حامد الضبياني
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 17:22
المحور:
قضايا ثقافية
هناك لحظات في التاريخ لا تسقط فيها الدول بصوت المدافع، وإنما تبدأ بالسقوط عندما تكتشف أن السلاح الذي ظنته مفتاحاً لقوتها قد تحول إلى قفلٍ على أبوابها. وربما تقف إيران اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات القاسية؛ لحظة لم يعد فيها السؤال: هل تستطيع طهران إغلاق مضيق هرمز؟ بل أصبح السؤال الأكثر مرارة: كم تستطيع إيران أن تتحمل اقتصادياً وسياسياً إذا بقي هرمز رهينة لصراع لا تملك وحدها مفاتيحه؟مضيق هرمز لم يكن في يوم من الأيام مجرد ممر مائي بين إيران وعُمان، بل كان شرياناً يمر عبره جزء هائل من تجارة الطاقة العالمية، ولذلك فإن تحويله إلى ساحة حرب يعني تحويل الاقتصاد الإيراني نفسه إلى طرف في المعركة. وكلما طال أمد المواجهة، أصبحت كلفة تعطيل الملاحة أكثر قسوة على الجميع، وفي مقدمتهم إيران نفسها؛ لأن الدولة التي تعتمد على تصدير الطاقة لا تستطيع أن تجعل الطريق إلى أسواقها رهينة دائمة للتهديد العسكري.وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: إيران التي بنت جزءاً من قوتها الإقليمية على فكرة القدرة على تهديد هرمز، قد تجد نفسها تدفع ثمناً اقتصادياً باهظاً كلما اقتربت من استخدام هذا السلاح. فالمضيق الذي يمكن أن يؤلم خصومها في ساعات، يستطيع في الوقت نفسه أن يخنق صادراتها، ويرفع كلفة تجارتها، ويضغط على عملتها، ويضاعف مخاطر التأمين والنقل، ويدفع المستثمر الهارب إلى الابتعاد أكثر عن اقتصاد يعيش أصلاً تحت وطأة العقوبات.الحرب الحديثة لا تحتاج دائماً إلى احتلال العاصمة كي تهزم الاقتصاد؛ يكفي أن تجعل المال خائفاً، والسفينة مترددة، والمصرف معزولاً، والمستثمر هارباً، والعملة فاقدة للثقة. وهنا تكمن خطورة المعركة الإيرانية الحالية؛ فالضغط العسكري قد ينتهي بوقف إطلاق النار، أما الجرح الاقتصادي فقد يستمر سنوات طويلة بعد أن تصمت المدافع.لقد أصبحت معركة هرمز، في جوهرها، معركة على معنى السيطرة. والسيطرة البحرية لم تعد مجرد امتلاك صواريخ مضادة للسفن أو زوارق سريعة أو ألغام بحرية، وإنما أصبحت منظومة متكاملة من الأقمار الصناعية، والاستخبارات، والطيران، والقوة البحرية، وإزالة الألغام، وحماية الممرات، وتأمين السفن، والقدرة على مراقبة البحر لحظة بلحظة. ومن يمتلك هذه المنظومة يستطيع أن يغيّر قواعد اللعبة حتى من دون أن يعلن احتلالاً للمضيق.أما الرواية المتداولة عن قيام الولايات المتحدة بشق قناة ضخمة داخل جبل مسندم بعرض خمسمئة متر وعمق ثلاثة وثلاثين متراً، ثم إعلان المنطقة مقاطعة أميركية، فهي رواية تحتاج إلى أدلة موثوقة قبل التعامل معها كحقيقة. والحرب الإعلامية كثيراً ما تصنع من الإشاعة سلاحاً موازياً للصاروخ، ولذلك فإن القارئ الواعي يجب أن يميز بين المعلومة المثبتة والتحليل والتوقع والدعاية.لكن سقوط هذه الرواية لا يسقط جوهر التحول الاستراتيجي. فالمسألة الأخطر ليست وجود قناة جديدة من عدمه، وإنما تغير البيئة الأمنية المحيطة بمضيق هرمز، وتزايد الحضور الأميركي، ومحاولة ضمان استمرار الملاحة، وتقليص قدرة أي طرف على تحويل الممر الحيوي إلى رهينة عسكرية.