أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الذي مشى إلى العراق سيرة وطن في جسد رجل.















المزيد.....

الذي مشى إلى العراق سيرة وطن في جسد رجل.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 17:34
المحور: قضايا ثقافية
    


ما أثقل الوطن عندما يولد في قلب طفل، وما أقسى العمر عندما يكتشف الإنسان أن الأوطان كثيرًا ما ترد الجميل بالنسيان، وأن الخرائط التي رسمها الأجداد بالدم قد تمحوها في ليلة واحدة أقلام السماسرة وأقدام الغرباء، وأن الإنسان قد يقضي عمره وهو يبني بيتًا من الحروف ثم يستيقظ ليجد الريح قد جعلته خيمةً للغبار. هكذا بدأت الحكاية، لا في قصر، ولا في مدينة تنام على الأرصفة المضيئة، وإنما في بيت من الطين، عند تخوم الحقول، حيث كانت السنابل أكثر صدقًا من الوجوه، وكانت الشمس تشرق على الفلاحين قبل أن تتذكر المدن، وحيث كان طفل نحيل يحمل عصاه الصغيرة ويقود قطيع الغنم كأنما يقود أسئلة الكون كلها نحو المراعي، دون أن يعرف أن القدر كان يعد له طريقًا أطول من عمره، وأشد وعورة من جبال الأرض جميعًا.كان ابن الفلاح الذي لم يرث من الدنيا سوى الكرامة، ولم يترك له أبوه خزائن من الذهب، بل ترك له كفين متعبتين ورائحة التراب وشرف الكدح، وكان ذلك الإرث أعظم من ثروات الملوك. يخرج حافي القدمين، يوقظه الفجر قبل الديكة، ويلبس دشداشة بوبلين غسلتها أمه عشرات المرات حتى صار لونها يشبه لون الأيام، ثم يسير نحو مدرسة ابن سينا، لا يرافقه سوى الأمل، فيما الطريق يرافقه بالخوف. لم تكن المسافة مجرد كيلومترات، بل كانت امتحانًا يوميًا للروح، وكان عليه أن يعبر الحقول اليابسة، ويتجنب كلاب الطريق التي كانت تنبح على الفقراء أكثر مما تنبح على الغرباء، وأن يراقب الضب وهو يخرج من جحره كأنه حارس الصحراء القديمة، بينما المطر إذا هطل حوّل الأرض إلى بحر من الطين، فيغوص الطفل حتى كعبيه ثم يواصل السير كأن الطين صار جزءًا من جسده.كانت مدرسة ابن سينا تفتح أبوابها للعلم، لكنها لم تكن تعرف أنها تستقبل طفلًا جاء يحمل جوعًا إلى المعرفة يفوق جوعه إلى الخبز، وأنه كان كلما فتح كتابًا شعر أن العالم أوسع من تلك القرية، وأن الحروف تستطيع أن تهزم الفقر ولو بعد حين، فصار الكتاب وطنه الأول، والقلم صديقه الذي لم يخنه يومًا، وكل صفحة يقرؤها كانت تضيف إلى قلبه نافذة، حتى صار يرى العراق كله من خلال الكلمات، لا من خلال الحدود.ثم جاءت متوسطة تل الأسمر، وكان الطريق إليها أكثر من عشرة كيلومترات، لكنها في ذاكرته كانت عمرًا كاملًا. هناك تعلم أن التعب ليس في القدمين، بل في الأحلام الكبيرة، وأن الإنسان قد يقطع المسافات وهو يحمل في داخله وطنًا بأكمله. كانت الأمطار تغسل وجهه، والبرد يعض أطرافه، والطين يلتهم خطواته، لكنه كان يمضي، لأن العودة كانت تعني الهزيمة، ولأن الطفل الذي يصادق الكتب لا يخاف الطرق الطويلة.كبر، ودخل الثمانينيات، فوجد نفسه في زمن تتزاحم فيه البنادق أكثر من القصائد، وتعلو فيه أصوات المدافع على أصوات الشعراء، لكنه رفض أن يبيع روحه. كانت الدنيا تمد له مغرياتها، وكان يستطيع أن يساوم، وأن يبدل قلمه بامتيازات كثيرة، لكنه آثر أن يبقى فقيرًا في الجيب وغنيًا في الضمير. كان يرى أن الأدب ليس مهنة، بل صلاة، وأن الصحافة ليست وظيفة، بل شهادة يؤديها الإنسان أمام التاريخ، ولذلك ظل يكتب وهو يعلم أن الكلمة الصادقة كثيرًا ما تدفع صاحبها إلى المنفى قبل أن تدخله المجد.