حامد الضبياني
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 11:03
المحور:
قضايا ثقافية
هناك كتّاب يكتبون عن الأفكار، وهناك كتّاب يجعلون من حياتهم مختبراً للفكرة؛ ورائف أمير إسماعيل ينتمي إلى الصنف الثاني، لأنه لم يتعامل مع الفلسفة بوصفها تاريخاً لأسماء محفوظة في الكتب، ولا باعتبارها ترفاً ذهنياً يُمارس بعيداً عن أسئلة الإنسان، وإنما جعلها محاولة مستمرة لفتح الأبواب المغلقة في العقل والوجود والحياة والموت والكون. ولذلك فإن قراءة مشروعه الفكري لا تبدأ من السؤال: ماذا كتب رائف؟ بل من السؤال الأعمق: إلى أين يريد أن يأخذ الإنسان عندما يدفعه من منطقة اليقين إلى منطقة الاحتمال؟..في مشروع رائف أمير إسماعيل تتجاور الفلسفة مع علم النفس المعرفي والفيزياء وعلم الكون ونشوء الحياة والنقد والأدب والسياسة والاقتصاد والزراعة، وقد يبدو هذا الاتساع للوهلة الأولى تشتتاً في الموضوعات، لكنه عند التأمل يكشف عن خيط واحد يربطها جميعاً: الإنسان وهو يحاول أن يفهم نفسه والعالم الذي وُضع فيه. إنه لا ينظر إلى الدماغ باعتباره عضواً بيولوجياً فحسب، بل باعتباره المسرح الأول الذي تظهر عليه أسئلة الوجود؛ ولا ينظر إلى الذاكرة باعتبارها مخزناً للماضي، بل لغزاً من ألغاز تشكل الذات؛ ولا يرى الحلم مجرد صورة عابرة أثناء النوم، بل نافذة محتملة على البنية الخفية للوعي.ومن هنا تأتي أهمية كتابه «آلية إنتاج الفكر في دماغ الإنسان»، وما يرتبط به من أبحاث حول الذاكرة والتنويم المغناطيسي والأحلام والتسلسل المنطقي لمداخل فهم العقل الإنساني والضحك من أساسه الفسيولوجي؛ فهذه الأعمال تكشف أن رائف يبدأ من السؤال العلمي لكنه لا يتوقف عند حدوده، بل يدفع السؤال باتجاه الفلسفة: كيف يتحول النشاط المادي في الدماغ إلى فكرة؟ وكيف يصبح ذلك النشاط وعياً؟ وكيف تتشكل الذات من مادة عصبية ثم تقف أمام الكون وتسأل عن معنى وجودها؟ إنها الأسئلة التي تجعل العقل لا يكتفي بأن يعمل، بل يسأل عن نفسه وهو يعمل.وفي «افتراضات لحل لغز الذاكرة» و«الحيرة في فهم وعي الإنسان المتفرق لذاته الواحدة» يبدو الإنسان عنده كائناً يحمل داخله أكثر من صورة لنفسه، وكأن الذات ليست حجراً واحداً ثابتاً، وإنما تياراً متحركاً من الإدراك والذكريات والانفعالات والتجارب. أما «اختراق حاجز الجسد» و«اختراق حاجز الموت» فينقلان السؤال إلى حافته الأكثر جرأة: ماذا يبقى من الإنسان عندما نضع الجسد أمام حدود المعرفة؟ وهنا لا تكون الفلسفة إجابة جاهزة، بل مغامرة في المنطقة التي تبدأ عندها الأسئلة التي عجز الإنسان عن إغلاقها منذ أن عرف معنى الموت.