أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.















المزيد.....

إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 08:52
المحور: قضايا ثقافية
    


يبدو أن المواطن العراقي متهمٌ محترف، يرتكب جريمة الفقر دون إذن، ويستهلك الكهرباء دون أن ينتجها، ويشتري الدواء لأنه يمرض، ويطلب الماء لأنه يعطش، ويطالب بوظيفة لأنه تخرّج، ثم يرتكب الجريمة الكبرى حين يسأل الحكومة: أين ذهبت أموال البلد؟ ولذلك، ومن باب التسهيل على الدولة وتخفيف الضغط عن أجهزتها، أقترح إصدار قرار عاجل بإلقاء القبض على الشعب كله، بتهمة التسبب في الأزمات المالية، وترك المسؤولين يتفرغون لأعمالهم الوطنية، وفي مقدمتها البحث عن حلول لمشكلات لم يصنعوها، على الأقل بحسب الرواية الرسمية التي لم تنتهِ حلقاتها منذ سنوات!
في العراق، تبدو المعادلة الاقتصادية أحيانًا وكأنها نكتة كتبها موظف متقاعد من شدة الضحك؛ بلد يملك النفط، ويستورد ما يحتاج إليه، ويملك الغاز، ويبحث عن الغاز، ويملك العقول، ويصدّر أبناءها إلى الخارج، ويملك الأرض الزراعية، ثم يستورد الغذاء، ويملك المال، ثم يطلب من المواطن شد الحزام حتى يكاد الحزام نفسه يطالب بالتقاعد. وحين تنخفض الإيرادات أو ترتفع النفقات، يُستدعى المواطن فورًا إلى قاعة الاتهام، وكأنه هو الذي وقّع العقود، وأدار الوزارات، ووضع الخطط، ووزع الامتيازات، وقرر أن يبقى الاقتصاد معلقًا بسعر برميل النفط، ينتظر مزاج الأسواق وتقلبات السياسة الدولية.أما المسؤول، فيجلس مطمئنًا إلى أن الأزمة ستجد طريقها إلى جيب المواطن قبل أن تصل إلى مكتبه؛ فالمواطن يستطيع تأجيل شراء الملابس، وتقليل الطعام، والاستغناء عن بعض احتياجاته، أما الدولة فتحتاج إلى لجنة لدراسة إمكانية تقليص لجنة أخرى، ثم مؤتمر صحفي للإعلان عن أن الإصلاح يسير بخطى ثابتة، حتى لو كانت الخطوات تدور في المكان نفسه. وإذا ارتفعت الأسعار، فالمواطن مطالب بالصبر، وإذا تراجعت قدرته الشرائية، فعليه أن يتكيف، وإذا اشتكى، قيل له إن الظروف صعبة، وإذا سأل عن الأموال العامة، أصبح فجأة خبيرًا اقتصاديًا يهدد الاستقرار بكثرة الأسئلة!لكن النكتة تصبح أقل إضحاكًا عندما نصل إلى ملف الرواتب التقاعدية والامتيازات وتعدد المناصب والمخصصات والحمايات والسيارات والمكاتب والمستشارين. هنا ينبغي أن يتقدم الإصلاح من أبواب الدولة نفسها، لا أن يكتفي بالتجول في أسواق الفقراء. ومن حق العراقي أن يسأل عن كلفة إدارة الدولة، وعن جدوى الإنفاق على المؤتمرات والإيفادات والنثريات، وعن الرواتب المتعددة، وعن الأموال التي تُصرف دون نتائج تتناسب معها. ومن حقه أن يطالب بمراجعة استحقاقات المسؤولين السابقين والحاليين وفق القانون، وتوحيد المعايير التقاعدية، ومنع ازدواج الرواتب غير المشروع، وتقليص الامتيازات غير الضرورية، وإخضاع كل دينار من المال العام للرقابة. أما الأموال التي تثبت التحقيقات القضائية أنها نُهبت أو اختُلست، فيجب العمل على استردادها ومحاسبة المسؤولين عنها، بدل الاكتفاء بملاحقة المواطن الذي لا يملك من الثروة سوى راتب ينتظره آخر الشهر، ثم يودعه في جيوب أصحاب الديون والفواتير.وإذا كان الإصلاح يحتاج إلى تضحيات، فلتكن التضحية عادلة؛ لا أن يُطلب من الموظف أن يتحمل وحده، ومن المتقاعد أن يكتفي بالقليل، ومن الفقير أن يبتسم أمام الغلاء، بينما تبقى أبواب الإنفاق غير الضروري مغلقة أمام المراجعة. وليكن شعار الحكومة: من أين لك هذا؟ سؤالًا يوجه إلى الجميع، لا لافتة جميلة تُعلّق على الجدران ثم تُغطّى بستارة المصالح. فالمسؤول الذي خدم الدولة بإخلاص لا يخشى التدقيق، وصاحب الحق لا يخاف القانون، أما المال العام فلا ينبغي أن يتحول إلى ملكية خاصة بمجرد أن تمر عليه سنوات أو تتغير الحكومات.ومع ذلك، لا يكفي أن نخفض الرواتب والامتيازات ونصفق لانتصار التقشف؛ فالدولة لا تعيش على تقليل النفقات وحده، كما أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش على الوعود. العلاج الحقيقي يبدأ بتنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط، واستثمار الغاز العراقي، وتطوير الكهرباء، وإعادة تأهيل المصانع، ودعم الزراعة والصناعات المحلية، وفتح فرص العمل أمام الشباب. كما يحتاج العراق إلى تنويع منافذ تصدير النفط، وبناء بدائل مدروسة لمواجهة اضطرابات طرق التجارة والطاقة، ومنها المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز. فليس من الحكمة أن يبقى مستقبل الموازنة رهينًا لطريق واحد أو مورد واحد، ثم نطلب من المواطن أن يدعو الله كلما اهتزت الأسواق.