أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.















المزيد.....

وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 09:44
المحور: قضايا ثقافية
    


تبدأ حكاية المؤسسات من السؤال الذي يخشى أصحاب المصالح سماعه: لمن تُدار الدولة، ولمن تُصنع المناصب، ومن يدفع ثمن القرارات عندما تتحول المسؤولية العامة إلى باب مفتوح أمام الحسابات السياسية؟ في العراق، حيث يحمل الجندي بندقيته على كتفه ويحمل في داخله قلق أسرته واحتياجات أطفاله وأحلامه المؤجلة، تصبح وزارة الدفاع أكبر من حقيبة وزارية وأثقل من مقعد يتنافس عليه المرشحون؛ إنها امتحان أخلاقي للدولة، ومقياس لمدى احترامها لمن يقفون في الصفوف الأمامية دفاعاً عن أرضها وسيادتها. ومن هنا، فإن الحديث عن المرشحين لتولي هذه الوزارة لا ينبغي أن يُختزل في الأسماء التي تتداولها الكتل، ولا في التحالفات التي تتشكل خلف الأبواب، بل يجب أن يبدأ من المؤسسة نفسها، من تاريخها، ومن حقوق منتسبيها، ومن السؤال الذي يظل معلقاً فوق رؤوس الجميع: هل نبحث عن وزير يخدم الجيش، أم عن الجيش الذي يُراد له أن يخدم مصالح الوزير؟ إن الفارق بين السؤالين هو الفارق بين دولة تحترم مؤسساتها ودولة تتعامل معها بوصفها موارد قابلة للتوزيع.
عندما يُطرح اسم نايف الشمري، وهو ضابط سابق ونائب حالي بحسب ما يُتداول في الأوساط السياسية، يصبح من حق الرأي العام أن يتعرف إلى سيرته المهنية، وأن يسأل عن برنامجه الدفاعي، وعن طبيعة تجربته في العمل التشريعي، وعن موقفه من حقوق الجنود والضباط والمتقاعدين، وعن تصوره لإدارة مؤسسة تحتاج إلى خبرة عسكرية وإدارية وقانونية متكاملة. أما الوقائع المتداولة بشأن تصرفات نُسبت إلى بعض أقاربه في مناسبة عسكرية، فلا يصح تحويلها إلى حكم نهائي على الرجل من دون توثيق مستقل، لكن من حق الجمهور أن يطالب بتوضيح كل واقعة تتصل باحترام التسلسل العسكري وضوابطه، لأن القانون لا يعرف القرابة حين يتعلق الأمر بهيبة المؤسسة. والمنصب الوزاري لا يُمنح باعتباره مكافأة على علاقات سياسية أو امتداداً لنفوذ اجتماعي، بل ينبغي أن يستند إلى سجل يمكن فحصه ومساءلته. فالجندي الذي يقف تحت الشمس لا يسأل عن اسم الوزير ولا عن عشيرته، وإنما يسأل إن كان راتبه سيصل في موعده، وإن كانت حقوقه ستُصان، وإن كان المسؤول الذي يتحدث باسمه يعرف حقاً معنى الخدمة العسكرية.
