أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الطاووس الذي علّم العراق فنَّ الاعوجاج .















المزيد.....

الطاووس الذي علّم العراق فنَّ الاعوجاج .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 22:17
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، لا تحتاج إلى أن تبحث طويلاً عن الحكمة؛ يكفي أن تجلس في مقهى شعبي، وتضع أمامك استكان الشاي، وتراقب نشرة الأخبار، حتى تكتشف أن أفلاطون كان متواضعاً جداً حين تحدث عن جمهوريته، وأن أرسطو لم يكن يعرف شيئاً عن عبقرية السياسة العراقية، وأن مكيافيللي لو عاش بيننا لترك كتاب «الأمير» وفتح كشكاً لبيع الشاي، لأن ما تراه في السياسة العراقية يحتاج إلى مجلدات في الفلسفة السياسية، ومجلد آخر في علم النفس، ومجلد ثالث في علم الحيوان، ولا سيما علم الطواويس والديوك والحمير السياسية التي تتكاثر في مواسم الانتخابات كما تتكاثر الوعود على أبواب الناخبين. هنا تستطيع أن ترى الرجل الذي يرفع شعار محاربة الفساد وهو يبحث عن مفتاح خزينة، وتسمع من يتحدث عن الفقراء وهو لا يعرف سعر الخبز، وتشاهد من يقسم أمام الناس على خدمة الوطن وهو يختار لنفسه وطناً صغيراً داخل الوطن، له بوابته وحمايته ومخصصاته وأصدقاؤه وأقاربه ومشاريعه، أما العراق الكبير فيُترك للخطابات.ومن أطرف ما يمكن أن يقال في وصف هذه المسرحية العراقية أن الطاووس نفسه لو دخل البرلمان لخرج منه خجلاً من نفسه؛ فقد كان الطاووس قديماً يمشي مختالاً معوج الخطى، فلما قلده بنوه قال لهم: «علام تختالون؟» فقالوا: «بدأت به ونحن مقلدوه، فخالف سيرك المعوج واعدل، فإنا إن عدلت معدلوه». ولست أدري أيهما أكثر حكمة: الطاووس الذي اكتشف خطأ مشيته، أم أبناؤه الذين اكتشفوا أن الأبوة السياسية تعني أن يقلد اللاحق سابقه حتى لو كان السابق يسير نحو الحائط.ولو أن الطاووس كان عراقياً لربما أسس حزباً باسم «ائتلاف تصحيح المشية»، ثم أعلن أن الاعوجاج مرحلة انتقالية، وشكل لجنة لإعادة تأهيل القدمين، ثم طالب البرلمان بميزانية خاصة لدراسة أسباب انحراف المشي، وبعد سنوات من الاجتماعات والمؤتمرات يخرج علينا متحدث رسمي ليقول: «لقد نجحنا نجاحاً باهراً في المحافظة على المشية كما هي».وهذه هي الحكاية التي تصلح أن تكون مرآة للعراق السياسي؛ فالسياسي الذي يرى من فوقه يمشي معوجاً لا يسأل نفسه: لماذا لا نستقيم؟ بل يسأل: كيف أقلده بأناقة؟ وإذا وجد المسؤول أن من سبقه بنى نفوذه بالواسطة، قال: لماذا لا أبني نفوذي بالواسطة؟ وإذا وجد أن المناصب توزع على أساس الولاء، قال: لماذا لا أكون أكثر ولاءً؟ وإذا رأى أن الخطاب أعلى من الإنجاز، رفع صوته، وإذا رأى أن الصورة أهم من المشروع، أكثر من الصور، وإذا رأى أن المواطن ينسى بعد أربع سنوات، بدأ كتابة وعود جديدة قبل أن يجف حبر الوعود القديمة.ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تبدو السياسة العراقية أحياناً كأنها مدرسة لتعليم التلاميذ كيف يصبحون معلمين قبل أن يتعلموا الدرس؛ فالجيل الجديد يتسلم قاموساً قديماً من الكلمات: «سنحقق، سنبني، سنعالج، سنوفر، سنقضي، سنحاسب، سنطوّر، سنرفع»، ثم يضيف إليها كلمة جديدة هي «قريباً». و«قريباً» في العراق كلمة عجيبة، لا تاريخ لها ولا موعد، وقد تعني غداً، وقد تعني بعد الانتخابات، وقد تعني بعد تشكيل الحكومة، وقد تعني بعد انتهاء الدورة البرلمانية، وقد تعني ببساطة: لا تسألني مرة أخرى.وإذا كان الجبان يزعم أنه حذر، فإن بعض الساسة عندنا طوروا هذا المبدأ حتى صار الخوف فناً إدارياً؛ فالمسؤول الذي يخشى اتخاذ القرار يسمي نفسه «رجل دولة»، والذي يتردد أمام المشكلة يسمي تردده «حكمة»، والذي يؤجل الحل يسمي التأجيل «دراسة معمقة»، والذي لا يملك جواباً يطلب «تشكيل لجنة»، فإذا سألته بعد شهر قال إن اللجنة تدرس، وبعد سنة قال إن التوصيات قيد المراجعة، وبعد أربع سنوات يقول لك بكل ثقة: «لقد قطعنا أشواطاً كبيرة». المواطن المسكين ينظر إلى الطريق فلا يرى إلا الشارع نفسه، فيسأل: أين الأشواط؟ فيقال له: «في الملف».أما البخيل فقد كان بخيلاً في ماله، وأما البخيل السياسي فقد اخترع بخلاً وطنياً من نوع آخر؛ يبخل على المدينة بالمشروع، وعلى المستشفى بالدواء، وعلى المدرسة بالمقاعد، وعلى الشارع بالتبليط، وعلى المواطن بالخدمة، ثم يظهر على شاشة التلفزيون مبتسماً ليقول إن الموازنة ضخمة. وهنا يتعلم المواطن العراقي درساً جديداً في الحساب: قد تكون الموازنة ضخمة، لكن الطريق صغير، وقد تكون الإيرادات كبيرة، لكن الخدمة فقيرة، وقد تكون الدولة غنية، لكن المواطن يشعر أنه يعيش في جيب رجل فقير من شدة ما يصل إليه من المال العام.
والسياسي المغرور أشبه بذلك الديك الذي يظن أن الشمس لا تشرق إلا لصوته؛ يوقظ الناس بصياحه ثم يصدق أنه صنع الصباح. يخرج في مؤتمر صحفي، فيرفع صوته، فيحسب أن ارتفاع الصوت ارتفاع في الإنجاز. يعلن عن مشروع على الورق، فيتصور أن المشروع قد بُني. يفتتح غرفة في مستشفى، فيعاملها كأنها مستشفى كامل. يضع حجر أساس، ثم يترك الحجر وحده سنوات طويلة حتى يصبح أثراً تاريخياً يستحق أن يأتي السياح لالتقاط الصور معه. ولو استمر العراق بهذه الطريقة فلن نستغرب إذا افتتح أحدهم «حجر أساس حجر الأساس»، ثم أقام احتفالاً كبيراً بحضور عشرات الكاميرات، وأعلن أن المحافظة دخلت عصر النهضة العمرانية.ولعل أجمل ما في السياسة العراقية أن بعض السياسيين لا يحتاجون إلى منجز؛ يكفيهم أن يمتلكوا رواية عن المنجز. فالواقع شيء، والخطاب شيء آخر، وبينهما مسافة يستطيع السياسي أن يعيش فيها سنوات.المواطن يقول: الكهرباء ضعيفة، فيقول السياسي: «حققنا تقدماً». المواطن يقول: الماء غير صالح، فيقال له: «لدينا خطط». المواطن يقول: البطالة تزداد، فيأتيه الجواب: «سنعالجها». المواطن يقول: أين؟ فيأتيه الصمت، والصمت في السياسة العراقية أكثر البلاغات صدقاً.
