أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.














المزيد.....

اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 20:15
المحور: قضايا ثقافية
    


ثمة سؤالٌ صغيرٌ بحجم مصباحٍ معلقٍ في سقف غرفةٍ فقيرة، لكنه أكبر من جميع خطابات السياسيين وأكثر صدقاً من آلاف المؤتمرات الصحفية: لماذا يخاف وطنٌ غنيٌّ من إضاءة بيوت أبنائه؟ فمنذ أربعةٍ وعشرين عاماً والعراق يخوض حربه الخاسرة مع مفتاح الكهرباء. أربعةٌ وعشرون عاماً من تبدل الوجوه وبقاء الظلام في مكانه، وكأن المشكلة لم تكن في الأسلاك والمحطات، وإنما في العقل الذي يدير الدولة ويعيد إنتاج الفشل بمهارةٍ تكاد تكون معجزة.
في العراق، لم تعد الكهرباء ملفاً خدمياً، فقد تجاوزت ذلك منذ زمن طويل. إنها جهاز كشف الكذب الوحيد الذي ما زال يعمل بكفاءةٍ عالية. بضغطة مفتاحٍ واحدة يسقط خطابٌ سياسيٌ كامل، وتنهار مئات التصريحات، وتتعرى عشرات الوعود. المصباح الصغير الذي يفشل في الإضاءة أكثر بلاغةً من ألف خطيبٍ يقف فوق منصة الحكم.ثمة شيءٌ يستحق التأمل حقاً؛ فالدول تكبر بمقدار ما تمنح شعوبها من حياة، أما نحن فقد أصبحنا نكبر بمقدار ما نتحمله من الحرمان. العالم يقيس رفاهية الإنسان بسرعة الإنترنت وجودة الخدمات، أما العراقي فيقيس رفاهيته بعدد ساعات الكهرباء، حتى صار امتلاك أربعٍ وعشرين ساعة تجهيز إنجازاً وطنياً يستحق الاحتفال.من المؤسف أن العراقي لم يعد يسأل عن الكهرباء، وإنما عن عمره الذي ضاع وهو ينتظرها. فالذي وُلد عام 2003 صار اليوم رجلاً يحمل شهادةً جامعية، وربما أصبح أباً أيضاً، وما زال يسمع العبارة نفسها: الحل قريب. أما هذا "القريب"، فقد شاخ قبل أن يصل إلينا.أربعةٌ وعشرون عاماً تكفي لتغيير خرائط اقتصادية في العالم، وتكفي لأن تتحول بلدانٌ خرجت من الحروب إلى قوى اقتصادية عظمى، لكنها تحولت عندنا إلى أربعةٍ وعشرين موسماً لصناعة الأعذار. الأعذار وحدها كانت تُنتج بكفاءةٍ عالية، أما الكهرباء فقد بقيت مشروعاً مؤجلاً ينتقل من حكومةٍ إلى أخرى كما تنتقل الوصايا القديمة.ثمة فلسفةٌ غريبةٌ تحكم هذا البلد؛ فكلما ازدادت ثرواته، ازداد فقر خدماته، وكلما ارتفعت أسعار النفط، ارتفعت معها درجات الخيبة. حتى أصبحت المولدات الأهلية جزءاً من الهوية البصرية للمدن العراقية. السائح الذي يزور العراق لن يسأل عن عدد محطات الكهرباء، وإنما عن عدد المولدات التي نجحت في هزيمة الدولة.المولدة الأهلية لم تعد آلةً ميكانيكية، وإنما تحولت إلى شاهد عدلٍ يقف كل مساء ليقرأ على الناس فصول القضية كاملة. فوجودها اعترافٌ يوميٌّ بأن الدولة ما زالت عاجزةً عن أداء أبسط واجباتها. إن كل مولدةٍ في العراق هي نسخةٌ مصغرةٌ عن وزارةٍ فشلت في أداء وظيفتها.أما المليارات التي أُنفقت، فقد أصبحت رقماً محرجاً حتى للأرقام نفسها. أموالٌ تكفي لبناء منظوماتٍ كهربائيةٍ لبلدانٍ عديدة، لكنها لم تكن كافيةً لإضاءة بيتٍ صغيرٍ في أقصى الجنوب أو أقصى الشمال. وكأن الأموال كانت تعرف الطريق إلى جيوب الفاسدين أكثر مما تعرف طريقها إلى المحطات الكهربائية.