أما طلال جارو، الذي ارتبط اسمه، وفق المعلومات المتداولة، بملفات إدارية تتعلق بالأفراد والخدمة العسكرية، فإن المسؤولية العامة تقتضي أن تُطرح الأسئلة بشأن تلك الملفات من خلال الوثائق والجهات الرقابية المختصة، لا عبر الأحكام المسبقة أو الاتهامات التي لم يصدر بشأنها قرار موثق. فإذا كانت هناك تساؤلات عن المبالغ المخصصة لإصدار الباجات العسكرية، فمن حق الرأي العام معرفة أوجه الصرف، وما إذا كانت الإجراءات قد اكتملت، وما انتهت إليه التحقيقات إن كانت قد فُتحت فعلاً. وإذا كانت هناك شكاوى بشأن ملفات الخدمة المهدورة أو تأخير معاملات المنتسبين، فإن الواجب هو الكشف عن آلية العمل، ومعايير إنجاز المعاملات، وأسباب التوقف أو الاستئناف، ومدى خضوعها للمعايير ذاتها بعيداً عن الانتماءات الانتخابية. فالمعاملة العسكرية ليست ورقة في يد مسؤول يستطيع تحريكها متى احتاج إلى جمهور أو تجميدها عندما تتغير حساباته، وحقوق الموظف والجندي ليست جائزة انتخابية تُمنح لمن يؤيد وتُحجب عمن يختلف. إن أخطر ما يمكن أن يصيب الإدارة العامة هو أن يشعر المواطن بأن حقه يتبدل بتبدل النتائج السياسية، وأن الملف الذي انتظر سنوات يمكن أن يتحرك في موسم انتخابي ثم يعود إلى السكون بعد انتهاء المنافسة. وإذا وُجدت أدلة على مثل هذا السلوك، فإن مكانها الطبيعي هو التحقيق العادل والمحاسبة القانونية، لا التستر ولا التشهير، لأن النزاهة لا تُبنى بالصمت، كما أن العدالة لا تتحقق باتهام لا يستند إلى دليل.
ويأتي اسم الفريق علي الأعرجي في سياق الحديث عن المرشحين المحتملين، فتبرز ضرورة التمييز بين السيرة العسكرية المثبتة، والوقائع الإدارية التي تحتاج إلى تدقيق، وما يتناقله الوسط السياسي من معلومات لا تزال بحاجة إلى توثيق. إن الإقامة السابقة خارج العراق، أو امتلاك جنسية أخرى وفق ما قد يُثار بشأنه، لا يكفي وحده لإصدار حكم على كفاءة أي مرشح أو ولائه، لكن من حق الجهات المختصة أن تتحقق من استيفاء الشروط القانونية، وأن توضح للرأي العام ما يلزم توضيحه بشأن الأهلية وتضارب المصالح والالتزامات التي قد تتصل بالمنصب. كما أن أي حديث عن تدخلات إدارية أو معاملات أراضٍ أو صلات بمسؤولين سابقين ينبغي أن يخضع للوثائق الرسمية والتحقيق المستقل، لا أن يتحول إلى حقيقة ثابتة بمجرد تكراره. وفي هذا السياق، فإن المتداول أنه متزوج من ذكرى علوش، التي تولت أمانة بغداد سابقاً، لا ينبغي أن يكون اسمها مدخلاً إلى اتهامات مرسلة، بل مناسبة للتذكير بأن ملفات الأراضي والعقود والقرارات البلدية، متى أثيرت حولها شبهات جدية، يجب أن تُراجع وفق القانون، وأن يُكشف عن مسارات الموافقات والجهات التي اتخذتها والمستفيدين منها، إن وُجدت مخالفات مثبتة. فالمال العام ليس ذاكرة شخصية يمكن طمسها بتبدل المسؤولين، والأرض التي تملكها الدولة ليست هدية تُمنح عبر النفوذ، وأي قرار يتعلق بها يجب أن يمر عبر القانون والإجراءات المعلنة. أما الادعاءات المتعلقة بوجود صلات أو مصالح مشتركة بين شخصيات سياسية وعسكرية، فإن مسؤولية الكاتب أن يطرح الأسئلة بوضوح، ومسؤولية الجهات المختصة أن تجيب عنها بالأدلة، ومسؤولية المجتمع أن يرفض تحويل الشائعة إلى حكم قضائي أو تحويل النفوذ إلى حصانة من المساءلة.
