يتسارع: واشنطن تبقي باب الدبلوماسية مفتوح ...
- دعوة سعودية لرئيس لبنان.. وقمة مرتقبة تعزز مسار الدعم
- روبيو: زيارة شي في سبتمبر لا تزال على جدول الأعمال رغم اتهام ...
- قمر -العشاق سيُسلب منا إلى الأبد-.. أبولو 11 وإرثها المزدوج ...
- الكشف عن استعدادات أمريكية لحرب واسعة وشاملة مع إيران


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العاهرات لا يسرقن الأوطان.