أما شبع السراق؟ سؤالٌ أخجل من طرحه على التاريخ، لأن الذي يسرق قوت شعبه يستطيع أن يسرق ضوءه أيضاً.والذي ينام في بيتٍ لا تنطفئ فيه الكهرباء، بينما يختنق الأطفال من حرارة الصيف، يمتلك من القسوة ما يكفي لإطفاء مدينةٍ بأكملها. السراق وحدهم يملكون كهرباءً لا تخضع لجداول القطع، ووحدهم يعرفون كيف يجعلون الظلام مشروعاً استثمارياً ناجحاً.خرج أبناء المحافظات العراقية إلى الشوارع أكثر من مرة، حاملين أصواتهم وأحلامهم الصغيرة، مطالبين بالماء والكهرباء والكرامة، فعادت أصواتهم محمولةً بالغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والهراوات. حتى بدا المشهد أكثر عبثيةً؛ شعبٌ يطالب بمصباح، وسلطةٌ تستقبله بالعصي.إن أكثر ما يخيفني في هذه الحكاية أن العراقي بدأ يتصالح مع المأساة.فالكارثة عندما تتكرر تتحول إلى عادة، والعادة تتحول مع الزمن إلى ثقافة، والثقافة تتحول إلى قدر.وعندها يصبح انتظار الكهرباء جزءاً من تكويننا النفسي، ونصبح نحن الحراس المجانيين لعجز الدولة.الحل لا يبدأ بالمحطات الكهربائية، وإنما يبدأ بإعادة تعريف معنى الدولة. فالدولة التي تعجز عن حماية حق الإنسان في الضوء تحتاج إلى أن تسأل نفسها أولاً: ماذا بقي من معنى وجودها؟ وما قيمة السلطة إن كانت عاجزةً عن إضاءة بيت فقير؟.. ويبقى السؤال الذي أضعه فوق طاولة هذا الوطن: كم سنةً أخرى يحتاجها العراق ليضيء مصباحاً؟ ثلاثون؟ خمسون؟ أم أن المشكلة لم تكن يوماً في الكهرباء، وإنما في الذين اكتشفوا أن الظلام أكثر ربحاً من النور؟.. ربما تخاف بعض الدول من الحروب، وتخاف أخرى من الفقر، أما نحن فقد ابتلينا بدولةٍ تخاف من مصباح.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-
- العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.
- العاهرات لا يسرقن الأوطان.
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.
- لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.
- بلاغٌ ضدَّ وطنٍ يُباع.
- عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.
- خرائبُ النحو.


المزيد.....




- شاهد.. نمر يقتحم متجرًا للمشروبات الكحولية ويهاجم البائع في ...
- أمطار غزيرة تغمر شمال شرق أمريكا وتُخفي الطرق تحت مياه الفيض ...
- رد إيراني على تهديد ترامب: -سنهاجم الجسور ومصالح أمريكا في ا ...
- تحليل.. هل أصبح الأردن جزءا من حرب إيران في المنطقة؟
- إعلان مرتقب للولايات المتحدة عن اتفاق يسمح للسعودية بامتلاك ...
- قواعد مكافحة الاعتداء الجنسي على الأطفال في الاتحاد الأوروبي ...
- الخارجية التركية: ندين تهديدات الحوثيين بفرض حصار بحري على ا ...
- ضابط أوكراني سابق: إقالة فيدوروف سببها صراع على التدفقات الم ...
- تقرير يتحدث عن ترقب مصري لتغييرات كبيرة في إسرائيل
- اليونسكو تدرج مدينة صور اللبنانية على قائمة التراث العالمي ا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.