|
|
حروف حب ميت .
حامد الضبياني
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 23:47
المحور:
قضايا ثقافية
يا حبيبتي... أحتاج إلى أطنانٍ من الرصاص لأثقب هذا الصمت، لا لأقتل أحداً، بل لأتأكد أن في العالم شيئاً ما يزال قابلاً للموت غيرنا. أحتاج إلى رصاصةٍ واحدة تستقر في قلب اللغة، فقد ماتت الكلمات وما زالت الصحف تنشر نعيها بأحبارٍ وطنية، وأحتاج إلى وطنٍ صغير يتسع لجثتي، فالأوطان الكبيرة لا تتسع إلا للقتلة والذين يتقنون المشي فوق أصابع الموتى. يا حبيبتي... إن القهر لا يفتح بكارة الألم، إنه يغتصب ذاكرة الإنسان، ثم يتركه عارياً أمام مرآةٍ لا تعترف بوجهه، وكلما حاولت أن أرتدي روحي مزّقها الخوف من جهة القلب. أنا لا أبكي، فالبكاء يحتاج إلى عينين لم تسرقهما الحروب، وأنا منذ ولدت أجمع عينيّ من الطرقات، واحدةً من جنازة، وأخرى من نشرة أخبار، وثالثةً من أمٍّ عراقية تفتش في أكياس الموتى عن اسم ابنها، ثم تعود إلى البيت لتطبخ الغياب وتقدمه لأطفالها حساءً بلا ملح. يا حبيبتي... خذيني إلى مكانٍ لا تعرفه الجغرافيا، إلى أرضٍ لم تضع عليها الأمم المتحدة ختمها الأخير، إلى غابةٍ لا يسأل فيها الشجر عن مذهب العابرين، ولا تفتش فيها الطيور عن هويات الأغصان، أريد أن أنام تحت شجرة لا تملك حزباً، ولا حارساً، ولا خطاباً انتخابياً، شجرةٍ إذا سقطت ورقةٌ منها لا يتهمها أحد بشق وحدة التراب. خذيني إلى مزارع البقر، لعلني أتعلم من الأبقار كيف نمضغ عشب الحياة بهدوء، وكيف نحدق في الجزار دون أن نمنحه لقب القائد، لعلني أتعلم من حوافرها أن الأرض لا تحتاج إلى خطيب كي تنبت، وأن العشب لا يستشير البرلمان قبل أن يخضرّ، وأن البقرة التي لا تقرأ التاريخ قد تكون أكثر حكمةً من أمةٍ تحفظ أسماء الهزائم وتعيد ارتكابها كل صباح. سأمتزج بأزهار الأرض، ألوّن وجهي بترابها، وأكتب على بتلاتها وصية الإنسان الأخير: لا تصدقوا من يبيعكم الجنة ويحجز لكم مقعداً في الجحيم، ولا تصدقوا من يرفع سيفه ليحمي رقابكم، فبعض السيوف لا تعرف من رقاب الناس إلا الطريق إلى السلطة. ثم أذهب إلى قبور الهنود الحمر، أجلس قرب عظامهم وأقول: ناموا بسلامٍ أيها الذين سمّاكم المنتصرون جبناء، لقد تعلمنا أخيراً كيف يكون الانتصار هزيمةً طويلة، وكيف تتحول الأرض المسروقة إلى خريطةٍ مقدسة، وكيف يصبح القاتل صاحب الحق إذا امتلك مطبعةً وجيشاً ومؤرخاً. سامحونا، لقد صرنا نقتدي بكم دون أن نتعلم منكم كيف نحمي ما تبقى، صرنا نستنجد بتاريخ المهاجرين ونحن نطرد بعضنا من ذاكرة الوطن، صرنا نرفع أسماء الضحايا على أعلامنا، ثم نبحث عن ضحيةٍ جديدة كي لا تشعر أعلامنا بالوحدة. يا حبيبتي... خذيني إلى تطوان، فقد أتعبني نشيدها وهو يقطع المسافة من حنجرةٍ إلى حنجرة، أريد أن أسأل المدينة: هل ما زالت الأغاني تستطيع إنقاذ أحد؟ أم أن الأناشيد صارت مقابر موسيقية تدفن فيها الشعوب أحلامها القديمة وتصفق عند انتهاء المراسم؟ من تطوان إلى بغداد سأرسل رسائلي، لا بالبريد، بل بما تبقى من دمي، سأكتب: يا أهل المدن البعيدة، نحن نحتضر، لكننا مختلفون على اسم المرض، واحدٌ يقول الطائفة، وآخر يقول العقيدة، وثالثٌ يتهم اللغة، ورابعٌ يبيعنا الدواء في زجاجةٍ مختومة باسم الوطن. تفرقنا كقطرات الزئبق، كلما اقتربت قطرتان جاءت يدٌ خفية وفرّقتهما، وكلما حاولنا أن نكون نهراً أقاموا بيننا حدوداً، وكلما قلنا: نحن، خرج من بيننا من يشرح لنا أن ضمير الجماعة مؤامرةٌ على ضمير الطائفة. أكلتنا الثعالب الجرباء، لكن الثعالب هذه المرة ترتدي البذلات، وتحمل الشهادات، وتحفظ آيات الرحمة، وتعرف كيف تبكي أمام الكاميرات، ثم تعود إلى جحورها لتتقاسم ما تبقى من جسد البلاد. يا حبيبتي... خذيني إلى الأقصى، أريد أن أرى الحجر الذي صار أكبر من ضمائرنا، أريد أن أسأل المآذن: كم صلاةً تحتاج الأرض كي تتحرر من الذين يتاجرون بقداستها؟ وكم شهيداً يجب أن يسقط حتى يفهم الأحياء أن الموت لا يصنع وحده حريةً كاملة؟ سألعن الذين خذلوا المظلوم، لا لأنهم لم يرفعوا أصواتهم، بل لأن بعضهم رفع صوته حتى غطّى على أنين الضحية، وجعل من دمها منبراً لخطبته، ومن جرحها سلّماً إلى صورته، ومن صمودها وثيقةً يساوم بها في سوق المصالح. وسألعن كل ثائرٍ استبدل قيداً بقيد، وكل حامل رايةٍ ظن أن لون القماش يمنحه حق امتلاك البشر، وكل من حرر الأرض ثم صادر الإنسان، فما قيمة وطنٍ تتحرر حدوده وتبقى روحه تحت الاحتلال؟ يا حبيبتي... لا مكان للشرفاء في سوقٍ يُقاس فيه الشرف بمقدار ما يربحه صاحبه، ولا مكان للحقيقة في محكمةٍ يكتب فيها القاضي حكمه على ضوء مصالح المتهم، ولا مكان للقصيدة إذا كان على الشاعر أن يستأذن السكين قبل أن يكتب عن الجرح. خذيني إلى فرعون، أريد أن أضع أمامه مرآة هذا العصر، وأقول: يا صاحب الأهرام، لقد أخطأت في حساب الخلود، كنت تظن أن الحجر سيحفظ اسمك، لكن بعض الذين جاؤوا بعدك بنوا أهرامهم من الجماجم، وتركوا أسماءهم على أبواب السجون، ثم طالبوا التاريخ أن يسميهم بناة الحضارة. وسأسأله عن هدى شعراوي، عن المرأة التي حلمت أن يكون لجسدها بابٌ تفتحه إرادتها، لا مفتاحٌ يحمله المجتمع، ولا قفلٌ تتوارثه العائلة، ولا وصيٌّ يقرر نيابةً عنها شكل حريتها. كيف تُغتصب الحرية باسم الشرف؟ وكيف يصبح الجسد حديقةً عامة يتنازعها حرّاس الفضيلة؟ وكيف نطالب المرأة أن تكون حرةً ثم نحاكمها كلما صدّقتنا؟ يا حبيبتي... سأذهب إلى طه حسين، أعتذر إليه عن كل ظلامٍ لبس ثوب اللغة، وعن كل عقلٍ أُجبر على الاعتذار لأنه فتح نافذةً في جدار الموروث، ثم ألتفت إلى العروبة وأسألها: أأنتِ التي شوهتِ لغتكِ، أم نحن الذين حوّلناها إلى سلاسل من الذهب، نلمّعها في الاحتفالات ونستخدمها لتقييد الأفواه؟ يا لغتي، كم أحبكِ وكم أخجل منكِ حين يرفعكِ الكاذبون فوق المنابر، ثم يذبحون بكِ الحقيقة، حين تصبح البلاغة ستاراً للفساد، والفصاحة مقصلةً للفقراء، وحين يخرج القاتل من فم الخطيب مرتدياً عباءة الحكمة، فمن يجرؤ عندها على اتهام اللغة بالبراءة؟ أنا لا أكره العروبة، أنا أكره الذين جعلوها سجناً للعرب، ولا أكره الدين، أنا أكره من نصبوا أنفسهم حراساً على أبوابه، ولا أكره التاريخ، إنما أكره الذين يختارون منه ما يبرئ سكاكينهم، ثم يدفنون بقية الصفحات في مقابر النسيان. خذيني إلى تونس، إلى قبر أبي القاسم الشابي، أريد أن أقرأ له قصيدته على مسامع شعبٍ أرهقه الانتظار، وأقول له: يا شاعر الإرادة، لقد صار الشعب أحياناً يخاف من صوته، وصار الخوف يربي أبناءه على الطاعة، ويمنحهم شهاداتٍ في الصبر، ثم يطردهم من الحياة لأنهم لم يتعلموا كيف يقولون: لا. يا شابي، ماذا تفعل الإرادة إذا صار القفص أكثر ألفةً من السماء؟ وماذا يفعل الحلم إذا خاف صاحبه من اتساع الطريق؟ نم أيها الشاعر، فالأمة التي انتظرتك طويلاً ما زالت تبحث عن جناحين، لكنها كلما وجدت جناحاً قصّت ريشه وأطلقت عليه اسم الواقعية. نم أيها المريض بالوهم، يا من ظننت أن الكلمات تستطيع وحدها أن توقظ الشعوب، لقد استيقظت الشعوب، لكن بعضها استيقظ ليفتش عن سجانٍ جديد، وبعضها فتح عينيه ثم أقنع نفسه أن الظلام هو شكلٌ آخر من أشكال النور. يا حبيبتي... أحمل قلبي إلى مكة، لا لأساوم السماء على مصيري، ولا لأستعير من الغيب رخصةً لقتل إنسان، بل لأقف أمام نفسي وأعترف: لقد أتعبتني هذه الأرض، وأتعبني الذين يوزعون صكوك الإيمان كما يوزع الجلاد أرقام الزنازين. أريد أن أسأل ضميري: كيف تحولت الرسالة التي دعت إلى الرحمة في أيدي بعض الناس إلى سكينٍ تبحث عن رقبةٍ مختلفة؟ وكيف صار اسم محمد الذي بعث رحمةً للعالمين يتردد أحياناً على ألسنةٍ لا تعرف من الرحمة إلا الكلمة؟ يا رسول الرحمة، لن أطلب فتوى أقتل بها الملتحين، فليس اللحية جريمة، ولا الإيمان تهمة، ولا الاختلاف دماً مستباحاً، لكنني سأطلب عدالةً توقف الذين يقتلون باسمك، وتمنع الذين يزوّرون رسالتك من تحويل الدين إلى مقبرةٍ واسعة تُرفع فوقها الرايات وتُغسل عند أبوابها السكاكين. سأطلب محاكمةً لا يدخلها القاضي باسم الطائفة، ولا يخرج منها المظلوم باسم التسامح، سأطلب ميزاناً لا يعرف أسماء القتلة، ولا يخاف من عمائمهم، ولا ينحني لتيجانهم، ميزاناً إذا وُضع عليه إنسان رجحت كفته