أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مملكة القطيع... عندما يصبح الحمار صاحب القرار ويُذبح الشعب كي تبقى الدولة.















المزيد.....

مملكة القطيع... عندما يصبح الحمار صاحب القرار ويُذبح الشعب كي تبقى الدولة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 12:59
المحور: قضايا ثقافية
    


في مملكةٍ عجيبةٍ لا تحتاج إلى دستور لأن الحيوانات فيها تحفظ الدستور عن ظهر قلب ثم تأكله عند أول وجبة، اجتمع مجلس الحكماء تحت شجرةٍ يابسة لمناقشة مصير البلاد، فجلس الحمار في صدر المجلس، ووقف الفأر مستشاراً، وتكفّل أبو الجعل بكتابة الخطط الاستراتيجية على أرضه المدورة، بينما كانت الجرادة تراقب الحصاد من بعيد، لا لتشارك في زراعته، بل لتتأكد أن أحداً لم يسبقها إلى أكله. أما القطيع المسكين، فقد وقف في الساحة يصفق، لأنه تعلّم عبر سنوات طويلة أن التصفيق أرخص من الاعتراض، وأن من يرفع صوته بالسؤال قد يُتهم بأنه يريد إسقاط الحظيرة.قال الحمار: «أنا أملك الحكمة لأنني أصلح لاتخاذ القرار»، فضحك بعض الحيوانات في السر، ثم صفقوا له في العلن، فالسلطة في تلك المملكة لم تكن تحتاج إلى العقل بقدر حاجتها إلى آذان طويلة تسمع ما تريد السلطة أن تسمعه. وعندما سأل أحد الخراف: «ومن أين جاءت هذه الحكمة؟»، أجابه الفأر المستشار: «من خبرة طويلة في الصمت»، فهز القطيع رؤوسه إعجاباً، لأن المملكة كانت قد أقنعت أبناءها بأن الصمت حكمة، والخوف تعقّل، والاعتراض مؤامرة، والجوع اختبار وطني، وانقطاع الكهرباء مناسبة للتأمل في عظمة الظلام.وفي الجهة الأخرى كان أبو الجعل منهمكاً في مشروعه الفكري العظيم؛ يزرع الفكرة في أرضه المدورة، ثم يجلس منتظراً أن تنبت له بيضةً ذهبية، وكان يعلن كل صباح أن المستقبل قريب، وأن الحصاد وفير، وأن البلاد على أبواب نهضة تاريخية، بينما كانت الجرادة تدخل الحقول ليلاً فتأكل كل شيء، ثم تخرج إلى الناس لتقول إن سبب فشل الموسم هو أن السدود فارغة، وأن المطر لم يكن وطنياً بما يكفي، وأن الشمس تآمرت على الزراعة، وأن القمر لم يقدم الدعم المطلوب.
وهكذا أصبح الفشل في تلك المملكة بلا صاحب، فكلما انهار مشروع وُلدت حكاية جديدة تبرر انهياره، وكلما اختفت خدمة ظهر خبير يشرح للقطيع لماذا يجب أن يفرح باختفائها، وكلما انطفأت الكهرباء خرج أحدهم ليقول إن الظلام يمنح الإنسان فرصة للتأمل، حتى صار المواطن يسبح في الجداول بدل أن يشرب من ماء نظيف، ويبحث عن مولدة بدل أن يسأل عن محطة كهرباء، ويجمع ما يستطيع من الفتات ثم يسمع خطاباً رسمياً عن الرفاهية والإنجاز.
أما أبو عرس، فقد كان صاحب قاعات الملاهي الكبرى، وكانت مملكته مزدهرة بالضجيج؛ القرود ترقص، والدببة تصفق، والقطيع يدفع المال، لا لأنه سعيد، بل لأنه يريد أن ينسى أنه غير سعيد. كانت الموسيقى مرتفعة إلى درجة تمنع الناس من سماع أصوات بطونهم، والأضواء ساطعة إلى درجة تخفي عتمة الشوارع، والقرود تؤدي عروضها كل ليلة، فيما كانت الخراف تتسابق إلى شراء تذاكر النسيان.
