أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.















المزيد.....

رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 22:49
المحور: قضايا ثقافية
    


أنا الأحمق الذي أضاع عمره وهو يطرق أبواب السماء سائلًا الله أن يُعيد إلى هذا العالم شيئًا من إنسانيته، الأحمق الذي كلما سرقوا منه وطنًا كتب قصيدة، وكلما قتلوا حلمًا في قلبه زرع مكانه ألف حلم، وكلما عاد من جنازة طفلٍ عراقيٍّ عاد وفي جيبه رسالة حبٍّ جديدة إلى الحياة. لم أكن أعرف أن الحمقى وحدهم هم الذين يدفعون أثمان المحبة كاملةً، وأن العقلاء الذين علَّمتنا الحياة أن نصفق لهم، كانوا أكثر الناس مهارةً في سرقة أعمار الآخرين.
أنا ذلك الرجل الذي لم يتعلم من العالم شيئًا سوى أن يبقى إنسانًا فيه، فحين تعلَّم الناس كيف يُتقنون الكراهية، كنتُ أتعلم كيف أغفر، وحين كانوا يتقنون صناعة الحدود بين القلوب، كنتُ أتعلم كيف أبني الأوطان داخل الكلمات، وحين أصبح الحبُّ عند البعض خطيئةً سياسيةً أو اجتماعيةً أو دينيةً، كنتُ أزداد يقينًا أن الله لم يخلقنا إلا لنكون أكثر رحمةً مما نحن عليه.
لقد كتبتُ هذا الكتاب بدموع العراقيين لا بحبر المطابع، كتبته من جوع الأمهات اللواتي نمْنَ دون عشاء ليُطعمن أبناءهن، ومن دموع آباءٍ باعوا ما تبقى من أعمارهم كي يشتروا لأطفالهم دفاتر المدرسة، ومن أصابع عاملٍ ما زال يحمل العراق فوق كتفيه ويعود آخر النهار متعبًا ليكتشف أن اللصوص سرقوا حتى حقَّه في التعب، ومن شهيدٍ ما زالت أمُّه تضع صورته قرب وسادتها وتنتظر أن يعود إليها ذات فجرٍ مستحيل.
كتبته من دموع الجنوب وهو يعطش فوق أنهاره، ومن وجع الشمال وهو يبحث عن سلامه المؤجل، ومن حزن بغداد التي ما عادت تعرف كم مرةً ماتت وكم مرةً قامت من بين الرماد، ومن كركوك التي ما زالت تُعلِّم أبناءها أن الوطن أكبر من الأسماء الصغيرة، ومن الموصل وهي تكتب بالحجارة المهدمة أن المدن لا تموت وإن تعبت طويلًا، ومن البصرة التي تُشبه امرأةً جميلةً سرقوا منها ذهبها وتركوا لها مرآتها المكسورة.
لقد كتبتُ إلى الشوارع التي حفظت أسماء الفقراء أكثر مما حفظت أسماء الساسة، وإلى الأرصفة التي نام عليها المتعبون بينما كانت قصور السارقين تكبر كلَّ صباح. فما أكثر الذين سرقوا الخبز من أفواه الأطفال ثم وقفوا يحدثوننا عن الله، وما أكثر الذين نهبوا الأوطان ثم ارتدوا ثياب القديسين، وما أكثر الذين صلَّوا طويلًا في المساجد والمعابد والكنائس بينما كانت أيديهم تمتد سرًّا إلى جيوب الفقراء.
أيها السارقون...
لا تخيفني قصوركم العالية، فقد كانت قصور قارون أعلى منها، ولا تخيفني كراسيكم الوثيرة، فقد كانت عروش الفراعنة أثقل من عروشكم، ولا تخيفني أسماءكم الطويلة، لأن التاريخ أكثر قسوةً من أن يحتفظ بأسماء الذين عبروا فوق ظهور الجياع. لقد مرَّ قارون فابتلعته الأرض، ومرَّ فرعون فابتلعه الماء، ومرَّ الطغاة جميعًا فابتلعهم النسيان، ولم يبقَ في ذاكرة البشرية سوى لعنتهم وهم يعبرون صفحات التاريخ حفاةً من الرحمة.
أتدرون ما الذي يُخيف حقًّا؟ أن يموت طفلٌ لأنه لم يجد ثمن دوائه بينما تنام خزائنكم ممتلئةً بسرقة أحلامه. وأن تبكي أرملةٌ لأنها لا تملك ثمن الخبز بينما تُنفقون في ليلةٍ واحدةٍ ما يكفي ليعيش حيٌّ كاملٌ من الفقراء عامًا بأسره. إن الله لا يُؤجِّل حسابه نسيانًا، بل يؤجله عدلًا، وما بين الإنسان وقبره سوى خفقة قلب، وما بين الظالم وسقوطه سوى دعوة أمٍّ مظلومة رفعتها إلى السماء في جوف الليل.
وأكتب إلى أصحاب العمائم جميعًا، أولئك الذين جعلوا من الله طريقًا إلى قلوب الناس، وأولئك الذين جعلوا من الناس طريقًا إلى خزائنهم باسم الله. إن العمامة التي لا تنحني أمام جوع الفقراء ليست سوى قطعة قماشٍ تبحث عن سلطان، وإن المنبر الذي لا يدافع عن الإنسان ليس سوى خشبٍ يعلوه الصدى. لقد كان الله أعظم من أن يُحتكر باسمه أحد، وأرحم من أن يتحول إلى شعارٍ سياسي، وأجمل من أن نجعله يقف على أبواب الأحزاب والطوائف والسلطات.
