أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الحمار المقدّس.















المزيد.....

جمهورية الحمار المقدّس.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 09:55
المحور: قضايا ثقافية
    


في بلادنا العجيبة، صار التقدم تهمة، والجهل فضيلة، والكهرباء مؤامرة،والكتاب سلاحاً أخطر من البندقية، حتى أصبح المواطن الصالح ـ وفقاً لدستور العمامة والفتوى والمصلحة ـ هو ذلك الذي يعرف كيف يصفق، ومتى يصفق، ولمن يصفق، ثم يعود إلى بيته مطمئناً لأنه لم يسأل سؤالاً قد يزعج أصحاب المعرفة الإلهية.العالم من حولنا اخترع الأقمار الصناعية، والسيارات الذكية، والروبوتات ، والطب الحديث، والذكاء الاصطناعي، ونحن ما زلنا نناقش: هل يجوز للإنسان أن يأكل البيتزا دون أن تتحول معدته إلى سفارة أجنبية؟ وهل الهمبرغر مؤامرة صهيونية أم مجرد لحم بين خبزتين؟ أما من يأكل النستلة أو يشرب الشربت أو يركب سيارة حديثة، فاحذروا منه، فقد تظهر عليه أعراض الحضارة، وربما ـ لا سامح الله ـ يسأل عن الكهرباء والماء والتعليم.أما القراءة، فهذه جريمة كبرى.الكتاب في بعض العقول أخطر من القنبلة،لأن القنبلة تهدم بيتاً، بينما الكتاب قد يهدم وهماً عمره ألف عام.ولهذا ينبغي ـ وفق المنطق الأعوج ـ أن يبقى الإنسان أمياً، لأن المتعلم يسأل،والسؤال يفتح الباب، والباب إذا فتح دخل منه العقل، والعقل إذا دخل إلى الغرفة بدأ يسأل عن صاحب الغرفة،ومن هنا تبدأ الكارثة.لذلك، أيها المواطن الصالح، أغلق الكتاب.ضع القلم جانباً.لا تسأل.لا تبحث.لا تقارن.لا تقل: لماذا؟.فـ«لماذا» هي أم المصائب، لأنها قد تقود إلى «كيف؟»،و«كيف؟» قد تقود إلى «من المسؤول؟»،وعندها تتحول المسألة من درس ديني إلى ملف فساد، ومن خطبة إلى حساب، ومن التصفيق إلى ثورة.أما الكهرباء، فهذه بدعة.حضارية ينبغي الحذر منها، لأنها تضيء المكان، ونحن نحتاج إلى الظلام حتى لا يرى أحد ما يحدث في الغرفة.الكهرباء عدوة ممتازة للفساد؛ فالظلام صديق قديم لكل من يحب أن يعمل بعيداً عن العيون.أما الماء النظيف، فرفاهية مستوردة.عودوا إلى ماء السواقي!..وإن مرض أحدكم، فلا تذهبوا إلى المستشفى، فالمستشفى أيضاً اختراع مشبوه، والطبيب ربما قرأ كتاباً،والكتاب يفتح باب السؤال، والسؤال قد يقود إلى العلم، والعلم مصيبة إذا وصل إلى المواطن.عودوا إلى العلاجات القديمة، وإلى الصوف، وإلى البعير، وإلى تجارة القوافل، وإلى الزمن الذي كان الإنسان فيه يمشي أياماً كي يصل إلى مكان كان يمكن أن يصل إليه اليوم في نصف ساعة.
فهذه هي الأصالة الحقيقية!..أما السيارة، فهي فتنة.والطائرة فتنة أكبر.والإنترنت فتنة أعظم.
أما الهاتف الذكي فهو مصيبة كاملة؛ لأنه جعل المواطن يستطيع أن يرى العالم كله وهو جالس في غرفة صغيرة، ويكتشف أن ما قيل له عن العالم طوال حياته ربما يحتاج إلى إعادة نظر.ولهذا، يجب أن نعود إلى الحمار.الحمار حيوان وطني ممتاز.لا يحتاج إلى بنزين، ولا إلى كهرباء، ولا إلى شبكة إنترنت، ولا يسأل عن الموازنة، ولا يطالب بالإصلاح، ولا يقرأ الصحف، ولا يكتب منشورات تنتقد أحداً.إنه المواطن المثالي في دولة لا تريد مواطنين، بل تريد جمهوراً.ثم يأتي رجل العمامة ليشرح لنا أن ركوب الحمار أقرب إلى السلف، وأن السيارة قد تكون من علامات الانحراف، وأن البيتزا تحمل في عجينتها مشروعاً استعمارياً، وأن الهمبرغر ربما يخفي خلف الصلصة مخططاً لإسقاط الحضارة الإسلامية.أما إذا أكلت تمرة، وركبت بعيراً،وشربت من الساقية، ولبست الصوف، وصفقت طويلاً،فأنت إنسان صالح،حتى لو سرق منك المسؤول مستقبلك.