أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - دولة «ماكو فلوس» ومملكة القوّادين .















المزيد.....

دولة «ماكو فلوس» ومملكة القوّادين .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 02:51
المحور: قضايا ثقافية
    


يا لها من دولة عجيبة، دولة إذا اقترب منها المتقاعد قالت له «ماكو فلوس»، وإذا وقف أمامها الخريج قالت له «ماكو تعيينات»، وإذا طرق بابها الفلاح قالت له «اصبر»، وإذا طالب الموظف بسلم رواتب عادل قالت له «المالية ما تسمح»، وإذا صاح الفقير من الجوع قالت له «الظروف صعبة»؛ لكن ما إن يقترب منها أصحاب النفوذ حتى تتحول الدولة إلى خزنة مفتوحة، والموازنة إلى نهر لا ينضب، والمناصب إلى غنائم، والمشاريع إلى كعكة، والحمايات إلى جيوش، والفضائيات إلى أبواق تشتغل على مدار الساعة لتخبرنا أن كل شيء بخير!..أيها القوّادون في سوق السياسة، يا من جعلتم التطبيل مهنة، والنفاق وظيفة، والتبرير سلعة، بالله عليكم علّمونا هذه الحسبة العجيبة: كيف لا توجد الأموال عندما يطالب المواطن بحقه، ثم تظهر الأموال فجأة عندما يتعلق الأمر بامتيازاتكم ومشاريعكم ومصالحكم؟ كيف تصبح خزينة الدولة فقيرة في وجه المتقاعد وغنية في وجه المتنفذ؟ وكيف تستطيعون بناء القصور والمجمعات والمولات والاستثمارات، ثم تقفون أمام الكاميرا بوجه لا تهزه ذرة خجل وتقولون للشعب: «ماكو فلوس»؟..يا أخي، إذا ماكو فلوس، فمن أين جاءت كل هذه الثروات؟ هل نزلت من السماء على رؤوسكم وحدكم؟ هل عندكم بئر نفط خلف البيت لا يعرفه العراقيون؟ هل ورثتم العراق قطعة قطعة؟ أم أن هناك ماكينة سحرية تحول المال العام إلى أموال خاصة، ثم تحول السؤال عن مصدر المال إلى جريمة، وتحول المطالبة بحقوق الناس إلى إزعاج؟
تكله: زيد راتب المتقاعد، يكلك ماكو فلوس. تكله: أنصف الخريج، يكلك ماكو فلوس. تكله: أعط الفلاح حقه، يكلك ماكو فلوس. تكله: أقر سلم الرواتب، يكلك ماكو فلوس. تكله: أصلح الكهرباء والماء والصحة والتعليم، يكلك ماكو فلوس. لكن إذا وصل الدور إلى امتيازاتكم، وحماياتكم، ومواكبكم، ومكاتبكم، ومشاريعكم، وفضائياتكم، وأحزابكم، تصير الفلوس موجودة وتتكاثر مثل الأرانب!
وهنا تحديدًا يصبح المواطن أمام فلسفة سياسية عراقية من طراز خاص: الدولة لا تملك المال، لكن بعض رجال الدولة يملكون ما يكفي من المال لشراء ما لا يستطيع المواطن حتى أن يحلم به. الدولة عاجزة عن دفع حق إنسان خدم ثلاثين سنة، لكنها ليست عاجزة عن تمويل منظومة كاملة من المصالح والمنافع والرواتب والامتيازات.الدولة تقول للفقير «انتظر»، لكنها لا تقول للمتنفذ «انتظر»؛ لأن الانتظار عندهم للناس، أما أصحاب الحظوة فلهم الطريق السريع.ثم تأتي جوقة المطبلين، أولئك الذين إذا عطس المسؤول قالوا له «يرحمكم الله»، وإذا أخطأ قالوا «استراتيجية»، وإذا فشل قالوا «حكمة»، وإذا عجز قالوا «ظروف»، وإذا انكشفت الحقيقة قالوا «مؤامرة»، وإذا طالب الشعب بحقه قالوا «مغرضون»! يا جماعة الخير، شوية حياء، شوية عقل، شوية كرامة، لأن التطبيل إذا تجاوز حدوده لا يعود دفاعًا عن شخص، بل يتحول إلى مشاركة في إهانة شعب كامل.أنتم لا تخدمون الدولة، أنتم تخدمون صورة الفاسد عن نفسه. تصنعون له هالة من الوهم، وتلبسون الفشل بدلة نجاح، وتضعون فوق رأس العجز تاجًا من الأكاذيب، ثم تريدون من الناس أن يصدقوا أن الخراب إنجاز، وأن الفقر سياسة اقتصادية، وأن ضياع الحقوق حكمة إدارية.والأقبح من كل ذلك أن يخرج من يملك كل أسباب القوة ليحدثنا عن التقشف، بينما المواطن يحسب سعر الدواء، ويقترض أجرة البيت، ويعد الأيام حتى نهاية الشهر. أي تقشف هذا؟ تقشف على الشعب فقط؟ لماذا لا يبدأ التقشف من موائدكم ومواكبكم ومكاتبكم وامتيازاتكم؟ لماذا لا يبدأ من الجيوش التي لا وظيفة لها سوى التصفيق والدفاع عن أصحاب النفوذ؟ لماذا لا يبدأ من الذين يعيشون على حساب دولة تقول إنها لا تملك المال؟يا أصحاب «ماكو فلوس»، لقد أصبحت هذه العبارة نكتة وطنية سوداء. كلما نطق بها مسؤول ضحك الناس، لا لأنهم سعداء، بل لأنهم حفظوا السيناريو. يعرفون أن «ماكو فلوس» تعني غالبًا «ماكو فلوس إلك»، أما لنا نحن، فهناك دائمًا مَن يجد المال، ومَن يجد المشروع، ومَن يجد العقد، ومَن يجد المنصب، ومَن يجد الطريق إلى الخزينة.