إن السؤال المتعلق بخبرة المرشح العسكرية لا يقل أهمية عن أسئلة النزاهة والإدارة؛ فوزارة الدفاع ليست مؤسسة مكتبية تُدار من خلف الستائر، ولا عنواناً بروتوكولياً يُضاف إلى السيرة الذاتية. إنها منظومة تتشابك فيها الجاهزية والتدريب والتسليح والانضباط والرعاية الطبية والرواتب والتقاعد وحقوق الشهداء والجرحى وعائلاتهم. ومن يتولى قيادتها يحتاج إلى معرفة عميقة بتعقيدات المؤسسة، وإلى قدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، وإلى فهم لاحتياجات الميدان، وإلى استعداد لمواجهة مواطن الخلل مهما كان مصدرها. لذلك فإن السؤال عن وجود المرشح مع الجنود في الميدان، وعن طبيعة مشاركته في العمليات العسكرية، وعن المواقع التي شغلها والمسؤوليات التي اضطلع بها، ليس انتقاصاً من أحد، بل جزء من حق الرأي العام في تقييم الكفاءة. وفي المقابل، ينبغي ألا تتحول المشاركة في معركة بعينها إلى المعيار الوحيد، فهناك ضباط متميزون في التخطيط والإدارة والتطوير، وهناك من يمتلكون خبرات تخصصية لا تقل أهمية عن الخبرة الميدانية؛ والمقياس الحقيقي هو مجموع الكفاءة والسجل المهني والقدرة على حماية المؤسسة من التسييس والفساد. أما ما يُثار عن دعم النائب علي نهير للفريق علي الأعرجي أو عن حث بعض النواب على انتخابه، فينبغي التعامل معه بوصفه حديثاً سياسياً يحتاج إلى تحقق، لأن الدعم البرلماني في ذاته ليس مخالفة، لكن تحويل الترشيح إلى صفقة مغلقة أو تبادل للمنافع، إن ثبت، يضع المصلحة العامة أمام خطر حقيقي.
ويظهر اسم سعد الخزرجي، الذي يُقال إنه قدّم بعض المرشحين ويرتبط سياسياً بثابت العباسي وحزب حسم، ضمن دائرة الأسئلة المتعلقة بتأثير العلاقات الحزبية والوساطات في صناعة القرار. ومن حق الجمهور أن يعرف طبيعة الدور الذي يؤديه أي شخص في عملية الترشيح، وحدود صلاحياته، وما إذا كانت الإجراءات تسير وفق معايير واضحة أم وفق شبكة من العلاقات التي لا يراها المواطن. وإذا كانت هناك ادعاءات تتعلق بفصل سياسي أو وساطات في التعيين، فإن الفصل فيها لا يكون بالانطباعات، بل بمراجعة الأوامر الإدارية والقرارات ذات الصلة، والتحقق من الأساس القانوني لكل إجراء. وإذا كان مكتب سياسي أو إداري قد استقبل ضباطاً ومنتسبين لمتابعة معاملاتهم، فالمعيار هو طبيعة تلك المعاملات، وما إذا كانت قد أُنجزت وفق القانون وبالعدل نفسه الذي يُعامل به سائر المواطنين. فالمشكلة لا تكمن في أن يراجع المواطن مسؤولاً أو يطلب منه المساعدة في معاملة مشروعة، وإنما تبدأ عندما يصبح الوصول إلى الحق مرتبطاً بمعرفة شخصية، وعندما تتحول الوساطة من طريق لتسهيل الإجراءات القانونية إلى بديل عن القانون نفسه. الدولة التي تجعل أبوابها مفتوحة لأصحاب النفوذ ومغلقة أمام أصحاب الحقوق إنما تضعف ثقة الناس بها، وتحوّل المواطنة من قاعدة دستورية إلى امتياز اجتماعي وسياسي.