مرت السنوات، وصار إعلاميًا وصحفيًا وشاعرًا، يكتب للعراق كما يكتب الابن لأمه المريضة، لا ينتظر مكافأة، ولا يبحث عن منصب، بل كان يفتش عن وطن يشبه الحلم الذي رآه وهو طفل يسير إلى المدرسة حافي القدمين. وحين تبدلت الأزمنة، وعصفت بالعراق رياح الاحتلال والفوضى، وجد نفسه يحمل قلمه كما يحمل المقاتل سلاحه، مؤمنًا بأن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها، بل بالكلمة أيضًا، وأن الأمم قد تُهزم عسكريًا لكنها تموت فعلًا عندما تموت لغتها وذاكرتها.غير أن المأساة لم تكن فيما جاء من خارج الحدود وحده، بل فيما نبت داخلها أيضًا. رأى جماعات تتحدث باسم الدين وهي تزرع الخوف، وتستبيح الدم، وتحول الإيمان إلى وسيلة للصراع السياسي، حتى صار الأخ يخاف أخاه، والجار يراقب جاره، وغدا الإنسان يسأل عن اسمه قبل أن يسأل عن جرحه. رأى الوطن يتمزق تحت رايات كثيرة، وكل راية تدعي أنها وحدها تمتلك الحقيقة، بينما الحقيقة كانت تنزف على الأرصفة، بلا صوت.وقف، كما وقف دائمًا، في صف العراق، لا في صف الطوائف، ولا في صف الكراهية، ودفع ثمن ذلك من عمره، ومن راحته، ومن أيامه. لم يساوم، ولم ينحنِ، ولم يبدل كلماته، لكنه فوجئ أن المكافأة كانت المنفى، وأن الذي أحب الأرض أكثر من نفسه صار هو الغريب عنها، وأن الذي دافع عنها وجد نفسه يحمل حقيبة النزوح بدل حقيبة الصحافة، ويبحث عن سقف يؤويه بعدما كان يحلم أن يؤوي العراق كله في قصيدة.وفي المنافي اكتشف أن الغربة ليست مكانًا، بل لحظة يشعر فيها الإنسان أن صوته لا يصل إلى بيته. كانت المدن تمر أمامه بلا ذاكرة، وكانت الوجوه تتغير، لكنه ظل يرى في كل شارع ظل نخلة، وفي كل نافذة دجلة، وفي كل مساء صوت أمه وهي تناديه من آخر الحقل. كان العراق يطارده حتى في نومه، يوقظه من الأحلام، ويجلس معه على موائد الفقراء، ويشاركه وحدته، حتى صار يحمل وطنًا كاملًا داخل قلب متعب.تقدم العمر، وأثقلت الأمراض جسده، وصار العكاز شريك خطواته، والسرير شاهدًا على ليالٍ طويلة من الألم، لكن القلم بقي واقفًا. كانت أصابعه ترتجف وهي تكتب، غير أن الحروف كانت أكثر ثباتًا من الجبال. أدرك أن الجسد قد يشيخ، أما الرسالة فلا تشيخ، وأن الإنسان لا يقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بعدد القيم التي رفض أن يبيعها.كان ينظر إلى العراق من بعيد، فلا يرى ذلك البلد الذي خرج منه الطفل ذات صباح بدشداشته البسيطة، بل يرى وطنًا أثقلته الحروب والانقسامات والخراب، ويرى وجوهًا تبدلت، وموازين اختلت، وأسماء صعدت لا لأنها الأجدر، بل لأن زمن الفوضى كثيرًا ما يرفع من لا يستحق، بينما يبقى أصحاب الضمائر في الظل، يدفعون أثمانًا لا يراها أحد. ومع ذلك لم يسمح لليأس أن يكتب السطر الأخير، لأنه كان يؤمن أن الأوطان تمرض لكنها لا تموت، وأن الأرض التي أنجبت الأنبياء والشعراء والفلاحين لا بد أن تستعيد يومًا أبناءها.