على جميع الأكاذيب. يا من بعثت رحمةً للعالمين، لقد صارت الرحمة غريبةً في بعض ديار رسالتك، وصار القاتل يسبق الضحية إلى المنبر، وصار المذنب يشرح للناس طهارة يديه، ثم يغسل دم الأبرياء بماء الكلمات. لقد شوّهوا المعنى حين ظنوا أن امتلاك الحقيقة يمنحهم حق امتلاك الناس، وحين خلطوا بين قداسة النص وأهواء من يتحدث باسمه، وحين نسوا أن الإنسان ليس مسودةً يكتبها المفتي ثم يمزقها إذا خالفت هواه. وصلّت عليك ملائكة السماء، أما نحن فما زلنا نختلف على من يستحق السلام، حتى صار السلام نفسه متهماً بالانحياز، وصارت التحية تحتاج إلى تدقيقٍ مذهبي، وصار الحياء ضيفاً ثقيلاً على موائد الذين يتحدثون عن الفضيلة بأفواهٍ لا تعرف الشبع. يا حبيبتي... هل رأيتِ أمةً تجوع إلى المعنى وتشبع من الشعارات؟ أمةً ترفع رأسها كلما دفنت أبناءها، وتحسب عدد التوابيت مقياساً لكرامتها، وتسمّي الخراب بطولةً إذا كان الخراب من نصيب الآخرين؟ أمتنا التي وصفها الحديث بغثاء السيل لم تصبح هكذا لأنها قليلة العدد، بل لأن الوزن غادرها، ولأن الإنسان صار رقماً، والرأي صار جريمةً محتملة، والحقيقة صارت ضيفاً يُطرد من الباب إذا تأخر عن دفع الثمن. لقد ذهب الحياء من وجوهٍ كثيرة، لا لأن الوجوه عارية، بل لأن الضمائر تعلمت ارتداء الأقنعة، ولأن الخيانة لم تعد تخشى أن تُرى، بل صارت تخشى فقط أن تفقد جمهورها. يا حبيبتي... أعود إلى أرض المغفرة، أعود مثقلاً بكل هذه الأسئلة، فلا الأرض تعرفني، ولا السماء تجيبني، ولا القبور تتسع لكل الذين ماتوا وهم ينتظرون جواباً. سأمشي في العراق حافياً، كي أشعر بما تشعر به الطرقات حين تدوسها مواكب المسؤولين، سأمر على البيوت التي نسيت أبوابها طعم الأمان، وعلى الأمهات اللواتي تعلمن أسماء القتلة أكثر مما تعلمن أسماء النجوم، وعلى الأطفال الذين يرسمون الشمس ثم يتركون في وسطها ثقباً أسود بحجم وطنهم. سأقف عند دجلة، وأسأل الماء: كم وجهاً حملتَ ولم تستطع إنقاذه؟ وكم اسماً أخفيتَ تحت تموجاتك كي لا تصل إليه أيدي الطائفيين؟ يا ماء العراق، هل ما زلتَ تعرف الفرق بين عطش الإنسان وعطش الذين يحكمونه؟ أم أن كثرة الدماء جعلتك تخشى أن تشرب منك البلاد فتتذكر؟ سأمر على النخيل، أعتذر لكل نخلةٍ وقفت أطول من ساسة البلاد، وأثمرت أكثر من خطبهم، وظلت تعطي الفقير دون أن تسأله عن بطاقة انتمائه، ثم أقول للأرض: سامحينا، لقد جعلنا حدودكِ أضيق من قلوبنا، وقلوبنا أضيق من حفرة قبر. وحين أصل إلى قبري لن أطلب شاهداً فخماً، ولا رخاماً يحمل اسمي، ولا خطيباً يشرح للناس أنني كنت صالحاً، أريد حفنة ترابٍ لا تسألني عن مذهبي، وغرباناً لا تملك حزباً، وغراباً واحداً يتولى دفني دون أن ينتظر أمراً من لجنةٍ للمحاصصة. أريده غراباً طائفياً، لا لأنه يعرف الطائفة، بل لأنه الوحيد الذي تعلم من الغراب الأول كيف يواري سوأة أخيه، بينما ما زال البشر يتعلمون كل يوم كيف يوارون جرائمهم تحت تراب الآخرين. سأترك لهم جسدي، فقد تعبت من حمله، وسأترك لهم اسمي، فقد تنازعوه طويلاً، وسأترك لهم كتبي، فلعل أحدهم يكتشف أن الكلمات التي كتبتها لم تكن ضد أحد، بل كانت ضد اللحظة التي يصبح فيها الإنسان عدواً لأخيه لمجرد أنه ولد من جهةٍ أخرى من الجرح. لكنني سأحتفظ بشيءٍ واحد، بآخر خليةٍ من قلبي، سأخفيها عن الأحزاب، وعن تجار العقائد، وعن الذين يبيعون الموت بالتقسيط، سأضعها في رسالةٍ إليكِ، وأكتب على ظرفها: إلى حبيبتي، التي أحببتها في زمنٍ صار فيه الحب دليلاً على ضعف صاحبه. يا حبيبتي... أنا لا أكتب إليكِ لأخبركِ أنني أحبكِ، فالحب كلمةٌ تستطيع أيُّ شفتين نطقها، أنا أكتب إليكِ لأخبركِ أنني حاولت أن أبقى إنساناً في زمنٍ كان يطلب مني أن أكون شاهداً على القتل، أو شريكاً فيه، أو صامتاً كي أنجو. حاولت أن أحبكِ دون أن أضع على قلبكِ ختم طائفة، أو رقم حزب، أو وصية قبيلة، حاولت أن أراكِ كما ترى الأرض مطرها، لا تسأل القطرة عن اسم الغيمة، ولا تفتش في الماء عن شجرة العائلة. لكنني خسرت، يا حبيبتي، خسرت لأن قلبي كان يظن أن المحبة قادرةٌ على هزيمة التاريخ، ولأن التاريخ كان يخبئ في جيبه سكيناً أطول من ذاكرتي، ولأننا حين أحببنا نسينا أن العالم لا يقتل العاشقين دائماً، بل يقتل أحياناً المعنى الذي يجعلهما جديرين بالحياة. والآن، ها أنا أكتب إليكِ بحروفٍ لا تشبه حروف البشر، حروفٍ خرجت من فم جريح ولم تصل إلى أذن أحد، حروفٍ كلما كتبتُها نزفت، وكلما نزفت ظن القارئ أنها حبر، حروفٍ تخلّت عن نقاطها كي لا تشبه لغة المتهمين، وخلعت حركاتها كي لا يرفعها أحد على منبرٍ سياسي، واختارت أن تموت قبل أن تتعلم الكذب. هذه حروف حبٍّ ميت، لا لأنها كفّت عن الحب، بل لأنها أحبّت أكثر مما يحتمل هذا العالم، ولأنها كلما كتبت: أحبكِ، سقط من خلف الكلمة وطنٌ كامل. أحبكِ... لكنني لا أملك قلباً أقدمه لكِ، لقد فتّشوا صدري عند كل حاجز، وصادروا نبضي للاشتباه بانتمائه، ثم أعادوا إليّ جسداً لا يصلح للعشق، ولا للاحتجاج، ولا حتى للانتحاب. أحبكِ... وهذه الكلمة آخر ما تبقى من ثروتي، فلا تبيعيها، لا تضعيها في مزاد الشعارات، لا تمنحيها لرجلٍ يعدكِ بالجنة ويحرمكِ من نافذة، ولا تسمحي لقاتلٍ أن يضع توقيعه تحتها. أحبكِ... أقولها للمرة الأخيرة، لا لتسمعيها، بل كي تسمعها الأرض وتعرف أنني مررت من هنا، وأنني لم أكن رقماً في إحصائية الخسائر، ولا صورةً في نشرة المساء، ولا اسماً على شاهد قبر، كنت إنساناً، وكان لي قلب، وكان لي حلم، وكان