وفي قلب هذه الأسئلة تقف قضية الجيش العراقي السابق، وهي قضية لا يجوز أن تُستخدم وقوداً للمزايدات أو أن تُترك معلقة بين النسيان والاستثمار السياسي. لقد حملت تلك المؤسسة تاريخاً معقداً، وتبدلت ظروفها بفعل الحروب والتحولات الكبرى والقرارات التي أعقبت عام 2003، لكن خلف كل ملف وظيفي كانت هناك حياة بشرية، وضابط أو منتسب، وأسرة واجهت آثار التغيير، وحقوق تحتاج إلى معالجة قانونية عادلة. إن المطالبة بإنصاف من يستحق من منتسبي الجيش السابق ليست دعوة إلى إلغاء التاريخ أو تجاهل ما ارتُكب من أخطاء وانتهاكات، وليست تبريراً لكل ما حدث، بل مطالبة بالتمييز بين المسؤولية الفردية التي يحددها القانون وبين الحقوق المدنية والإنسانية التي لا يجوز إسقاطها بالجملة. فالدولة الواثقة من نفسها تستطيع أن تحاسب من تثبت مسؤوليته، وأن تنصف من حُرم حقه بلا مسوغ قانوني، وأن تراجع ملفات الرواتب والتقاعد والخدمة وفق معايير معلنة لا تميز بين إنسان وآخر على أساس الانتماء أو الموقف السياسي. وأي وزير دفاع يتطلع إلى إدارة المؤسسة الحالية ينبغي أن يمتلك رؤية واضحة لهذه الملفات، وأن يتعامل معها باعتبارها جزءاً من العدالة المؤسسية، لا عبئاً ينبغي دفنه ولا ورقة انتخابية يمكن إخراجها عند الحاجة ثم إعادتها إلى الأدراج. فالحقوق التي تتأخر لا تفقد قيمتها، والذاكرة التي تُهمَل لا تموت، بل تتحول مع الزمن إلى سؤال يطارد شرعية المؤسسات وقدرتها على تحقيق الإنصاف.
أما السؤال الأشد حساسية، وهو ما إذا كانت بعض القوى السياسية تتحرك باستقلالية أم تخضع لضغوط خارجية، فلا يجوز أن يُجاب عنه بالتخوين أو بإطلاق أحكام عامة على الأشخاص. السيادة لا تُقاس بالشعارات المرتفعة وحدها، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها وفق مصالح العراقيين، وشفافية علاقاتها الخارجية، وخضوع اتفاقاتها ورقابتها للمؤسسات الدستورية، وامتناع مسؤوليها عن تقديم أي مصلحة خارجية على أمن البلاد وحقوق مواطنيها. إن وصف المرشحين بأنهم بيادق بيد الأجنبي اتهام خطير لا تثبته الخصومة السياسية ولا تكفي لإثباته الشكوك، لكن من المشروع أن يُسأل كل مرشح عن رؤيته لاستقلال القرار العسكري، وعن حدود التعاون مع الدول الأخرى، وعن كيفية حماية أسرار المؤسسة ومقدراتها من الاستغلال السياسي أو الخارجي. فالعراق لا يحتاج إلى وزير يعيش في خصومة دائمة مع العالم، كما لا يحتاج إلى مسؤول يخلط التعاون المشروع بالتبعية، وإنما يحتاج إلى رجل يدرك أن العلاقات الدولية أدوات تخدم المصلحة الوطنية، وأن القرار العسكري يجب أن يبقى محكوماً بالدستور والقانون وسيادة الدولة. والسيادة ليست عبارة تُكتب على جدار وزارة، بل ممارسة يومية تبدأ من احترام الجندي وتنتهي بقدرة الدولة على رفض كل تدخل ينتقص من قرارها المستقل.
لقد عانى العراق طويلاً من تبدل الوجوه وبقاء الأسئلة نفسها؛ من يختار المسؤول؟ ومن يراقبه؟ ومن يحاسب إذا أخفق؟ وكيف تتحول الوزارة من مساحة لخدمة الوطن إلى موضوع للتنافس على النفوذ والعقود والمكاسب؟ إن الحديث عن وزير سابق غادر منصبه أو عن مسؤول اتجه إلى العمل السياسي بعد خدمته لا يكفي وحده لإثبات فساد أو منفعة غير مشروعة، لكن أي تضارب مصالح أو استفادة من المال العام يجب أن يخضع للتدقيق، وأي عقد تحوم حوله شبهات ينبغي أن يُفحص وفق القانون. لا يجوز أن تكون الوزارة سلّماً إلى موقع سياسي أكبر، ولا أن تصبح العقود غنيمة لمن يملك مفاتيح القرار، ولا أن تتحول المؤسسة العسكرية إلى رصيد انتخابي يُستثمر عند الحاجة. إن المنصب العام أمانة مؤقتة، وصاحب المنصب ليس مالكاً للوزارة ولا للجنود ولا للميزانية، بل موظف لدى دولة وشعب يملكان حق السؤال والمحاسبة. وحين يخرج المسؤول من موقعه، ينبغي أن يبقى سجله متاحاً للفحص، وأن تتحدث عنه القرارات والنتائج، لا الصور والخطابات والوعود.
