أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - التوقيع الذي يصنعه التاريخ.














المزيد.....

التوقيع الذي يصنعه التاريخ.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 15:18
المحور: قضايا ثقافية
    


السيد رئيس الجمهورية المحترم،هناك لحظات لا تكون فيها الورقة مجرد ورقة، ولا يكون القلم مجرد قلم، ولا يكون التوقيع إجراءً إدارياً عابراً؛ فبعض التواقيع تعبر من يد صاحبها إلى صفحات التاريخ مباشرة، وتحمل معها مسؤولية الدم والعدالة وضمير الدولة. ولهذا فإنني أكتب إليكم اليوم من موقع المواطن الذي يخشى على العدالة أكثر مما يخشى على الأشخاص، ويدعوكم إلى التريث في كل حكم بالإعدام تحال أوراقه إليكم، لأن حق الدولة في معاقبة المجرم لا يقل أهمية عن واجبها في حماية البريء.العراق عرف سنوات ثقيلة اختلط فيها الإرهاب بالجريمة، والسياسة بالطائفية، والسلاح بالقانون، ودفعت عائلات كثيرة أثماناً لا ذنب لها فيها. وفي تلك السنوات جرت اعتقالات ومحاكمات في ظروف استثنائية، وتحدث كثيرون عن انتزاع اعترافات تحت التعذيب، وعن مخبر سري، وعن ملفات لم تكن دائماً محصنة بما يكفي من الشبهات. ولا يمكن للعدالة الحقيقية أن تخاف من إعادة النظر في قضية تحيط بها علامات استفهام؛ فالعدل لا يخسر عندما يعيد فحص ملف، وإنما يخسر عندما يُعدم إنسان ثم يكتشف المجتمع بعد فوات الأوان أن الأدلة لم تكن كافية.إنني لا أدعو إلى إطلاق سراح مجرم ثبتت إدانته بأدلة قانونية قاطعة، ولا أطلب من الدولة أن تتسامح مع من سفك الدماء أو ارتكب الجرائم بحق العراقيين. المجرم الحقيقي يجب أن ينال جزاءه وفق القانون، وأهل الضحايا لهم حق لا يجوز أن يضيع. لكن العدالة لا تكون عدالة إذا أصبحت الشبهة دليلاً، والوشاية حقيقة، والاعتراف المنتزع تحت الإكراه حجة نهائية.
المشكلة الكبرى ليست في العقوبة عندما تستند إلى قضاء نزيه وأدلة ثابتة ومحاكمة عادلة؛ المشكلة في أن يتحول الإنسان إلى رقم في ملف، وأن يصبح اسمه مرتبطاً بتهمة لا يستطيع الدفاع عن نفسه منها، ثم يصل الملف في النهاية إلى مكتب رئيس الجمهورية ليكون التوقيع هو آخر محطة قبل أن يغلق باب الرجوع.السيد الرئيس، إن سلطة التوقيع على أحكام الإعدام ليست امتيازاً سياسياً، بل امتحان أخلاقي. ولذلك فإن التريث لا يعني التردد، وإعادة التدقيق لا تعني تعطيل العدالة، وطلب مراجعة الملفات لا يعني الوقوف مع المجرمين. أحياناً تكون أقوى كلمة يمكن أن يقولها صاحب المسؤولية: «أعيدوا النظر، تأكدوا، دققوا، ثم نفذوا القانون إن ثبتت الإدانة».
لقد عرف العراقيون في التجربة السياسية الكردية نماذج ارتبطت في ذاكرتهم بفكرة التسامح والحوار، وكان الراحل جلال طالباني معروفاً بموقفه الرافض للتوقيع على أحكام الإعدام. وهذه صفحة سياسية وإنسانية تستحق أن تُقرأ بعيداً عن الحسابات الحزبية والمواقف الآنية، لأنها تقول شيئاً بسيطاً وعميقاً: أن الدولة تستطيع أن تكون قوية من دون أن تكون متعجلة، وأن هيبة القانون لا تحتاج إلى دم حتى تثبت وجودها.ولذلك فإن رسالتي إليكم ليست تهديداً، ولا شتيمة، ولا تحريضاً، ولا لغة تشبه بعض الأصوات التي تملأ الفضاء العام بالغضب والوعيد. تلك اللغة لا تخدم قضية البريء، ولا تحترم مقام الدولة، ولا تبني عدالة. الاختلاف السياسي لا يبرر التهديد، والنقد لا يحتاج إلى إساءة، والاعتراض على حكم لا يكون بإهانة رئيس الجمهورية أو الدعوة إلى العنف ضده. العراق أكبر من هذه اللغة، والعدالة أرفع منها.نحن نريد دولة لا تخاف من السؤال، وقضاءً لا يخشى إعادة التدقيق، وملفات لا تحتاج إلى حماية سياسية كي تثبت قوتها. فإذا كانت الأدلة صلبة، فلتثبت صلابتها أمام مراجعة قانونية دقيقة؛ وإذا كانت هناك ثغرات، فتصحيحها قبل فوات الأوان هو انتصار للقضاء لا هزيمة له.