وهنا تصبح إيران أمام معادلة شديدة التعقيد: تستطيع أن تهدد الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الملاحة. تستطيع أن تستخدم النفط سلاحاً، لكنها تحتاج إلى بيع النفط. تستطيع أن تضغط على الخليج، لكنها لا تستطيع أن تعيش بعيداً عن النظام الاقتصادي الإقليمي. تستطيع أن تهدد السفن، لكنها تعرف أن استمرار تهديدها قد يدفع خصومها إلى بناء بدائل استراتيجية تقلل من قيمة الورقة التي طالما اعتبرتها طهران إحدى أهم أدوات الردع.إن أخطر ما يمكن أن يحدث لإيران ليس أن تخسر معركة عسكرية واحدة، وإنما أن تخسر تدريجياً القدرة على تحويل قوتها العسكرية إلى قوة اقتصادية وسياسية. فالصاروخ قوة، والطائرة قوة، والطائرة المسيّرة قوة، والبحرية قوة، لكن الدولة التي لا تستطيع تحويل هذه القوة إلى اقتصاد منتج، وعملة مستقرة، ومصارف قادرة على الحركة، وتجارة مفتوحة، تصبح كمن يحمل سيفاً ذهبياً داخل بيت يحترق.وهنا يظهر السؤال الذي يجب أن يقلق صانع القرار في طهران أكثر من أي سؤال آخر: كم يستطيع الاقتصاد الإيراني أن يتحمل إذا طال أمد الحرب؟ وكم يستطيع الريال أن ينخفض قبل أن تتحول أزمة العملة إلى أزمة ثقة؟ وكم يستطيع المواطن الإيراني أن يدفع ثمن العقوبات والحصار واضطراب التجارة؟ وكم تستطيع الدولة أن تمول جبهات متعددة بينما حاجاتها الداخلية تتزايد؟هذه الأسئلة أكثر خطورة من خرائط الجبهات، لأنها تتعلق بمستقبل الدولة لا بمستقبل معركة.أما العقوبات، فهي لا تعمل منفردة، وإنما تصبح أكثر قسوة عندما تلتقي مع الحرب واضطراب الملاحة وتراجع الاستثمار وارتفاع تكاليف الاستيراد وتقلص الموارد وزيادة الإنفاق العسكري. عندها يتحول الضغط الخارجي إلى أزمة داخلية، ويصبح الاقتصاد نفسه جبهة مفتوحة.ومن هنا أقول لطهران: لا تقيسوا قوتكم بعدد الصواريخ التي تستطيعون إطلاقها، بل بعدد الأزمات التي تستطيعون منعها. الدولة القوية ليست الدولة التي تفتح عشر جبهات، وإنما الدولة التي تعرف متى تغلق الجبهة، ومتى تفاوض، ومتى تتراجع خطوة لتحمي عشر خطوات قادمة.وأقول أيضاً لأذرع إيران في المنطقة، وبالأخص القوى المسلحة التي قد تجد نفسها أمام قرارات الحرب والسلام: لا تجعلوا أوطانكم حقولاً لتجارب الآخرين. إذا كانت طهران تريد التفاوض فلتتفاوض، وإذا أرادت الحرب فلتتحمل نتائج قرارها، أما أن يدفع العراق ولبنان وسورية واليمن ثمن صراعات إقليمية ودولية ثم يقال للشعوب إنها معركة كرامة، فهذه معادلة تحتاج إلى مراجعة أخلاقية ووطنية قبل أن تكون مراجعة عسكرية.العراق تحديداً لا يحتمل حرباً جديدة. العراق الذي خرج من عقود النار لا يحتاج إلى صاروخ جديد فوق سمائه، ولا إلى قاعدة تتحول إلى هدف، ولا إلى مطار يصبح نقطة اشتباك، ولا إلى أرضه ممراً لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران. ومن يرفع شعار السيادة عليه أن يدرك أن السيادة لا تعني رفض النفوذ الأميركي فقط، وإنما تعني أيضاً رفض النفوذ الإيراني والتركي والخليجي والحزبي وكل نفوذ يجعل القرار العراقي تابعاً لمشروع خارج الحدود.