وإذا تحسنت الإيرادات أو انتهت أزمة خارجية، فلا ينبغي أن تتحول الزيادة المالية إلى مناسبة جديدة لتوزيع الوعود؛ بل يجب أن يعرف الناس كيف أُنفقت الأموال، وما الذي تحسن في الخدمات، وما الذي خُصص للصحة والتعليم والإسكان والحماية الاجتماعية. أما انخفاض سعر الصرف أو ارتفاعه، فلا تحكمه أمنيات المسؤولين وحدها، بل عوامل نقدية وتجارية ومالية متعددة، ولهذا تحتاج الحكومة إلى سياسة واضحة وبيانات معلنة، لا إلى ربط كل انفراج اقتصادي بتصريح متفائل.ومن الحلول أيضًا وضع سلم رواتب عادل لموظفي الدولة، ومراجعة الفوارق غير المبررة، وتدقيق الرواتب المزدوجة، وإعادة تقييم الهيئات المستقلة بحسب الحاجة والإنجاز، وضبط نفقات الأحزاب والأنشطة السياسية وفق القانون والشفافية. أما ملفات رفحاء والسجناء السياسيين وغيرها من الاستحقاقات المرتبطة بظروف تاريخية، فينبغي تدقيقها بإنصاف، لمنع التزوير والازدواج وضمان الحقوق التي يثبتها القانون، من دون تعميم الاتهام على فئة كاملة أو حرمان أصحاب الحقوق بسبب خلاف سياسي. فالعدالة ليست أن نقطع رواتب الجميع، بل أن نعرف من يستحق، وعلى أي أساس، ومن يخالف القانون، وكيف يُحاسب.ويجب أن تمتد الإصلاحات إلى حياة المواطن اليومية؛ فالبطاقة التموينية ليست مجرد مواد غذائية، بل سند للأسر محدودة الدخل، والعلاج ليس رفاهية، والسكن ليس وعدًا انتخابيًا، والكهرباء ليست ضيفًا موسميًا يزور البيوت وفق جدول مجهول. المطلوب ضمان صحي فعّال، ورعاية كريمة لذوي الإعاقة، ودعم للأمراض المزمنة، ومشروعات إسكان حقيقية، وخدمات عامة تليق بثروة البلد. أما إلغاء المؤسسات التعليمية أو الصحية الأهلية بقرار شامل، فليس علاجًا تلقائيًا لمشكلات القطاع العام؛ العلاج هو تطوير المدارس والمستشفيات الحكومية، ومراقبة المؤسسات الأهلية، وضمان الجودة والقدرة على الوصول إلى الخدمات دون أن يصبح المال شرطًا للحق في التعليم والعلاج.يا سيادة رئيس الوزراء، لعلنا نختصر المشهد باقتراح ساخر إلى أقصى الحدود: أن تُشكّل لجنة للتحقيق مع الشعب، وتُوجَّه إليه تهمة سوء إدارة الدولة، ثم يُطلب منه إعادة الأموال التي لم يرها، وتسديد فواتير العقود التي لم يوقعها، وتحمل نتائج القرارات التي لم يشارك في اتخاذها. وبعد صدور الحكم، يُمنح الشعب فرصة استئناف، بشرط دفع الرسوم، ثم تُرفع الرسوم لأنه استأنف، ويُطلب منه الصبر لأن الموازنة لا تسمح بإعادة النظر في القضية! أما المسؤولون، فتُمنح لهم صفة شهود النفي، ويُكتفى بسؤالهم عن أحوالهم، ثم يُصرف لهم بدل حضور الجلسة.
قد تبدو هذه الصورة مضحكة، لكنها تكشف مأساة حقيقية: عندما تصبح المساءلة موجهة إلى الحلقة الأضعف، يفقد الإصلاح معناه، وعندما يُعامل السؤال الشعبي كأنه إزعاج، تتسع المسافة بين المواطن ومؤسساته. ولا يعني ذلك أن كل مسؤول فاسد أو أن كل إخفاق جريمة، بل يعني أن المسؤولية يجب أن تُحدَّد بالأدلة، وأن تُراجع القرارات، وأن تُحاسب الجهات المقصرة، وأن يخضع الجميع للقانون، مهما كانت مناصبهم أو أسماؤهم.إن الحل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى إرادة سياسية تقبل بالرقابة، وقضاء مستقل، وبيانات مالية شفافة، ومؤسسات إنتاجية فاعلة، وتوزيع عادل للأعباء والموارد. ويحتاج كذلك إلى أن تتوقف الحكومات عن التعامل مع المواطن بوصفه خزينة احتياطية تُفتح كلما نفدت الحلول، وأن تبدأ بالنظر إليه باعتباره صاحب الحق في المال العام، لا ضيفًا ثقيلًا على مائدة الدولة.أما الخلاصة، فهي أن العراق لا يحتاج إلى إلقاء القبض على الشعب لأنه فاسد، بل إلى إطلاق سراحه من تهمة دفع ثمن أخطاء الآخرين. فليُقبض على الفساد حيث تثبته الأدلة، وليُسترد المال العام وفق القانون، ولتُراجع الامتيازات بلا استثناء، وليبدأ الإصلاح من مكاتب القرار قبل أن يصل إلى موائد الفقراء. عندها فقط يمكن أن نضحك على هذه النكتة دون أن نبكي بعدها؛ لأن الدولة التي تحاسب مواطنها على فقره، ولا تسأل نفسها عن أسباب ذلك الفقر، تشبه طبيبًا يكسر ميزان الحرارة لأنه أزعجه ارتفاع الحمى، ثم يعلن أمام الجميع أن المريض قد تعافى!