وعندما صار الليل أطول من النهار، وصار الجسد أكثر تعبًا من الطريق، جلس يراجع حياته، فلم يندم على فقر، ولا على جوع، ولا على طريق قطعه حافيًا، ولا على كتاب اشتراه بثمن رغيف، ولا على قصيدة كتبها وهو يعلم أنها لن تمنحه سوى المتاعب. ندم على شيء واحد فقط؛ أنه أحب العراق أكثر مما أحب نفسه، وظن أن الحب وحده يكفي ليحمي الإنسان من الغربة.وحين أغلق دفتر أيامه الأخيرة، لم يكن يبحث عن منصب ضاع، ولا عن مال فات، ولا عن شهرة عابرة، بل كان ينتظر نافذة تفتح على أول الطريق، الطريق الذي بدأ من بيت طيني صغير، ومن طفل يرعى الغنم، ويحلم أن يصبح أديبًا، ثم صار رجلًا حمل العراق كله على كتفيه حتى انحنى ظهره، ولم يسقط. بقي واقفًا في ذاكرة الحروف، لأن الأوطان لا يحفظها أصحاب القصور، وإنما يحفظها أولئك الذين ساروا إليها حفاة، وكتبوا أسماءها بدموعهم قبل أن يكتبوها بالحبر، وتركوا للعالم حكاية رجل خسر كل شيء إلا شرفه، وكلما ضاق به المنفى اتسعت داخله البلاد، حتى صار هو الوطن الأخير الذي لم تستطع العواصف أن تهدمه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تستيقظ الثكنات... من يسبق الآخر، الدولة أم الفوضى؟ .
- أنا... ما تبقّى من وطن .
- سُجودٌ عند أعتاب كسرى.
- اغتصاب العدالة... قبل اغتصاب الجسد.
- وطنٌ لا يخطئ... لأن الخطأ هاجر منه!.
- حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.
- عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.
- «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»
- رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-
- العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.
- العاهرات لا يسرقن الأوطان.
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.
- هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها؟.
- خُمس هرمز... أم خُمس الوهم؟ والشرق الأوسط على حافة السؤال ال ...
- جميل براهمة... وجهٌ حفظ ذاكرة الدراما الأردنية وتركها تسأل ع ...
- الحوار المتمدن... ذاكرة العقل العراقي ومنبر الثقافة العربية ...
- العراق على مفترق الخرائط... وزيارة الزيدي في زمن إعادة تشكيل ...


المزيد.....




- -رسالة تحذير لطهران-.. تحليل: أهداف اتفاقية مكة للدفاع المشت ...
- تستيقظ كثيرا أثناء الليل؟.. 3 أسباب خفية قد تكون وراء اضطراب ...
- مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.. أيزنكوت يحافظ على صدارة ا ...
- الهجوم الثاني خلال 24 ساعة..الحوثيون يستهدفون القوات الحكومي ...
- رئيس الشاباك: موافقة حماس على نزع السلاح -خدعة- لكسب الوقت
- الخصاونة: لم نخش إخوان مصر.. لكن إخوان الأردن حاولوا التنمر ...
- زاخاروفا: هجوم الرئيس البولندي على روسيا نتاج -عقد تاريخية- ...
- روسيا: باريس دأبت على توجيه اتهامات لا أساس لها لموسكو ولا ن ...
- الاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات على 5 أفراد مرتبطين بالصناعات ا ...
- الشرطة الأوروبية تعتقل ثلاثة أشخاص بسبب انتمائهم إلى شبكتي ت ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الذي مشى إلى العراق سيرة وطن في جسد رجل.