العراق لا يحتاج إلى أن ينتصر طرف على طرف؛ العراق يحتاج إلى ألا يكون هو الخاسر في معركة الآخرين.وهنا تبدأ المعالجة الحقيقية. على إيران أن تخفف كلفة المواجهة، وتعيد ترتيب أولوياتها الاقتصادية، وتفتح أبواب التفاوض الواقعي، وتحمي صادراتها بدلاً من تهديد طرقها، وتعيد بناء اقتصادها على الإنتاج والاستثمار والتجارة، لا على اقتصاد الطوارئ والعقوبات والجبهات. فالدولة لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد بعقلية الحصار.وعلى الفصائل المرتبطة بالمحاور الإقليمية أن تسأل نفسها سؤالاً بسيطاً لكنه تاريخي: هل نحن مشروع دولة أم مشروع جبهة؟ فإذا كان الهدف حماية الوطن، فالوطن أولى من المحور، وإذا كان الهدف تحرير الأرض، فالأرض التي يعيش عليها الناس أولى من الشعارات، وإذا كان الهدف مقاومة الاحتلال، فلا يجوز أن تتحول مقاومة الاحتلال إلى احتلال القرار الوطني.أما العراق، فعليه أن يستفيد من هذه اللحظة التاريخية لبناء سياسة خارجية متوازنة، وحصر السلاح بيد الدولة، وحماية حدوده وموانئه ومطاراته ومنشآته النفطية، ومنع استخدام أراضيه لضرب أي دولة، وربط الاقتصاد العراقي بمصالحه الوطنية لا بحسابات المحاور.إن انهيار الاقتصاد الإيراني، إن وصل إلى مرحلة خطيرة، لن يبقى شأناً إيرانياً خالصاً. المنطقة كلها ستدفع الثمن؛ من أسعار الطاقة إلى حركة التجارة، ومن أمن الحدود إلى الهجرة، ومن الأسواق إلى الاستقرار السياسي. ولهذا فإن مصلحة العراق ليست في الاحتفال بانهيار إيران، كما أنها ليست في الدفاع عن استمرار أزمتها؛ مصلحة العراق أن تبقى المنطقة مستقرة وأن تكون بغداد صاحبة قرارها.لقد تغيرت قواعد اللعبة. لم تعد الحرب الحديثة تُحسم بالسلاح وحده؛ الأسواق أصبحت جبهة، والمصارف أصبحت جبهة، والموانئ أصبحت جبهة، والمعلومات أصبحت جبهة، والطاقة أصبحت جبهة، وحتى ثقة المواطن أصبحت جبهة.ومن يملك الاقتصاد يستطيع أن يصمد أمام الحرب أكثر ممن يملك الصواريخ وحدها.ومن يملك القرار الوطني يستطيع أن يخرج من العاصفة بأقل الخسائر ممن يترك قراره للآخرين.ومن هنا فإن هرمز لا يكشف فقط من يسيطر على البحر، وإنما يكشف من يفهم المستقبل.قد تتغير خرائط النفوذ، وقد تتوقف الحرب، وقد تبدأ مفاوضات جديدة، وقد تستعيد إيران بعض أوراقها، وقد تفرض الولايات المتحدة واقعاً جديداً، لكن الحقيقة التي ينبغي ألا يغفل عنها أحد هي أن عصر استخدام الممرات الحيوية كسلاح دائم قد بدأ يفرض على المنطقة إعادة حساباتها.فالمضيق الذي كان ورقة ضغط يمكن أن يتحول إلى عبء، والنفوذ الذي كان مصدر قوة يمكن أن يصبح مصدراً للاستنزاف، والسلاح الذي كان وسيلة للردع قد يتحول إلى سبب للعزلة.ولهذا فإن المعركة القادمة ليست فقط على هرمز، ولا على النفط، ولا على الصواريخ.المعركة الحقيقية هي على من يملك الاقتصاد، ومن يملك القرار، ومن يملك حق صناعة المستقبل.وهناك، في تلك المنطقة العميقة من التاريخ، لا يكفي الصاروخ.
هناك تنتصر الدولة.
#حامد_الضبياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