والعراق، هذا البلد الذي علّم البشرية الكتابة، يبدو أحياناً كأنه نسي كيف يكتب فاتورة حساب لمن أخطأ. بلد حمورابي الذي وضع القوانين قبل آلاف السنين، يجد نفسه اليوم يناقش أحياناً أبسط حقوق الإنسان وكأنها اكتشاف حديث. بلاد بابل التي وقفت فيها الدولة القديمة بصرامة القانون، تقف فيها الدولة الحديثة أحياناً أمام ملف صغير عاجزة عن معرفة من يبدأ ومن ينتهي. أرض سومر التي عرفت المدينة والإدارة والكتابة، تتساءل فيها المدينة الحديثة: لماذا لا تصل الخدمة؟ فيأتيها الجواب من وزارة إلى دائرة، ومن دائرة إلى لجنة، ومن لجنة إلى وزارة، حتى يصبح المواطن هو الوحيد الذي يعرف الحقيقة: «المعاملة ضاعت».ولو أن الألواح السومرية عادت إلى الحياة وقرأت بعض معاملاتنا الإدارية، لربما أعادها أهل سومر إلى المتحف وقالوا: «هذه ليست كتابة، هذه تعويذة». ولو أن حمورابي عاد إلى بغداد وسأل عن القانون، ربما قيل له: القانون موجود، لكن تطبيقه يحتاج إلى استثناء، والاستثناء يحتاج إلى موافقة، والموافقة تحتاج إلى واسطة، والواسطة تحتاج إلى هاتف، والهاتف يحتاج إلى رجل يعرف رجلاً يعرف رجلاً يعرف رجلاً، وهكذا يصبح القانون عراقياً جداً؛ موجوداً في النص، غائباً في الطريق.ثم انظر إلى بغداد، المدينة التي أسسها المنصور سنة 762م، يوم كانت تُبنى لتكون عاصمة للعلم والسياسة والتجارة، ثم انظر إليها اليوم من فوق جسر من جسورها، وسترى مفارقة تكفي لتدريس الفلسفة السياسية عشرين عاماً؛ دجلة يمضي هادئاً كأنه لا يريد أن يدخل في خصومة مع أحد، والسيارات تتزاحم كأنها في انتخابات، والناس ينتظرون، والإشارات تتعب، والوعود تتكاثر، والمدينة تحمل فوق كتفيها تاريخاً لا تستطيع عشرات الحكومات أن تضيف إليه صفحة تليق به.
وفي البصرة، حيث الماء والملح والنخيل والموانئ والذاكرة الشعرية، يتعلم العراقي معنى المفارقة؛ مدينة غنية بالموارد، لكنها لا تريد أن تقيس غناها بما يقال في المؤتمرات، وإنما بما يصل إلى بيت المواطن من ماء صالح وخدمة محترمة. وفي الموصل، حيث تتجاور طبقات التاريخ، تبدو الذاكرة أحياناً أكثر صموداً من السياسة. وفي النجف، حيث الكتاب والفقه والتاريخ، وفي كربلاء، حيث الذاكرة الدينية العميقة، وفي سامراء، حيث المئذنة والقبة والتاريخ، وفي الحلة التي تنام على إرث بابل، وفي واسط والكوت، وفي الديوانية، وفي الناصرية، وفي العمارة، وفي ديالى، وفي كركوك، وفي أربيل والسليمانية، لكل مدينة لسان يقول للسياسي: «نحن أقدم من منصبك، وأبقى من دورتك، فلا تظن أنك جئت لتمنحنا التاريخ».لكن السياسي الذي يكثر الحديث عن نفسه قد لا يسمع هذه الأصوات؛ فهو منشغل بسيرته الذاتية التي تبدأ غالباً من مرحلة الطفولة وتنتهي عند آخر صورة له في مهرجان أو مؤتمر. وإذا حضر افتتاح مدرسة قال: «منذ أن كنت صغيراً وأنا أحلم ببناء المدارس»، وإذا افتتح شارعاً قال: «كنت دائماً قريباً من المواطن»، وإذا زار عائلة فقيرة قال: «أنا ابن الشعب»، حتى ليبدو أن العراق كله كان ينتظر هذا الرجل منذ ولادته. ولو استطاع بعضهم أن يكتب شهادة ميلاده بنفسه لربما وضع في خانة المهنة: «منقذ الوطن».أما الانتخابات فهي موسم التزاوج بين الطاووس والديك؛ الطاووس يفتح ريشه، والديك يرفع صوته، والجبان يختبئ خلف شعار «الأمن والاستقرار»، والبخيل يعدك بأن يجعل الرغيف أكبر، والمغرور يقول إنه الوحيد القادر، والمواطن يقف في المنتصف، ينظر إلى الجميع، ثم يسأل نفسه السؤال الفلسفي العظيم: «من منهم سيصدق؟» وبعد فرز الأصوات تبدأ مرحلة جديدة من الحكمة السياسية: الفائز يقول إن الشعب اختاره، والخاسر يقول إن الانتخابات زورت، والذي لم يدخل الانتخابات يقول إنه كان يعرف النتيجة مسبقاً، والذي دخل ولم يفز يقول إن الناس لم تفهم مشروعه، والذي فاز ولم يحقق شيئاً يقول إن الظروف لم تسمح له، وهكذا ينجو الجميع من المسؤولية، إلا المواطن، فإنه يبقى مسؤولاً عن كل شيء.وهنا تصبح الطرفة أكثر مرارة من الضحك؛ لأن الضحك العراقي ليس دائماً فرحاً، وإنما كثيراً ما يكون طريقة شعبية لمقاومة القهر. العراقي يضحك على السياسي لأنه يعرف أن البكاء لا يغير شيئاً، ويطلق النكتة لأنه يريد أن يقول الحقيقة دون أن يضع نفسه في مواجهة الحقيقة الرسمية. ولهذا كانت النكتة العراقية دائماً أشبه بصحيفة لا تحتاج إلى مطبعة، وبمقال لا يحتاج إلى إذن، وبمحكمة شعبية لا تحتاج إلى قاضٍ. إنها تقول في جملة قصيرة ما تحتاج الخطب الرسمية إلى عشرات الصفحات لإخفائه.