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سقوط القناع
- ارحموا أنفسكم قبل أن تصل النار إلى العراق.
- الحقيقة المرة .
- الإنسان الحديث... يملك ألف صديق ولا يجد واحدًا عندما يحتاجه. ...
- من يضع يده على زرّ العراق؟ ‏
- مَاذَا سَيَكْتُبُ التَّارِيخُ عَنِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَلْفِ ...
- المادة السابعة عشرة... عندما يتحول التعويض إلى امتياز ويصبح ...
- إن كنتم لا تستطيعون تنفيذ قراراتكم... فارحلوا! المتقاعد يموت ...
- كاتب قبل اسمه دال.. وهو زمال .
- تشرين... الثورة التي أخافت الجبناء بعد أن فجّرها الشجعان .
- الفنان الذي يحمل الوطن لا الطائفة .
- الثقافة التي تستعيد صوتها من ركام المؤسسات.
- ‏عندما يصغر النقد: هاتف الثلج في مواجهة عجز الثقافة. ‏
- مملكة القطيع... عندما يصبح الحمار صاحب القرار ويُذبح الشعب ك ...
- إيران على حافة الانهيار الاستراتيجي: عندما يتحول هرمز من سلا ...
- الطاووس الذي علّم العراق فنَّ الاعوجاج .
- حذاء الطنبوري يركب حمار جحا ويشحن النفط من البصرة.
- «رائف أمير إسماعيل... العقل الذي يفاوض الكون»
- بغداد في مرآة النظام العالمي: قراءة صادقة في كتاب هنري كيسنج ...
- عَرُوبَتِي لا أستعيرها… وعِرَاقِيَّتِي لا أساوم عليها.


المزيد.....




- -نتنياهو سوّق أوهام إسقاط النظام-.. يائير غولان يعتبر اغتيال ...
- مساعد الطيار خطّط لهجوم انتحاري على مطار بن غوريون.. النيابة ...
- ترامب يفاجئ العالم باتفاق مع بوتين بشأن الديزل الروسي.. ما ا ...
- من تسجيلات 2017 إلى هجوم 7 أكتوبر.. مسؤول سابق في الشاباك يت ...
- الأمن السوري يوقف 7 أشخاص في حماة.. اتهامات بارتكاب انتهاكات ...
- ترامب: روسيا ستزود أمريكا والأسواق العالمية بالديزل
- محمد السادس يؤكد الشراكة مع إسبانيا -خيار سيادي ولن تكون محل ...
- نائب في البرلمان الأوروبي يشكك في إيمان القادة الأوروبيين بم ...
- والتز: ترامب طالب أوكرانيا بوضوح بوقف استهداف مصافي النفط ال ...
- خرجت لشراء الدواء.. الأمن المصري يحل لغز اختفاء فتاة سودانية ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.