المشكلة ليست في أن يعود الإنسان إلى الماضي؛ فالماضي ذاكرة عظيمة حين نقرأه بعقل.المصيبة أن يتحول الماضي إلى سجن يمنع الإنسان من بناء المستقبل.العجيب أن بعضهم يريد للناس أن يعيشوا بعقل القرن السابع عشر، بينما هو شخصياً يعيش في قصر مكيف، ويركب أحدث السيارات،ويستخدم الهاتف الذكي، ويتلقى العلاج بأحدث التقنيات،ويسافر بالطائرة،ثم يخطب في الناس عن فضائل الفقر والزهد والحمير والصوف.وهنا يصبح السؤال الفلسفي الجميل:إذا كان الفقر فضيلة، فلماذا لا يبدأ به من يدعو إليه؟..وإذا كانت السيارة بدعة، فلماذا لا يركب سيارته إلى المرآب ويعود ماشياً؟..وإذا كان العلاج الحديث مؤامرة،فلماذا لا يعالج نفسه بالأعشاب التي ينصح بها للفقراء؟..وإذا كانت الكهرباء فساداً في الأخلاق، فلماذا لا يطفئ مكيف الهواء في بيته؟.وإذا كان العلم خطراً على الناس، فلماذا يرسل أبناءه إلى أفضل الجامعات؟..هذه الأسئلة الصغيرة تستطيع أحياناً أن تهزم خطبة كاملة.ثم يأتي الاتهام الجاهز:كافر!..مرتد!..عميل!..ابن سفارة!..متأثر بالغرب!..وهكذا يصبح الإنسان متهماً لأنه قرأ،ومتهماً لأنه فكر، ومتهماً لأنه طلب دولة تحترم عقله.أما القتل والنزوح، فيمكن أن يصبحا ـ في بعض الأزمنة السوداء ـ مجرد أدوات في يد السياسة حين تختبئ السياسة خلف الدين.يا لها من مفارقة!..يُطلب من المواطن أن يؤمن بأن السياسي مفوض من السماء، بينما السياسي نفسه لا يتورع عن طلب الأصوات من الأرض.ويُطلب من المواطن أن يصمت لأن رجل الدين يعرف، ثم نكتشف أن رجل الدين لا يعرف سعر الخبز الذي يشتريه الفقير، ولا يعرف كيف يدفع إيجار بيته، ولا كيف يعيش الموظف آخر الشهر.يُقال للناس: اصبروا.ويُقال لهم: اقتنعوا.ويُقال لهم: هذه مشيئة الله.ثم تأتي فاتورة الكهرباء، وسعر الدواء، وغلاء الطعام، وانهيار الخدمات، وتضخم جيوب المتنفذين، فيكتشف المواطن أن الصبر مطلوب منه وحده، أما الصبر على السلطة فليس من الواضح أنه موجود في كتب الفقه السياسي.لقد صنعوا من المواطن كائناً عجيباً: يريدونه متديناً بلا سؤال،وطنياً بلا حقوق، فقيراً بلا اعتراض، مطيعاً بلا نقاش، صامتاً أمام الفساد، غاضباً فقط عندما يؤمر بالغضب.لكن الإنسان حين يتعلم القراءة لا يعود كما كان.وحين يكتشف الكهرباء لا يقبل الظلام بسهولة.وحين يشرب الماء النظيف لا يقتنع بأن الطين قدر أبدي.وحين يأكل الطعام الجيد لا يصبح عميلاً.وحين يركب السيارة لا يصبح صهيونياً.وحين يستخدم الإنترنت لا يصبح كافراً.وحين يسأل السياسي: أين ذهبت الأموال؟ لا يكون مرتداً.إنه فقط يمارس حقه الطبيعي في أن يكون إنساناً.الثورة الحقيقية تبدأ أحياناً من سؤال صغير.من كتاب يفتح في غرفة.من شاب يرفض أن يصدق كل ما يسمع.من أم تريد لابنها مدرسة أفضل.من عامل يريد أجراً عادلاً.من مواطن يريد كهرباء لا تنقطع.من إنسان يريد أن يعيش دون أن يخاف من كلمة يقولها.وحين تتراكم هذه الأسئلة، يصبح الصمت نفسه أكثر كلفة من الكلام.وهنا يخاف السارق.فاللص لا يخاف من المواطن الجائع بقدر ما يخاف من المواطن الذي عرف لماذا جاع.ولا يخاف من الإنسان الفقير بقدر ما يخاف من الإنسان الذي اكتشف من سرق ثروته.ولا يخاف من الجاهل بقدر ما يخاف من القارئ.لذلك، إذا أردتم إسقاط ثقافة الخوف، لا تبدأوا بإحراق شيء.ابدؤوا بفتح كتاب.ولا تبدأوا بكسر باب.ابدؤوا بطرح سؤال.ولا تحتاجون إلى قتل أحد كي تنتصروا على الجهل؛ يكفي أن تجعلوا أبناءكم يتعلمون، وبناتكم يقرأن، وشبابكم يفكرون، ومواطنيكم يعرفون حقوقهم.أما الحمار،فاتركوه في حاله.فهو بريء من كل هذه الحماقة.