وحين ينتقل رائف إلى «البيضة الكونية» وإلى «المشهد الكيميائي لقصة الحياة على كوكب الأرض» وإلى احتمالية الحياة خارج الأرض، تتسع عدسة المفكر من الإنسان إلى الكون. يصبح السؤال عن أصل الحياة امتداداً للسؤال عن أصل الوعي، ويصبح الكون نفسه مختبراً هائلاً لا يمكن فهم الإنسان خارجه. أما اشتغاله على نظرية الأوتار والأوتار الفائقة، ومحاولاته تقديم افتراضات جديدة للأبعاد الإحدى عشرة، وسعيه إلى التفكير في إمكان تجاوز سرعة الضوء، فيكشف عن عقل لا يخاف من الاقتراب من المناطق التي تقف عندها الفيزياء المعاصرة على حافة المجهول، مع بقاء هذه الطروحات في إطار الافتراض الفلسفي لا الحقيقة العلمية المحسومة.ولعل أكثر ما يلفت في مشروعه أنه لا يكتفي باستيراد الأسئلة الكبرى، بل يحاول أن يعيد تركيبها. ففي «الفلسفة المطلقة» و«الفلسفة الثانية» و«افتراضات في بناء أسس فلسفة المستقبل» يبدو أنه يسعى إلى البحث عن صيغة تتجاوز الفلسفة بوصفها سجلاً للمذاهب إلى الفلسفة بوصفها أداة لإنتاج الأسئلة الجديدة. وهذه نقطة جوهرية؛فالفيلسوف الحقيقي لا يعيش داخل إجابات من سبقوه، وإنما يحاول أن يعرف أين أخطأ السؤال نفسه.وفي «التسلسل الافتراضي لسيطرة الوعي على الكون» يبلغ المشروع منطقة شديدة الجرأة، إذ يصبح الوعي منطلقاً للتفكير في مصير الكون، ثم يأتي مشروع «انطلاقة نشأة الوعي الاصطناعي – استبدال قيادة كوكب الأرض» ليضع الإنسان أمام مستقبله التكنولوجي لا أمام ماضيه فقط. هنا تتحول الفلسفة إلى إنذار مبكر: ماذا يحدث عندما يصنع الكائن الذي امتلك الوعي كياناً قد ينافسه في امتلاك المعرفة والقرار؟ وهل ستكون الآلة امتداداً للإنسان أم أول منافس حقيقي له على قيادة العالم؟لكن رائف لا يعيش في برج فلسفي معزول عن الحياة؛ ففي أدبه نجد وجهاً آخر للعقل نفسه. «قنبلة الزمن الأسود» التي تضم خمساً وعشرين قصة، و«اتصال غرب سبراتلي»، و«ملحمة إشنونا» ذات الخيال العلمي، و«عطر سبينوزا» بما تضمه من قصص ونصوص وسرديات معاصرة، تكشف أن الفكرة عنده لا تحتاج دائماً إلى كرسي جامعي كي تتنفس؛ يمكن أن تتحول إلى شخصية وقصة ومشهد ومدينة وموت وحلم وروبوت وذاكرة. وهنا يصبح الأدب مختبراً آخر للفلسفة، لكنه مختبر أكثر إنسانية، لأن الفكرة عندما تدخل القصة تتخلى عن ثقل المصطلح وتبدأ بالمشي على قدمين.حتى عناوينه تكشف هذا التداخل بين العلم والخيال والفلسفة: «الكون المريض»، «دين الروبوتات»، «وداعاً أيها الموت»، «تكنو حي»، «رسالة إلى أبي سفيان»، «هنا العراق»، و«شياطين طالبان»، إلى جانب نصوصه المفتوحة مثل «شارع الأطباء» و«حب زينوني». أما في النقد الأدبي، فإن «تعويم الشعر العربي» ومحاولته مقاربة ظاهرة الشعر بظاهرة النقد المالي تكشف عن رغبة في كسر الحواجز التقليدية بين الحقول، وكأن رائف يريد أن يقول إن الفكرة لا تعرف الحدود التي رسمتها الكتب بين علم وأدب وفلسفة.