وفي تلك المملكة اكتشف الحكام سراً سياسياً بالغ الخطورة: إذا جعلت الشعب مشغولاً بالفرجة، فلن يسأل كثيراً عن القرار؛ وإذا جعلته يضحك على نفسه، فلن يجد وقتاً ليبكي على وطنه؛ وإذا أقنعته بأن المشكلة في جاره، أو في أخيه، أو في المختلف عنه، فلن ينتبه إلى أن المشكلة الحقيقية جالسة في أعلى الشجرة وتأكل من ثمار الجميع.كان البقر، من جانبه، يجتمع كل مساء لمناقشة دوران الأرض، ويختلف في اتجاهها، ويصدر بيانات مطولة حول سرعة دورانها، ثم يعود إلى الحظيرة قبل أن يكتشف أن الأرض تدور فعلاً وأن الحظيرة ثابتة. أما الثور فكان يحمل الغضب على قرنيه، ويجر القطيع نحو سفن البوارج، مقتنعاً أن كل معارض عدو، وكل سؤال خيانة، وكل رأي مخالف تهديد للأمن، وأن أفضل وسيلة لإدارة البلاد هي تحويل المجتمع إلى معسكر دائم، حتى يصبح المواطن الذي يطالب بالكهرباء مشبوهاً، والذي يسأل عن المال العام متآمراً، والذي يطالب بالعدالة مشروع خطر يجب إسكاته.وهنا تكمن المفارقة الكبرى: حين تفشل الدولة في توفير الكهرباء، لا يُسأل المسؤول عن الكهرباء؛ وحين تفشل في توفير الماء، لا يُسأل المسؤول عن الماء؛ وحين يضيع المال، يُطلب من المواطن أن يثبت وطنيته؛ وحين يطالب بالحق، يُطلب منه أن يصبر؛ وحين يرفض الفساد، يُقال له إن الدولة أهم من كل شيء.
لكن أي دولة تلك التي تحتاج إلى ذبح شعبها كي تبقى؟
الدولة التي تخاف من مواطنيها تتحول تدريجياً إلى حظيرة محاطة بالأسوار، والدولة التي تجعل بقاء السلطة أهم من بقاء الإنسان تبدأ في أكل أبنائها باسم المحافظة على نفسها. الدولة الحقيقية لا تعيش بذبح الشعب، بل تعيش بحماية الشعب؛ ولا تقوى بإسكات الأصوات، بل تقوى بقدرتها على سماعها؛ ولا تحتاج إلى صناعة الأعداء كي تثبت وجودها، لأن شرعيتها تأتي من القانون والعدالة والخدمة العامة.وكان القطيع في تلك المملكة قد بلغ مرحلة خطرة؛ لم يعد يسأل: «من يحكم؟»، بل صار يسأل: «من يستطيع أن يوفر لنا شيئاً اليوم؟». وهذه أخطر مراحل الانهيار، حين يتراجع مفهوم المواطن إلى مفهوم المستهلك، وحين يصبح الناس مستعدين لدفع المال كي يحصلوا على أبسط حقوقهم، ثم يشكرون من أعطاهم جزءاً من حقهم وكأنه منّة شخصية.صار المواطن يدفع مقابل الماء، ويدفع مقابل الكهرباء، ويدفع مقابل العلاج، ويدفع مقابل التعليم، ويدفع مقابل الحماية، ثم يدفع أيضاً ثمن فساد الذين يديرون كل تلك الملفات، حتى تحولت الدولة إلى فاتورة طويلة، والمواطن إلى محفظة تمشي على قدمين.والأخطر من كل ذلك أن القطيع بدأ يصفق لمن يأكل من حصاده، لأنه أقنعه أن الجرادة تأكل من أجل المصلحة العامة، وأن الحمار يتخذ القرار لأنه أكثر خبرة، وأن الثور يحمي الوطن لأنه يملك القرنين، وأن القرود ترقص لأن الثقافة تحتاج إلى ترفيه، وأن الدببة تصفق لأن التصفيق شكل من أشكال المشاركة السياسية.