أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وطنٌ لا يخطئ... لأن الخطأ هاجر منه!.














المزيد.....

وطنٌ لا يخطئ... لأن الخطأ هاجر منه!.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 00:13
المحور: قضايا ثقافية
    


قال أحد الحكماء إن الحقيقة لا تموت، لكنها أحيانًا تضطر إلى ارتداء ثياب المهرج كي يسمحوا لها بالدخول. ولعل هذا هو قدر السخرية؛ فهي آخر اللغات التي يلجأ إليها العقل عندما يعجز عن إقناع من اعتادوا التصفيق للهاوية. فالإنسان يبكي مرة، لكنه حين يكتشف أن البكاء لم يعد يوقظ أحدًا، يضحك... لا لأنه سعيد، بل لأن الضحك أصبح الطريقة الوحيدة التي تمنعه من الجنون.جلست أتصفح أخبار العالم، فإذا بكل دولة تحمل على ظهرها خطاياها، تعترف بها، تختلف حولها، تحاسب عليها أو تحاول إخفاءها. أما نحن، فقد اكتشفنا معجزة لم يكتشفها نيوتن ولا أينشتاين ولا سقراط؛ فنحن الدولة الوحيدة التي لا تعاني من شيء، لأن كل شيء فيها يُعاد تعريفه حتى يفقد اسمه.الفساد ليس فسادًا، بل "اجتهاد إداري". والمحسوبية ليست ظلمًا، وإنما "صلة رحم". والرشوة ليست جريمة، بل "هدية متبادلة". وتأخير معاملات الناس ليس استهانة بكرامتهم، بل برنامج وطني لتعليمهم الصبر. أما انقطاع الخدمات، فهو مشروع فلسفي لإقناع المواطن بأن السعادة لا تحتاج إلى كهرباء ولا ماء ولا شارع معبد.لقد أصبح قاموسنا الوطني أعظم اختراع في العصر الحديث؛ فهو قادر على تحويل الهزيمة إلى انتصار، والفشل إلى إنجاز، والدين إلى استثمار، والوطن إلى شعار يُرفع في النهار، ثم يُقايض في الليل.والعجيب أن الجميع يعرف الحقيقة، لكنهم يتعاملون معها كما يتعامل الضيوف مع الفيل الجالس في منتصف الغرفة؛ يلتفون حوله، يتحدثون عن الطقس، وعن أسعار الطماطم، وعن نتائج مباريات كرة القدم، بينما الفيل يزداد حجمًا، حتى لم يعد في الغرفة مكان إلا له.نحن لا نخاف من الكذب، بل نخاف من الصدق، لأنه يفسد حفلات التصفيق. فالذي يقول الحقيقة يُتهم بأنه متشائم، والذي يصف الواقع كما هو يصبح خائنًا أو حاقدًا أو مأجورًا، أما الذي يبيع الوهم بالجملة، فيُستقبل بالأحضان، ويُمنح المنابر، ويُقدم بوصفه خبيرًا في صناعة الأمل.يا لهذا الوطن الذي تحول فيه التملق إلى وظيفة، والصمت إلى وسام، والنفاق إلى مهارة، حتى صار الصادق يشعر بأنه غريب بين قوم يتحدثون اللغة نفسها، لكنهم لا يفهمون الكلمات ذاتها.في بلادنا، لا يحتاج الفساد إلى أن يختبئ، فهو يمشي في وضح النهار مرتديًا ربطة عنق أنيقة، ويبتسم للكاميرات، ثم يتحدث عن النزاهة بثقة فيصفق له الجميع، وكأن المسرحية لا تزال تعرض للمرة الأولى، رغم أنها تجاوزت آلاف العروض.أما المواطن، فهو البطل الوحيد الذي يدفع ثمن التذكرة في كل مرة، ثم يخرج من المسرح وهو يردد العبارة نفسها: "ربما يكون العرض القادم أفضل." لكنه يعود في الموسم التالي ليجد الديكور نفسه، والممثلين أنفسهم، والحوار نفسه، حتى التصفيق نفسه.لقد أصبح الوطن يشبه ساعة معطلة؛ تشير إلى الوقت الخطأ، لكنها تقنع الجميع بأنها أكثر دقة من الشمس.ومع ذلك، لا تزال هناك قلة تؤمن بأن الأوطان لا تُبنى بالتصفيق، بل بالمصارحة، ولا تنهض بالمجاملة، بل بالاعتراف، ولا يحميها من الانهيار إلا أولئك الذين يجرؤون على قول كلمة "لا" حين يتحول الجميع إلى جوقة "نعم".إن السخرية ليست استهزاءً بالوطن، بل دفاع عنه. إنها صفعة على وجه الوهم، واحتجاج أخلاقي ضد اعتياد القبح. فمن يحب وطنه لا يزين جراحه بالورود البلاستيكية، بل يفتحها للضوء كي تُشفى.ولذلك، كلما سمعت من يقول: "الأمور بخير... ولا داعي للقلق"، فتأكد أن القلق قد بلغ مرحلة لم يعد يستطيع فيها الكلام، فاختار أن يضحك.وهكذا يبقى الوطن واقفًا بين حقيقتين؛ حقيقة يصنعها الناس بعرقهم وصبرهم، وحقيقة أخرى يصنعها الخطاب الرسمي بالبلاغة والزينة. وبين الحقيقتين يقف المواطن، يبتسم ابتسامة ساخرة، لأنه أدرك متأخرًا أن أكثر الكوميديات إيلامًا هي تلك التي تُعرض باسم الوطن، بينما يدفع ثمنها الوطن نفسه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.
- عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.
- «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»
- رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-
- العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.
- العاهرات لا يسرقن الأوطان.
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.


المزيد.....




- هجوم صاروخي روسي كثيف يكشف عن النقص الحاد بدفاع أوكرانيا الج ...
- تأهب إيراني.. ترامب يهدد بضربات كبيرة
- قبل أيام من تنصيب الرئيس الكولومبي الجديد.. انفجار شاحنة مفخ ...
- تركيا والعراق تمددان اتفاقاً يضمن تدفق النفط لعام إضافي على ...
- بعد تهديد ترامب.. إيران تحذر دول المنطقة من مغبة التعاون مع ...
- -واشنطن بوست-: نتنياهو يستخدم الفيتو ضد نقل -القبة الحديدية- ...
- -نيويورك تايمز-: إدارة ترامب تستدعي صحفيا للكشف عن مصادره بش ...
- لقطة داخل غرفة نوم عبد الحليم حافظ تقود إلى قرار غير مسبوق ف ...
- كيف تحاول وكالة المخابرات المركزية الأمريكية -CIA- والموساد ...
- خبراء أمميون يؤكدون أن طائرات من طراز -بوينغ- نقلت أسلحة لقو ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وطنٌ لا يخطئ... لأن الخطأ هاجر منه!.