أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.














المزيد.....

عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 10:12
المحور: قضايا ثقافية
    


لم أفهم إلى هذه اللحظة كيف يمكن للإنسان أن يبكي على حقٍ سرقه من نفسه، وكيف يمكن لشعبٍ أن يقف طويلًا أمام باب الحرية ثم يخاف أن يطرقه. إن أكثر ما يُرعبني في هذا الوطن ليس الذين أخطأوا في حقه، فالأخطاء البشرية قديمةٌ قِدم الطين الذي صُنعت منه الحكاية الأولى، وإنما يرعبني ذلك التصالح الغريب مع الخسارات الكبرى، ذلك الاعتياد الذي يجعلنا نُطمئن أنفسنا كل صباح بأن ما نعيشه قدرٌ لا يخطئ الطريق إلينا، وكأن السماء هي التي اختارت لنا هذا التعب ولم نختره نحن ذات يوم.أخشى أن المشكلة لم تعد في الذين يحكمون، بل في تلك المسافة الشاسعة التي تفصلنا عن أنفسنا. لقد أصبحنا نشبه ذلك الرجل الذي يمضي عمره كله يبحث عن نظارته، ثم يكتشف أنها كانت فوق عينيه منذ البداية. فالعراق لم يُسرق لأنه فقير، ولم يتعب لأنه قليل الخيرات، بل لأنه خسر شيئًا أكثر أهمية من الثروات كلها؛ خسر إنسانه الذي لم يعد يعرف أين يقف من الأشياء.لقد نجحت الأزمنة القاسية في تحويل الأسئلة الكبيرة إلى أجوبة صغيرة. سألنا أنفسنا يومًا كيف نبني وطنًا، فأجابونا كيف نحمي جماعة. وسألنا كيف نحفظ كرامة الإنسان، فأجابونا كيف نحفظ قداسة الخلاف.وسألنا كيف نصنع المستقبل، فأجابونا كيف نستعيد معارك الماضي. وما زلنا منذ عشرات السنين ندور حول السؤال الخطأ، ولذلك كانت إجاباتنا كلها خاطئة أيضًا.إن الأمم لا تموت عندما يجوع أبناؤها، بل عندما يُقنعهم أحدهم أن الجوع فضيلة، ولا تضيع عندما تُسرق أموالها، بل عندما يُصبح الدفاع عن السارق ضربًا من ضروب الشرف. وما أكثر الذين سرقوا منّا قدرتنا على التفكير حتى بتنا نُصفق أحيانًا لمفتاح قيدنا، ونُبارك الجدار الذي يحجب الشمس عن نوافذنا، ثم نخرج إلى الشوارع نطالب بالنور.لقد صنعنا أصنامًا جديدة لا تشبه أصنام التاريخ القديم، فهي لا تُنحت من الحجر، وإنما تُصنع من الكلمات والخوف والعواطف المؤجلة. أصنامٌ لا تطلب من الإنسان إلا شيئًا واحدًا؛ أن يترك عقله خارج الباب ويدخل إليها بقلبٍ منفعلٍ لا بعقلٍ مُبصر. وهكذا أصبحنا نختلف على الأشخاص أكثر مما نتفق على المبادئ، ونتخاصم حول الأسماء أكثر مما نتساءل عن المصائر.
ولست أكتب هذا النص لأدين أحدًا، فالأمم لا تُبنى بلغة الإدانة، وإنما تُبنى بلغة الاعتراف.الاعتراف بأننا أخطأنا عندما سمحنا للطائفة أن تكون أكبر من الوطن، وللحزب أن يكون أطول عمرًا من الدولة، وللخلاف أن يكون أكثر حضورًا من المحبة. أخطأنا عندما ورث أبناؤنا انقساماتنا كما يرثون أسماءنا، حتى أصبح الطفل العراقي يولد وهو يحمل على كتفيه ذاكرةً لم يصنعها بنفسه.لقد آن لنا أن نعترف بأن الطائفية ليست مشروعًا سياسيًا فحسب، وإنما هي مرضٌ يصيب الذاكرة أيضًا. إنها تُعلّم الإنسان أن يرى نصف الحقيقة ويُكذّب نصفها الآخر، وأن يُحب نصف الوطن ويخشى نصفه الآخر. وما من وطنٍ يمكن أن يقف طويلًا على ساقٍ واحدة.إن العراق لا يحتاج إلى ثورة جديدة بقدر حاجته إلى إنسان جديد. إن أول ما يجب أن نفعله هو أن نُعيد الاعتبار للعقل العراقي الذي هُزِم طويلًا أمام العاطفة المؤدلجة. إن المدرسة التي لا تُعلّم الطفل كيف يسأل، ستُخرّج لنا رجلًا لا يعرف كيف يعترض، والجامعة التي تُعلّمه كيف يحفظ ولا تُعلّمه كيف يفكر، ستمنحه شهادةً معلقة على الجدار وعقلًا فارغًا من الأسئلة.