إن أخطر ما في الطاووس العراقي السياسي ليس ريشه، وإنما أن يأتي جيل بعده فيتعلم منه المشية. فالولد لا يرث من أبيه الاسم فقط، وإنما يرث منه طريقة النظر إلى الحياة. فإذا رأى أن الكرسي غاية، سعى إلى الكرسي. وإذا رأى أن المال العام غنيمة، بحث عن الغنيمة. وإذا رأى أن الواسطة مفتاح النجاح، ترك العلم وذهب إلى الهاتف. وإذا رأى أن الصراخ يصنع الهيبة، رفع صوته. وإذا رأى أن الصورة أهم من العمل، صار همه أن يكون في الصورة. وهكذا يتحول الخطأ الفردي إلى ثقافة، والثقافة إلى عادة، والعادة إلى نظام، والنظام إلى شيء يتعامل معه الناس وكأنه قدر لا يمكن تغييره.
ولذلك فإن العراق لا يحتاج إلى طاووس جديد يمشي أمام الناس، بل يحتاج إلى جيل يقول للطاووس: «توقف، سنختار نحن طريقة المشي». يحتاج إلى سياسي إذا قال فعل، وإذا وعد أنجز، وإذا أخطأ اعترف، وإذا فشل اعتذر، وإذا انتهت مدته عاد إلى بيته كما جاء، دون أن يعتقد أن الوطن ملكية شخصية. يحتاج إلى دولة لا تسأل المواطن من يعرف قبل أن تسأله ماذا يريد، ولا تنظر إلى اسمه قبل أن تنظر إلى حقه، ولا تجعل الوظيفة مكافأة للولاء، ولا تجعل المشروع قصيدة انتخابية.العراق أكبر من أن يُختصر في رجل، وأكبر من أن يُختصر في حزب، وأقدم من أن يُختصر في خطاب، وأبقى من أن يُختصر في صندوق انتخاب. العراق الذي بدأ الكتابة لا يجوز أن ينتهي إلى كتابة الوعود فقط، والعراق الذي عرف القانون لا يجوز أن يعيش أسير الاستثناء، والعراق الذي صنع المدن لا يجوز أن يتحول إلى طابور أمام دائرة، والعراق الذي أنجب الشعراء والفلاسفة والفقهاء والعلماء لا ينبغي أن يقبل أن يصبح المواطن فيه مجرد رقم انتخابي يُستدعى كل أربع سنوات ثم يُعاد إلى الرف حتى موسم جديد.وقد يضحك الطاووس إذا سمع هذا الكلام، وربما يقول: «أنا على الأقل اكتشفت خطئي». وهنا ستكون المشكلة الحقيقية أن بعض السياسيين لم يكتشفوا خطأهم بعد، لأنهم يعتقدون أن المرآة التي أمامهم تصفق لهم. إنهم لا يرون الاعوجاج في مشيتهم، لأن حولهم من يصفق لكل خطوة، ويبرر كل عثرة، ويمدح كل صمت، ويحول كل فشل إلى حكمة، وكل تأخير إلى إنجاز، وكل تراجع إلى خطة، وكل فضيحة إلى سوء فهم.لكن التاريخ لا يصفق.التاريخ يجلس بعيداً، صامتاً، ويكتب.
سيكتب عن سومر وبابل وأور وآشور، وعن بغداد التي كانت قبلة العلم، وعن العراق الذي كان يوماً مركزاً للحضارة، ثم سيكتب عن الذين مروا على هذه الأرض، وسيضع أسماءهم في صفحات، وسيترك للشعب مهمة الحكم. وعندها لن يسأل التاريخ كم مرة ظهر السياسي في التلفزيون، ولا كم صورة نشرها، ولا كم خطاباً ألقى، ولا كم شعاراً رفع؛ سيسأل سؤالاً واحداً بسيطاً وقاسياً: ماذا ترك وراءه؟فإن ترك مدرسة، بقي اسمه في ذاكرة الأطفال. وإن ترك مستشفى، بقي اسمه في دعاء المرضى. وإن ترك شارعاً صالحاً، بقي اسمه تحت أقدام الناس. وإن ترك كتاباً، بقي في عقول القراء. وإن ترك علماً، بقي في المستقبل. أما إن ترك وعداً فقط، فسيكون مصيره مثل كثير من الوعود: ورقة خفيفة تحملها أول ريح، ثم لا يعرف أحد أين ذهبت.