لقد حمل الإنسان قروناً طويلة، لكنه لم يطلب يوماً أن يصبح وزيراً، ولا شيخاً، ولا نائباً، ولا مفوضاً من السماء.وربما كان أكثر حكمة من بعض الذين يركبونه.وإذا كان لا بد من العودة إلى السلف، فلنعد إليهم في شجاعتهم على التفكير، وفي طلبهم للعلم، وفي قدرتهم على بناء الحضارة، لا في قشورهم التي يريد البعض تحويلها إلى قانون أبدي.العراق الذي علّم العالم الكتابة لا يستحق أن يُطلب من أبنائه أن ينسوا القراءة.والبلد الذي عرف المكتبة والطب والفلك والقانون لا يجوز أن يُدفع إلى الظلام باسم الأصالة.والشعب الذي أنجب علماء وشعراء ومفكرين لا ينبغي أن يُعامل كقطيع يحتاج إلى راعٍ يعرف كل شيء،ولا يُسمح له أن يسأل شيئاً.لقد انتهى زمن المواطن الذي يصفق لأنه خائف.وحان زمن المواطن الذي يصفق حين يستحق المسؤول التصفيق،ويعترض حين يستحق الاعتراض، ويسأل حين يكون السؤال حقاً.فالدين لا يحتاج إلى جهل كي يعيش، والوطن لا يحتاج إلى عبيد كي يبقى، والسياسة لا تحتاج إلى قداسة كي تستمر.أما الذين سرقوا المال باسم الدين، والسلطة باسم الوطن، والسكوت باسم الحكمة، فسيكتشفون متأخرين أن الشعوب قد تنام طويلاً، لكنها لا تنام إلى الأبد.وعندما تستيقظ الشعوب، لا يكون أول ما تبحث عنه الحمار.تبحث عن المفتاح.مفتاح المدرسة.مفتاح المكتبة.مفتاح المستشفى.مفتاح الكهرباء.ومفتاح الدولة التي ضاعت بين عمامة السياسي وسياسة العمامة.وحين يجد الشعب المفتاح، قد يكتشف أن الباب كان مفتوحاً طوال الوقت، وأن الذي أقنعه بأنه عاجز عن الخروج لم يكن حارساً للباب، بل كان يخشى أن يخرج الناس فيرونه واقفاً خلفه.عندها فقط تبدأ الحكاية الحقيقية:شعب يخلع نعاسه، ويفتح عينيه،ويستعيد عقله، ويقول للسارق بأبسط جملة يمكن أن تهز عرشاً كاملاً:كفى... هذه البلاد لنا جميعاً، وليست مزرعة لأحد.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أقذر القاذورات .
- العراق المخطوف بالشعارات والسلاح.
- دولة «ماكو فلوس» ومملكة القوّادين .
- شرف الكلمة حين يسقط أصحابها.
- السوداني... حكاية رجل دخل بمفتاح النزاهة وترك خلفه أبواباً ك ...
- احذروا... فالكلمة الطائفية أخطر من الرصاصة.
- الحرب التي لا تسأل عن العرب.
- الذي مشى إلى العراق سيرة وطن في جسد رجل.
- عندما تستيقظ الثكنات... من يسبق الآخر، الدولة أم الفوضى؟ .
- أنا... ما تبقّى من وطن .
- سُجودٌ عند أعتاب كسرى.
- اغتصاب العدالة... قبل اغتصاب الجسد.
- وطنٌ لا يخطئ... لأن الخطأ هاجر منه!.
- حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.
- عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.
- «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»
- رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-


المزيد.....




- لحظة وقوع زلزال بقوة 7.7 درجة في إندونيسيا وتحذيرات من تسونا ...
- زلزال بقوة 7.7 درجة يضرب إندونيسيا.. سكان يفرّون ومبانٍ تنها ...
- الحوثيون يعلنون استهداف تجمعات وأسلحة سعودية في ميناء المخا ...
- العثور على 11 جثة متحللة قبالة سواحل ليبيا
- تاكاييتشي تخالف نهج أسلافها وتتجنب كلمة -الندم- في خطاب ذكرى ...
- إسقاط 5 مسيرات استهدفت موسكو
- متحدثة زيلينسكي السابقة: جنود أوكرانيا يشربون البول للبقاء أ ...
- لبنان.. قتلى وجرحى بتصعيد عسكري إسرائيلي واشتباكات مع حزب ال ...
- مصدر: قوات كييف تلقي من المسيّرات مفخخات مموهة في دونيتسك
- الحكومة اليمنية: مقتل 4 مدنيين بقصف حوثي بصواريخ باليستية عل ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الحمار المقدّس.