هكذا تصبح السخرية أكثر مرارة من البكاء.فالمشكلة ليست أن حماراً جلس في مجلس القرار، بل أن مجلس القرار نفسه فقد المعايير التي تميّز بين الحمار والحكيم. وليست المشكلة أن جرادة أكلت الحصاد، بل أن أحداً أعطاها مفتاح المخزن. وليست المشكلة أن الثور غاضب، بل أن الغضب أصبح مؤسسة. وليست المشكلة أن القرود ترقص، بل أن البلاد تحولت إلى مسرح، والجمهور دفع ثمن التذكرة ثم اكتشف أنه هو العرض.وإذا استمر هذا النموذج، فإن المستقبل لن يكون مجرد أزمة خدمات، بل أزمة ثقة. وحين يموت الإيمان بأن القانون قادر على إنصاف الإنسان، يبدأ الإنسان بالبحث عن بدائل خطرة: العصبية، المال، السلاح، الهجرة، الانتقام، والانغلاق. وعندما يصبح المواطن مقتنعاً بأن الدولة لا تراه إلا عندما تريد منه أن يدفع أو يصمت، فإن العلاقة بين الدولة والمجتمع تتحول من عقدٍ وطني إلى صفقة مؤقتة، وكل صفقة مؤقتة قابلة للانفجار.لذلك فإن إنقاذ المملكة لا يبدأ بإبعاد الحمار وحده، لأن المشكلة أعمق من حيوان واحد؛ يبدأ بإعادة تعريف معنى القيادة. القائد ليس صاحب الصوت الأعلى، ولا صاحب الحاشية الأكبر، ولا صاحب القدرة على تخويف الآخرين، بل هو من يستطيع أن يجعل القانون أعلى منه، وأن يجعل المال العام أمانة لا غنيمة، وأن يضع الكفاءة قبل الولاء، والخدمة قبل الدعاية، والمواطن قبل الكرسي.
ويبدأ الإصلاح أيضاً بإعادة بناء المؤسسات على أساس الاختصاص والمحاسبة، وربط المسؤولية بالنتيجة، وإعلان الأموال العامة ومشاريع الدولة بشفافية، وتقوية القضاء والرقابة، وحماية الصحافة والنقد السلمي، ومنع تحويل أجهزة الدولة إلى أدوات لمعاقبة الخصوم. فالدولة التي تسمح للمواطن بأن ينتقدها وهي واثقة من مؤسساتها أقوى من دولة تحتاج إلى ألف ثور كي تمنع خروفاً من السؤال.
أما الكهرباء والماء والتعليم والصحة والنقل، فهي ليست هدايا من الحاكم إلى المحكوم؛ إنها حقوق مرتبطة بواجب الدولة. ولا يمكن بناء وطن على فكرة أن المواطن يجب أن يكون ممتناً لأنه حصل على جزء من حقه.
وفي نهاية الحكاية، وقف خروف صغير وسط الساحة، ونظر إلى الحمار والفأر والجرادة والثور والدببة والقرود، ثم قال: «متى نصبح نحن أصحاب القرار؟»
ساد الصمت.لم يعرف أحد ماذا يجيب.ثم تقدم الحمار وقال: «عندما تتعلمون كيف تختارون.»
ضحك الخروف وقال: «وهذه هي المشكلة يا سيدي؛ أنكم علمتمونا طوال الوقت أن نصفق، ثم غضبتم عندما بدأنا نسأل.»
عندها سقطت ورقة من شجرة القرار، وقرأها الجميع: «الدولة لا تموت عندما يختلف أبناؤها، بل تموت عندما يصبح بقاؤها مشروطاً بموت أبنائها.»