ونحن بحاجة إلى أن نُعيد تعريف معنى الانتماء، فالانتماء ليس أن تُحب جماعتك أكثر، وإنما أن تتسع روحك للجميع أكثر.ليس المطلوب أن يتخلى أحد عن معتقده أو إرثه أو قناعاته، وإنما المطلوب أن نُدرك أن الوطن ليس ميدانًا لانتصار الأفكار على بعضها، بل بيتًا واسعًا تتعايش فيه جميع الأفكار تحت سقف القانون.إن الحل لا يبدأ من البرلمان، بل من البيت العراقي نفسه.من الأب الذي لا يُعلّم أبناءه الكراهية على مائدة الطعام، ومن الأم التي لا تُقسم البشر إلى فسطاطين، ومن المعلم الذي يرى في جميع طلابه أبناءً لمستقبلٍ واحد، ومن المثقف الذي لا يبيع قلمه في سوق الانقسامات، ومن رجل الدين الذي يجعل الإنسان طريقًا إلى الله لا جسرًا إلى السياسة.كما أننا بحاجة إلى عقدٍ أخلاقي جديد نتفق فيه على أن حقوق العراقي لا تُقاس باسمه ولا بمدينته ولا بمذهبه، وأن الوظيفة حق للكفاءة، والثروة حق للوطن، والسلطة تكليفٌ مؤقت وليست إرثًا أبديًا، وأن النقد ليس خيانةً وإنما محاولةٌ لإنقاذ السفينة قبل أن يغرق ركابها جميعًا.إن أكثر ما يحتاجه العراق اليوم أن نُخرجه من معجم الغلبة إلى معجم الشراكة، وأن نُخرجه من ذاكرة المظلومية إلى ذاكرة البناء، وأن نُخرجه من سؤال "من يحكم؟" إلى سؤال "كيف يُحكم؟".فالأمم المتحضرة لا تبحث عن الرجل الذي يُنقذها، بل عن النظام الذي يمنع حاجتها إلى المُنقذين أصلًا.وأنا لا أؤمن بأن هذا الوطن قد تعب إلى الحد الذي لا يقوم معه، فالأرض التي علّمت البشرية كيف تكتب أول حرف، لا يليق بها أن تُصبح آخر من يقرأ كتاب المستقبل. وما زلت أرى العراق طفلًا كبيرًا أرهقته الحروب والانقسامات، لكنه لم يفقد القدرة على النهوض. وكل ما يحتاجه أن ننزع عن عينيه ذلك القماش الذي أقنعوه طويلًا بأنه تاج.إننا لا نحتاج إلى وطنٍ ينتصر فيه أحد على أحد، بل إلى وطنٍ يخسر فيه الجميع أوهامهم لينتصر العراق وحده. وعندما نفهم أن الإنسان أغلى من كل الشعارات، وأن القانون أطهر من كل الولاءات، وأن المستقبل لا يُورَّث بل يُصنع، عندها فقط سنكتشف أننا لم نكن نبحث عن الطريق إلى العراق، بل كان العراق هو الذي ينتظر أن يجد الطريق إلينا.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»
- رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-
- العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.
- العاهرات لا يسرقن الأوطان.
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...
- براءةُ اللصوص.
- لو خُيِّرت بين النووي والحرامية.
- يلبسون الذهب... والشعب يموت جوعًا.
- الحزب الشيوعي... نزاهة الفكرة وارتباك الطريق.
- العشقُ الأوّل.
- وصية الأبواب التي لا تنحني.
- لقاء مكي... آخر الأصوات التي لم تغادر العراق.


المزيد.....




- ترامب: إيران فقدت قواتها البحرية والجوية وتريد إبرام اتفاق م ...
- نائب أوروبي ينتقد قرار المفوضية الأوروبية بوقف تمويل بينالي ...
- سباق مع الزمن لإنشاء خطوط أنابيب بديلة لتجاوز إغلاق هرمز!
- عادة شائعة قبل النوم قد تُفسد جودة نومك!
- الحوثيون يشنون هجوماً على السعودية وتجدد القصف على إيران
- مباشر: الحوثيون يعلنون مسؤوليتهم في هجوم صاروخي على السعودية ...
- عودة الوافدين إلى لبنان.. هل تستعيد السياحة عافيتها؟
- بعد 13 ليلة متواصلة.. الجيش الأمريكي لم يعلن توجيه ضربات لإي ...
- مسؤول عسكري إيراني يتحدث عن -معادلة جديدة- في الحرب مع أمريك ...
- الرئيسان الروسي والكازاخي يناقشان قضايا التعاون الثنائي خلال ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.