ولذلك أقولها بأعلى صوت: أنتم لا تحتاجون إلى خطب جديدة، بل تحتاجون إلى مرآة. انظروا إلى وجوهكم عندما يسألكم رجل كبير أفنى عمره في خدمة الدولة: لماذا راتبي لا يكفيني؟ وانظروا إلى وجوهكم عندما يسألكم خريج: أين مستقبلي؟ وانظروا إلى وجوهكم عندما يسألكم فلاح: أين حقي؟ ثم انظروا إلى أنفسكم عندما تعودون إلى بيوتكم ومكاتبكم ومصالحكم. ربما عندها تفهمون حجم المفارقة التي صنعتموها بأيديكم.أيها القوّادون السياسيون والإعلاميون، إن كنتم تبيعون ضمائركم مقابل المال أو المنصب أو الحماية أو الامتياز، فاعلموا أنكم قد تربحون اليوم كرسيًا أو راتبًا أو جمهورًا إلكترونيًا، لكنكم تخسرون شيئًا لا يمكن شراؤه لاحقًا: احترامكم لأنفسكم. والإنسان الذي يفقد احترامه لنفسه يستطيع أن يصفق لأي أحد، وأن يدافع عن أي شيء، وأن يبرر أي سرقة، وأن يكذب على نفسه قبل أن يكذب على الناس.العراق لا يحتاج إلى المزيد من المهرجين الذين يصفقون فوق خرابه، ولا إلى خطباء يشرحون للمواطن لماذا يجب أن يقبل الفقر، ولا إلى مسؤولين يملكون كل شيء ثم يطلبون من الناس أن يتحملوا. العراق يحتاج إلى دولة تقول الحقيقة، وإدارة تحاسب، وقانون لا ينحني أمام صاحب النفوذ، ومال عام يعرف طريقه إلى المواطن قبل أن يعرف طريقه إلى أصحاب المصالح.فيا من سرقتم من الدولة معناها قبل أن تسرقوا مالها، ويا من حولتم السياسة إلى سوق، والوطن إلى صفقة، والمواطن إلى رقم، والتطبيل إلى مهنة، تذكروا أن العراق أكبر منكم، وأن الكراسي أقصر من أعماركم، وأن المال لا يشتري التاريخ، وأن الحماية لا تحمي الإنسان من ذاكرة شعبه.أما أنتم الذين لا تملكون جوابًا إلا «ماكو فلوس»، فنحن نقول لكم: ربما لا توجد فلوس في خزينة المواطن، لكن هناك سؤال كبير في ذاكرة المواطن: أين ذهبت أموال الدولة؟وهذا السؤال لن يسقط بالتقادم، ولن تسكته فضائية، ولن يمحوه مطبل، ولن تغطيه ألف حملة إلكترونية.
لأن الشعب قد يسكت طويلًا، لكنه لا ينسى.
والتاريخ قد يتأخر في فتح دفاتره، لكنه عندما يفتحها لا يعرف المجاملة.
وعندها لن ينفعكم «ماكو فلوس»؛ لأن الحساب الحقيقي لا يحتاج إلى ميزانية.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شرف الكلمة حين يسقط أصحابها.
- السوداني... حكاية رجل دخل بمفتاح النزاهة وترك خلفه أبواباً ك ...
- احذروا... فالكلمة الطائفية أخطر من الرصاصة.
- الحرب التي لا تسأل عن العرب.
- الذي مشى إلى العراق سيرة وطن في جسد رجل.
- عندما تستيقظ الثكنات... من يسبق الآخر، الدولة أم الفوضى؟ .
- أنا... ما تبقّى من وطن .
- سُجودٌ عند أعتاب كسرى.
- اغتصاب العدالة... قبل اغتصاب الجسد.
- وطنٌ لا يخطئ... لأن الخطأ هاجر منه!.
- حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.
- عندما يصفّق السجين لمفتاح قيده.
- «إيران... الساعة الأخيرة للإمبراطورية»
- رسائلُ رجلٍ أحمق... أو كيف انتصر القلبُ على العالم.
- اعترافاتُ دولةٍ تخافُ من المصباح.
- عندما صار المهدي حارساً لقصور اللصوص.
- بلاغ رقم.. وطنٍ مقتول-
- العراق.. موتُ المعنى في زمنِ الغرباءِ.
- العاهرات لا يسرقن الأوطان.
- الزيارة التي وضعت العراق أمام مرآة السؤال.


المزيد.....




- حادث الإسماعيلية في مصر.. قتلى وجرحى جراء تصادم شاحنتين -محم ...
- القوات الجوية الروسية.. 114 عاما من العراقة ومسيرة تطور مستم ...
- -ضريبة المحمول- بمصر .. غضب وشكوك ودعوات لوقف تحويلات الخارج ...
- مصر.. إلغاء الإعفاء الجمركي على الهاتف- دعم للتصنيع أم عبء؟ ...
- أزمة سبتة تختبر قدرة -ميتا- و-تيك توك- على مواجهة التضليل
- فضيحة -الخطوط الوهمية- في مصر.. خبراء يكشفون المخاطر والحلول ...
- أوكرانيا.. ضعف أوروبي وعجز صناعي أمريكي
- أفضل التوابل لصحة الكلى
- بوتين في يوجنو-ساخالينسك لحضور المرحلة الختامية من مناورات أ ...
- لمريض بعمر 101 عام.. أطباء روس يجرون أول عملية جراحية من نوع ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - دولة «ماكو فلوس» ومملكة القوّادين .