إنني أخاف على الله في قلوب الأطفال أكثر مما أخاف على المعابد كلها، لأن المعابد تُبنى من جديد إذا تهدمت، أما الطفل الذي يفقد إيمانه بالرحمة فقد يفقد العالم كله من داخله.
وأكتب إلى الأغنياء الذين لم ينسوا إنسانيتهم، وإلى أولئك الذين ما زالوا يؤمنون أن المال ليس أكثر من امتحانٍ آخر للروح، فالفقير ليس أكثر قربًا من الله لأنه فقير، والغني ليس أكثر بعدًا منه لأنه غني، وإنما الإنسان هو ما يتركه من نورٍ في قلوب الآخرين حين يرحل. فما أجمل غنيًّا نام وفي جيبه مالٌ أقل، لكنه أيقظ ألف ابتسامةٍ في وجوه المتعبين.
وأكتب إلى الشهداء الذين سبقونا إلى الله وهم يحملون العراق في جيوب أرواحهم، وإلى الذين رحلوا وهم يحلمون بوطنٍ لم يأتِ بعد. سامحونا لأننا ما زلنا مختلفين على كلِّ شيءٍ إلا على وجع فراقكم، وسامحونا لأن العراق الذي حلمتم به ما زال يتعثر في طريقه الطويل نحو الضوء.
وأكتب إلى العراق...
يا أكثر الأوطان شبهًا بالأمهات، ويا أكثرها تعبًا من أبنائها، لا أعرف كيف استطعتَ أن تبقى حيًّا بعد كلِّ هذا الوجع. لقد سرقوا منك النفط والنهر والنخيل والحلم، لكنهم لم يستطيعوا أن يسرقوا منك شيئًا واحدًا؛ ذلك القلب الذي ما زال يتسع لكلِّ الذين أحبوه. فالعراق ليس حدودًا رسمها الجغرافيون، بل دمعةُ أمٍّ عراقية، وضحكةُ طفلٍ في زقاقٍ قديم، وصلواتُ شيخٍ فقيرٍ ما زال يدعو لك عند الفجر.
وأكتب أخيرًا إلى ذلك الأحمق الذي كتب هذه الرسائل...
أيها الأحمق، أما تعبتَ من حمل هذا العالم فوق ظهرك؟ أما آن لك أن تنام قليلًا؟ لقد خسرتَ أشياء كثيرةً لأنك كنتَ تؤمن أن الحبَّ أسمى من كلِّ شيء. خسرتَ صحتك لأنك أحببت الإنسان، وخسرتَ أحلامًا كثيرةً لأنك أحببت العراق، وخسرتَ أعوامًا طويلةً لأنك كنتَ تؤمن أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تُضيءَ هذا العالم.
لكنني، رغم كلِّ شيء، لا أشفق عليك.
لأن الحمقى وحدهم هم الذين يغيِّرون العالم دون أن ينتبهوا إلى ذلك. أولئك الذين يزرعون الأشجار وهم يعلمون أنهم لن يجلسوا تحت ظلالها، ويبنون الجسور وهم يعلمون أن الآخرين هم الذين سيعبرون فوقها، ويحبون الناس رغم أنهم يعرفون أن بعض الناس لا يستحقون هذا الحب.
إن حمقي الوحيد أنني ما زلتُ أؤمن أن الإنسان أجمل فكرةٍ خطرت في بال الله وهو يخلق هذا العالم، وأن المحبة هي الثورة الوحيدة التي لم تُهزم بعد، وأن العراق سيعود يومًا أجمل مما كان، وأن الله لا يخذل القلوب التي أحبت خلقه وإن أتعبها الحب طويلًا.
وأخيرًا...
إذا سألني التاريخ يومًا: ماذا تركتَ وراءك؟ فلن أقول له تركتُ كتبًا ولا قصائد، بل سأقول له: تركتُ قلبي بين دفَّتي هذا الكتاب، وذهبتُ.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-
- العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.
- العاهرات لا يسرقن الأوطان.
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.
- لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.
- بلاغٌ ضدَّ وطنٍ يُباع.
- عندما تسقط الإنسانية قبل أن يسقط الإنسان.


المزيد.....




- -الموساد- يكشف عن -مخطط إيراني لاستهداف مسؤولين كبار داخل إس ...
- الكويت.. المؤبد لمواطن بتهمة التخابر مع إيران وحزب الله
- ترامب: الاتفاق النووي مع السعودية مرهون بالاعتراف بإسرائيل
- إلى أين وصلت جهود احتواء حرائق الغابات في تونس والجزائر؟
- بيانات: رصد 5 طائرات صهريج وطائرة إنذار أواكس تابعة للجيش ال ...
- الجيش الإسرائيلي يشن سلسلة غارات على قطاع غزة (فيديو)
- ماكرون يرد على تصريحات سفير بلاده لدى الجزائر بشأن التأشيرات ...
- عراقجي: شخصيات مخترقة في الإدارة الأمريكية تتجاهل الواقع وتد ...
- الأزهر يهاجم إسرائيل مجددا بسبب بن غفير
- قلق بشأن صحة راشد الغنوشي بعد تعرضه لإغماء بالسجن


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.