لقد عانى العراق من خطأ قاتل واحد: أننا كثيراً ما كنا نبحث عن الجاني قبل أن نبحث عن الحقيقة. والحقيقة لا تنتمي إلى طائفة ولا إلى قومية ولا إلى حزب. الدم العراقي واحد، والإنسان العراقي واحد، والظلم لا يصبح عدلاً لأن الضحية من مكون مختلف، كما أن الجريمة لا تصبح أقل جريمة لأن مرتكبها ينتمي إلى المكون الذي ننتمي إليه.ولهذا فإن العدالة التي نطالب بها يجب أن تشمل الجميع. فإذا كان بين المحكومين من ارتكب مجازر وجرائم ثابتة، فليأخذ القانون مجراه. وإذا كان بينهم بريء، فواجب الدولة أن تنقذه قبل أن يصبح الخطأ حقيقة لا يمكن إصلاحها. لا نريد عدالة انتقائية، ولا انتقاماً سياسياً، ولا أحكاماً تبنى على الانتماء، وإنما نريد قضاءً يضع الدليل فوق الطائفة، والحقيقة فوق السياسة، والإنسان فوق الملف.السيد الرئيس، أنت أمام لحظة تستطيع فيها أن تجعل توقيعك عنواناً للعدالة لا خاتمة لملف. تستطيع أن تطلب مراجعة كل قضية تحيط بها شبهة حقيقية، وأن تترك للقضاء أن يقول كلمته من جديد، وأن تجعل من التريث موقفاً دستورياً وأخلاقياً يحمي هيبة الدولة ويحمي حق الضحايا ويحمي الأبرياء في آن واحد.تذكروا أن الذي يموت بحكم القضاء لا يستطيع أن يعود ليقول: «أنا بريء». أما الدولة فتستطيع أن تتوقف قبل النهاية، وتستطيع أن تسأل، وتستطيع أن تراجع، وتستطيع أن تتأكد.وما أجمل أن يخرج الرئيس من التاريخ وفي يده توقيعٌ أنقذ بريئاً، بدلاً من توقيعٍ ظل التاريخ يسأل بعده: لماذا لم تتريثوا؟
إنني أناشدكم باسم العراق، وباسم أسر الضحايا، وباسم أسر المحكومين، وباسم العدالة التي لا ينبغي أن تكون طائفية ولا سياسية ولا انتقامية: تريثوا في أحكام الإعدام التي تحيط بها الشبهات، وأعيدوا تدقيق الملفات وفق القانون والأدلة، واتركوا للمجرم المثبت جرمه أن ينال جزاءه، وللبريء أن يجد باباً مفتوحاً للنجاة.
فالقلم الذي يوقع على إعدام مجرم يؤدي واجبه القانوني، أما القلم الذي يتريث حتى يتأكد من براءة إنسان، فقد يؤدي واجباً أعظم تجاه ضمير الدولة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عمر الفاروق... الرجل الذي هزَّ عرش كسرى ولم تهزّه الدنيا.
- «قاتلٌ وطني وضحيةٌ متهم»
- الذين يهددون ويتوعدون… لا يخيفون الحقيقة .
- من يحب إيران فليخرج من العراق .
- العراق ليس غرفة عمليات لأحد.
- جمهورية الحمار المقدّس.
- أقذر القاذورات .
- العراق المخطوف بالشعارات والسلاح.
- دولة «ماكو فلوس» ومملكة القوّادين .
- شرف الكلمة حين يسقط أصحابها.
- السوداني... حكاية رجل دخل بمفتاح النزاهة وترك خلفه أبواباً ك ...
- احذروا... فالكلمة الطائفية أخطر من الرصاصة.
- الحرب التي لا تسأل عن العرب.
- الذي مشى إلى العراق سيرة وطن في جسد رجل.
- عندما تستيقظ الثكنات... من يسبق الآخر، الدولة أم الفوضى؟ .
- أنا... ما تبقّى من وطن .
- سُجودٌ عند أعتاب كسرى.
- اغتصاب العدالة... قبل اغتصاب الجسد.
- وطنٌ لا يخطئ... لأن الخطأ هاجر منه!.
- حَسَنَةُ مُلْص.. القديسة التي سرقت وطنًا.


المزيد.....




- رئيس المرحلة الانتقالية في مالي يوافق على دعوة تبون لزيارة ا ...
- الرئيس الإيراني لقائد الجيش الباكستاني: البلطجة والغطرسة الأ ...
- وزيرة خارجية هنغاريا تؤكد معارضة بلادها لانضمام أوكرانيا الس ...
- عقود مليارية وتعاون دفاعي استراتيجي وتوافق في ملفات سوريا وه ...
- ميروشنيك يشبه تصريحات رئيس فنلندا حول استهداف نظام كييف المر ...
- فاغنكنخت تتوقع خسارة فادحة لحزب ميرتس في انتخابات ساكسونيا-أ ...
- الولايات المتحدة تعلن استعدادها لتسهيل المفاوضات بين موسكو و ...
- الدكتور/ محمد يوسف يكتب السد الإثيوبي: بين شفافية المعلومة و ...
- ألمانيا تقر أعمق إصلاح لأجهزة الاستخبارات في تاريخها الحديث ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. تفاصيل المشهد الميداني في الضفة الغر ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - التوقيع الذي يصنعه التاريخ.