ولأن الحديث عن وزارة الدفاع لا يكتمل من دون النظر إلى حياة الجنود وعائلاتهم، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً لا يتعلق بمن سيجلس على الكرسي، بل بما سيحدث بعد جلوسه. هل سيضع خطة واضحة لتحسين الخدمات الطبية للمنتسبين؟ هل سيعالج تأخر المعاملات ويضمن انتظام المستحقات؟ هل سيحمي الجندي من الابتزاز الإداري؟ هل سيطور التدريب والتجهيز والصيانة؟ هل سيمنح الضباط والمنتسبين فرصاً عادلة للتقدم بعيداً عن الوساطات؟ هل سيحترم حقوق الشهداء والجرحى والمتقاعدين وعائلاتهم؟ وهل سيقبل أن يخضع قراره للرقابة البرلمانية والمالية والقضائية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح على نايف الشمري وطلال جارو وعلي الأعرجي، وعلى كل من يُطرح اسمه لهذا المنصب، من دون استثناء أو محاباة. فالمؤسسة لا تحتاج إلى مرشح يملك شبكة علاقات واسعة بقدر ما تحتاج إلى مسؤول يملك القدرة على إصلاح الخلل، ولا تحتاج إلى خطاب يطمئن السياسيين وحدهم، بل إلى برنامج يطمئن الجندي الذي يعود من واجبه متعباً، والأم التي تنتظر ابنها، والزوجة التي تدير شؤون أسرتها في غياب المعيل، والطفل الذي لا يعرف من الدولة سوى الراتب الذي ينتظر وصوله.
إن الرأي العام لا يطلب من المرشحين معجزات، ولا يريد أن تتحول المناصب إلى ساحات لتصفية الحسابات، وإنما يريد وضوحاً في السيرة، وشفافية في الاختيار، وكفاءة في الإدارة، وعدالة في التعامل مع الناس. وعلى الكتل السياسية التي تدفع بالأسماء إلى واجهة الترشيح أن تدرك أن مسؤوليتها لا تنتهي عند إعلان المرشح أو تأمين الأصوات له؛ بل تبدأ من التأكد من قدرته على حمل الأمانة، ومن الاستعداد لمحاسبته إذا أخفق. كما أن أعضاء مجلس النواب الذين سيشاركون في الاختيار لا ينبغي أن ينظروا إلى الأمر باعتباره جزءاً من تفاهمات الكتل وحدها، بل بوصفه قراراً يمس أمن العراق ومستقبل مؤسسته العسكرية. فالورقة التي يرفعها النائب في جلسة التصويت قد تبدو صغيرة، لكن أثرها قد يمتد إلى آلاف الجنود ومئات الآلاف من أفراد عائلاتهم، وإلى المال العام والجاهزية الدفاعية وثقة الناس بالدولة. ومن هنا، فإن الاختيار المسؤول يبدأ من فحص السجل المهني، وطلب الإجابات عن الملفات المثارة، والتحقق من الشروط القانونية، وإعلان المعايير التي جرى اعتمادها، حتى لا يبقى المواطن متفرجاً على مشهد يعرف أسماء أبطاله ولا يعرف حقيقة الأسباب التي أوصلتهم إلى مواقع القرار.