نظر القطيع إلى بعضه للمرة الأولى من دون أن يصفق.وكان ذلك أول احتجاج حقيقي في تاريخ المملكة.فقد اكتشف القطيع أخيراً أن أخطر حيوان في الحظيرة ليس الحمار ولا الثور ولا الجرادة، وإنما القطيع الذي يصدق أن قدره أن يبقى قطيعاً.ومنذ تلك اللحظة بدأ السؤال الحقيقي: هل نريد دولة تحكمنا، أم دولة تخدمنا؟ وهل نريد قادة يطلبون منا التصفيق، أم مؤسسات تسمح لنا بالمحاسبة؟ وهل نريد أن تبقى الحظيرة واقفة ولو ماتت الخراف، أم نريد وطناً يبقى لأن الإنسان فيه حي، حر، كريم، وقادر على أن يقول للحمار: مكانك في المزرعة، ومكان القرار لمن يملك العقل والأمانة والكفاءة؟
ذلك السؤال وحده قد يكون بداية الخلاص.
لأن الدولة التي تحتاج إلى ذبح شعبها كي لا تموت، تكون قد ماتت أخلاقياً قبل أن يسقط جدارها الأخير.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران على حافة الانهيار الاستراتيجي: عندما يتحول هرمز من سلا ...
- الطاووس الذي علّم العراق فنَّ الاعوجاج .
- حذاء الطنبوري يركب حمار جحا ويشحن النفط من البصرة.
- «رائف أمير إسماعيل... العقل الذي يفاوض الكون»
- بغداد في مرآة النظام العالمي: قراءة صادقة في كتاب هنري كيسنج ...
- عَرُوبَتِي لا أستعيرها… وعِرَاقِيَّتِي لا أساوم عليها.
- التوقيع الذي يصنعه التاريخ.
- عمر الفاروق... الرجل الذي هزَّ عرش كسرى ولم تهزّه الدنيا.
- «قاتلٌ وطني وضحيةٌ متهم»
- الذين يهددون ويتوعدون… لا يخيفون الحقيقة .
- من يحب إيران فليخرج من العراق .
- العراق ليس غرفة عمليات لأحد.
- جمهورية الحمار المقدّس.
- أقذر القاذورات .
- العراق المخطوف بالشعارات والسلاح.
- دولة «ماكو فلوس» ومملكة القوّادين .
- شرف الكلمة حين يسقط أصحابها.
- السوداني... حكاية رجل دخل بمفتاح النزاهة وترك خلفه أبواباً ك ...
- احذروا... فالكلمة الطائفية أخطر من الرصاصة.
- الحرب التي لا تسأل عن العرب.


المزيد.....




- فيضانات نيبال.. دفن جماعي للضحايا المجهولين وهذا ما رصده طاق ...
- تركيا في قلب السعودية..رحّالة تستمتع بجمال -كابادوكيا- في جب ...
- لماذا وصل محول كهربائي مصري يزن 70 طنًا إلى جزر البهاما؟
- سوريا.. 10 إصابات حصيلة استهداف نقاط الأمن الداخلي في السويد ...
- هل استنزفت حرب إيران مخزون واشنطن من الصواريخ؟
- عودة روسيا ومنع الصحفيين.. واشنطن تفجّر غضب وزراء العشرين
- تصعيد إسرائيلي في درعا والقنيطرة بسوريا وقصف بالرشاشات وتحلي ...
- الدفاع الروسية: توجيه ضربة واسعة لمواقع الطاقة والكهرباء في ...
- تقرير: إسرائيل غير راضية عن أداء الجيش اللبناني في نزع سلاح ...
- طلقة واحدة في مزلاج -فارغ- تصيب رجلاً بجروح خطيرة في نادٍ لل ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مملكة القطيع... عندما يصبح الحمار صاحب القرار ويُذبح الشعب كي تبقى الدولة.