وهكذا تعود حكاية الطاووس إلى بدايتها؛ يمشي معوجاً، فيقلده أبناؤه، ثم يكتشف فجأة أن المشكلة لم تكن في أقدامه وحدها، بل في الذين جعلوا من مشيته قانوناً. والعراق اليوم أمام السؤال ذاته: هل سيظل يقلد مشية من سبقه، أم سيقرر أن له قدميه وطريقه وتاريخه؟ فالوطن الذي عرف طريقه إلى الحضارة منذ آلاف السنين لا ينبغي أن يحتاج إلى سياسي يدله على الطريق.
ولعل أجمل خاتمة لهذه الحكاية أن نقول للطاووس: امشِ كما تشاء، وارفع ريشك كما تشاء، وصح أيها الديك حتى ينقطع صوتك، وقل أيها المغرور إن الشمس تشرق لأجلك، وسمِّ أيها الجبان خوفك حذراً، وسمِّ أيها البخيل بُخلك اقتصاداً، وسمِّ أيها السياسي تأخيرك إنجازاً؛ فالعراق قد يضحك منك اليوم، لكنه لن ينسى غداً. دجلة لا ينسى، والفرات لا ينسى، والنخيل لا ينسى، والحجر البابلي لا ينسى، وتراب أور لا ينسى، والكتب التي خرجت من بغداد لا تنسى.أما الكراسي، فتعرف أكثر من غيرها أن من جلس عليها كثيراً يظن أنها له، ثم يكتشف متأخراً أنها كانت له فقط إلى أن يأتي غيره.
وهنا تكمن المفارقة العراقية الكبرى: السياسي يعتقد أنه يحكم التاريخ، بينما التاريخ ينتظر فقط انتهاء ولايته كي يحكم عليه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حذاء الطنبوري يركب حمار جحا ويشحن النفط من البصرة.
- «رائف أمير إسماعيل... العقل الذي يفاوض الكون»
- بغداد في مرآة النظام العالمي: قراءة صادقة في كتاب هنري كيسنج ...
- عَرُوبَتِي لا أستعيرها… وعِرَاقِيَّتِي لا أساوم عليها.
- التوقيع الذي يصنعه التاريخ.
- عمر الفاروق... الرجل الذي هزَّ عرش كسرى ولم تهزّه الدنيا.
- «قاتلٌ وطني وضحيةٌ متهم»
- الذين يهددون ويتوعدون… لا يخيفون الحقيقة .
- من يحب إيران فليخرج من العراق .
- العراق ليس غرفة عمليات لأحد.
- جمهورية الحمار المقدّس.
- أقذر القاذورات .
- العراق المخطوف بالشعارات والسلاح.
- دولة «ماكو فلوس» ومملكة القوّادين .
- شرف الكلمة حين يسقط أصحابها.
- السوداني... حكاية رجل دخل بمفتاح النزاهة وترك خلفه أبواباً ك ...
- احذروا... فالكلمة الطائفية أخطر من الرصاصة.
- الحرب التي لا تسأل عن العرب.
- الذي مشى إلى العراق سيرة وطن في جسد رجل.
- عندما تستيقظ الثكنات... من يسبق الآخر، الدولة أم الفوضى؟ .


المزيد.....




- انقلبت رأسًا على عقب.. نجاة طيار بعد تحطم طائرته في المحيط
- ليلة رقص تنتهي بإطلاق نار وسقوط ضحايا في سويسرا
- الدفاع الروسية: إسقاط 494 مسيرة أوكرانية غربي البلاد
- الرئيس اللبناني يجدد تأكيد حصرية السلاح بيد الدولة والجيش عل ...
- الدفاع الروسية تعلن تحرير بلدتين جديديتين في سومي شرقي أوكرا ...
- أطعمة تساعد على تهدئة أعراض الصدفية.. وأخرى يُفضل الحد منها ...
- سويلم يلتقي عددًا من أعضاء مجلس النواب لمناقشة مطالب المواطن ...
- وزير النقل يتفقد الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع ...
- التعليم العالي تطلق سلسلة “اعرف الحقيقة” لتصحيح المفاهيم الم ...
- إيسلندا: تقدّم الرافضين لاستئناف مفاوضات الانضمام إلى الاتحا ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الطاووس الذي علّم العراق فنَّ الاعوجاج .