وفي النهاية، فإن وزارة الدفاع ليست مكافأة انتخابية، ولا إرثاً حزبياً، ولا فرصة لتصفية الخصومات أو توسيع النفوذ، بل عهد وطني يتصل بحياة الناس وأمن البلاد وكرامة المؤسسة العسكرية. والوزير الذي يستحق هذه المسؤولية هو من يستطيع أن يضع القانون فوق العلاقة، والكفاءة فوق الولاء الحزبي، وحقوق الجندي فوق الحسابات الانتخابية، ومصلحة العراق فوق كل منفعة أخرى. أما الأسماء المطروحة، فمكانها الطبيعي أمام ميزان الوثائق والسيرة والخبرة والأسئلة المشروعة، لا أمام أحكام مسبقة ولا حملات تشهير. ومن حق كل من ورد اسمه في هذا المقال أن يقدم توضيحاته ووثائقه، ومن حق الرأي العام أن يطّلع على إجابات واضحة، ومن واجب الجهات الرقابية أن تحقق في أي مخالفة مثبتة، ومن واجب البرلمان أن يجعل اختياره اختباراً للنزاهة والكفاءة لا مناسبة لإعادة إنتاج التوازنات القديمة. إن الجنود الذين يحرسون العراق لا يطلبون من الوزير أن يكون صاحب نفوذ أكبر من غيره، بل أن يكون أكثر التزاماً من غيره، ولا يريدون منه أن يتحدث باسمهم في المناسبات فحسب، بل أن يحفظ حقوقهم في القرارات. فالدولة التي تنصف جنديها تحفظ جزءاً أساسياً من كرامتها، والدولة التي تتركه رهينة المعاملات والوساطات تفتح في جدار الثقة شقاً لا تسده الخطب. وسيبقى السؤال مفتوحاً أمام كل مرشح وكل نائب وكل مسؤول: هل جئتم إلى وزارة الدفاع لتخدموا العراق وجيشه، أم تنتظرون من العراق وجيشه أن يخدموا طموحاتكم؟ ذلك هو الامتحان الحقيقي، وفي الإجابة عنه تتحدد قيمة المنصب ومعنى الأمانة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يا مهدي، ماذا تنتظر؟
- الحرب التي تتجاوز أصحابها.
- حروف حب ميت .
- إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.
- سقوط القناع
- ارحموا أنفسكم قبل أن تصل النار إلى العراق.
- الحقيقة المرة .
- الإنسان الحديث... يملك ألف صديق ولا يجد واحدًا عندما يحتاجه. ...
- من يضع يده على زرّ العراق؟ ‏
- مَاذَا سَيَكْتُبُ التَّارِيخُ عَنِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَلْفِ ...
- المادة السابعة عشرة... عندما يتحول التعويض إلى امتياز ويصبح ...
- إن كنتم لا تستطيعون تنفيذ قراراتكم... فارحلوا! المتقاعد يموت ...
- كاتب قبل اسمه دال.. وهو زمال .
- تشرين... الثورة التي أخافت الجبناء بعد أن فجّرها الشجعان .
- الفنان الذي يحمل الوطن لا الطائفة .
- الثقافة التي تستعيد صوتها من ركام المؤسسات.
- ‏عندما يصغر النقد: هاتف الثلج في مواجهة عجز الثقافة. ‏
- مملكة القطيع... عندما يصبح الحمار صاحب القرار ويُذبح الشعب ك ...
- إيران على حافة الانهيار الاستراتيجي: عندما يتحول هرمز من سلا ...
- الطاووس الذي علّم العراق فنَّ الاعوجاج .


المزيد.....




- هيلاري كلينتون لـCNN: تراجع هالي ستيفنز -المفاجئ- عن دعم عبد ...
- أمريكا تقصف إيران عشية الانتخابات النصفية.. ومصدر يكشف لـCNN ...
- -خطاب العرش-.. ما دلالات القضايا التي تطرق إليها ملك الأردن؟ ...
- أول تصريح لترامب بعد قصف إيران عشية الانتخابات النصفية
- أسباب انتقال احتجاجات الشباب من فرنسا إلى ألمانيا
- من الذي دبر الهجوم الإرهابي الذي تجنّبته موسكو بفضل واشنطن؟ ...
- إسرائيل: حرب شاملة مع إيران أقرب من تشكيل حكومة
- لماذا تتواصل موسكو مع واشنطن بالذات بشأن محادثات أبوظبي؟
- لماذا خاطرت الحكومة البولندية بالاستيلاء على السلطة بالقوة؟ ...
- أمريكا تضرب منصة صواريخ في قشم الإيرانية.. وتصف الضربة بأنها ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.