ويمتد هذا العقل إلى المجال الاجتماعي والسياسي؛ ففي «الطفل العراقي والحرمان» يتحول علم النفس إلى مرآة لوجع المجتمع، وفي «الباراسيكولوجي بين الحقيقة والوهم» و«تفسير ظاهرة الاقتراب من الموت» يحاول وضع الظواهر الغامضة تحت سؤال العقل. وفي «الوطن وحقوق الإنسان»و«الديمقراطية من وجهة نظر مادية» و«تكريم الأبطال أمام أنظار مجلس النواب» و«هل أشعل الاحتباس الحراري محمد بوعزيزي؟» يخرج المفكر من المختبر النظري إلى الشارع، حيث تصبح الفلسفة امتحاناً أمام الإنسان لا أمام الورق.وحتى الاقتصاد والزراعة لم يبتعدا عن هذه الرؤية؛ فـ«مشروع صفر لتشغيل العاطلين عن العمل» و«الصرح الزراعي» يكشفان أن صاحب المشروع الفكري لا يرى المعرفة ترفاً منفصلاً عن حاجات الناس، بل يعتقد أن الفكرة التي لا تستطيع أن تلامس حياة الإنسان تبقى ناقصة مهما كان بريقها النظري.لقد أنجز رائف أمير إسماعيل، حتى 26 آب 2026، مشروعاً واسعاً يضم كتباً وبحوثاً ومقالات ومحاضرات وقصصاً ونصوصاً مفتوحة ومقترحات في الاقتصاد والزراعة، وهو مشروع يصعب وضعه في خانة واحدة؛ لأنه يتحرك في المسافة الفاصلة بين الفيلسوف والباحث والكاتب والقاص والمفكر صاحب الأسئلة العابرة للتخصصات. وربما تكمن فرادته في هذه المحاولة نفسها: أن يجعل العقل غرفة واحدة تتجاور فيها الفيزياء مع الحلم، والكون مع الذاكرة، والموت مع الوعي، والروبوت مع الإنسان، والعراق مع سؤال المستقبل.رائف أمير إسماعيل لا يكتب ليطمئن القارئ، وهذه ربما إحدى أجمل خصال الكتابة الفلسفية؛ فالكاتب الذي يطمئنك دائماً قد يمنحك راحة، أما الذي يزعزع يقينك فقد يمنحك بداية جديدة. وفي مشروعه أسئلة كثيرة ما زالت تبحث عن أجوبتها، وبعضها افتراضات قابلة للنقاش والاختبار والنقد، وهذه ليست نقطة ضعف في المشروع بقدر ما هي طبيعة المغامرة الفكرية نفسها؛ فالفلسفة لا تتقدم لأن أحداً امتلك الحقيقة كاملة، وإنما لأنها تجرأت على القول: ربما توجد زاوية أخرى لم نرها بعد.وأنا، وأنا أقرأ رائف أمير إسماعيل، لا أرى أمامي فيلسوفاً يضع قدميه في نهاية الطريق، بل إنساناً يمشي في الطريق نفسه حاملاً مصباحاً صغيراً، وكلما أضاء مساحة ظهرت له مساحة أكبر من الظلام. وهذه هي مأساة العقل الجميلة: كلما عرف شيئاً اكتشف اتساع جهله، وكلما اقترب من جواب ولد سؤال آخر. لذلك فإن قيمة رائف ليست فقط فيما قاله، وإنما في المسافة التي يريد أن يفتحها بين السؤال والجواب، لأن تلك المسافة تحديداً هي المكان الذي تولد فيه الفلسفة.وربما يمكن اختصار مشروعه كله في جملة واحدة: إنه يحاول أن ينقل الإنسان من موقع المتلقي للكون إلى موقع السائل عنه، ومن موقع الساكن داخل جسده إلى موقع الباحث في سر الوعي، ومن الخوف من المستقبل إلى محاولة التفكير فيه قبل أن يصل. وهذه ليست مهمة سهلة، لكنها المهمة التي تجعل الكتابة الفكرية جديرة بأن تُقرأ، وتجعل صاحبها جديراً بأن يُحاور، ويُناقش، ويُختلف معه، لأن الأفكار الكبيرة لا تطلب التصفيق؛ إنها تطلب عقلاً آخر يقف أمامها ويقول: دعنا نرى إلى أين يمكن أن نذهب أبعد.
#حامد_الضبياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