لي حبيبة أردت أن أعيش معها دون أن أعتذر للعالم عن إنسانيتي. يا حبيبتي... إذا وجدتِ رسائلي ملقاةً قرب الباب، فلا تفتحيها، فقد خرجت منها روحي وصارت الكلمات أيتاماً لا يعرفون آباءهم، وإذا وجدتِ اسمي مكتوباً على جدارٍ فلا تمسحيه، دعي الغبار يقرأه، فالغبار أصدق من بعض المؤرخين، وإذا سمعتِ أحدهم يقول إنني متُّ من الحزن، فقولي له: مات من فرط الحياة، من كثرة ما رأى من أناسٍ يتنفسون ولا يحيون، ومن أوطانٍ تملك الخرائط ولا تملك قلباً، ومن آلهةٍ يصنعها البشر ثم يقتلون بعضهم كي يثبتوا أنها موجودة. وإذا سألكِ أحدهم لماذا كتبتُ لكِ حروف حبٍّ ميت، فقولي: لأن الحب في بلادنا يحتاج إلى شهادة وفاة كي تسمح له السلطات بالمرور، ولأن القلب الذي لا يحمل سلاحاً يُعامل بوصفه مشبوهاً، ولأن العاشق الذي يرفض الكراهية يبدو للناس كأنه يخفي جريمةً. قولي لهم: كان يحبني، لكنه كان يحب الإنسان أيضاً، وحين خُيّر بين قلبي وقلوب المظلومين، لم يعرف كيف ينجو، فانقسم إلى رسالتين: واحدةٍ كتبها لي، وأخرى كتبها للعالم، ثم ماتت الرسالتان في صندوق بريدٍ لا يعرف عنوان الرحمة. يا حبيبتي... هذه حروفي الأخيرة، أضعها على عتبة العالم كما يضع الفقير رغيفه أمام طفلٍ جائع، فإن أكلها أحد فليتذكر أنني كنت هنا، وإن داستها أقدام العابرين فلا تلومي الطريق، فالطريق لم يختر من يمشي فوقه. أنا حامد، أكتب من الجهة التي لا تصل إليها الكاميرات، من حيث ينام الفقراء على أصوات القنابل القديمة، وحيث يضع العراقي يده على صدره ليتأكد أن قلبه ما زال في مكانه، وحيث تصبح القصيدة آخر قطعة خبزٍ يتقاسمها الجياع ولا يشبع منها أحد. أكتب إليكِ ولا أنتظر جواباً، فالأموات لا يقرؤون الرسائل، والأحياء مشغولون بإثبات أنهم لم يموتوا، وأنا بين الاثنين أعيش موتاً مؤجلاً، أتنفس كي لا أخيف أمي، وأبتسم كي لا أزيد حزن العراق، وأحبكِ كي لا ينتصر القتلة انتصاراً كاملاً. يا حبيبتي... إذا انطفأت حروفي، فلا تبحثي عن شمعة، ضعي يدكِ على قلبكِ، فربما تجدين هناك آخر حرفٍ لم يمت، حرفاً صغيراً يرتجف تحت ركام اللغة، ويحاول أن يقول: أحبكِ... لكن الصوت لم يخرج، والشفاه أطبقت، والليل أتمّ جريمته، وفي الصفحة الأخيرة لم يبقَ من القصيدة سوى نقطةٍ سوداء، تشبه عين شهيدٍ ظل مفتوحاً ينتظر أن تعود البلاد إلى وجهها الأول. وتحت النقطة كتبتُ اسمي، ثم شطبته، فقد خفتُ أن يتحول اسمي إلى رايةٍ جديدة، وأن يتقاتلوا على قبري، وأن يختلفوا على مذهبي بعد موتي، وأن يوزعوا دمي حصصاً انتخابية، وأن يرفعوا صورتي في مواسم الوعود، ثم ينسوني عندما تنتهي الانتخابات. لهذا محوت اسمي، وتركت القصيدة بلا أب، والحب بلا شاهد، والموت بلا مذهب، وتركت لكِ وحدكِ حق معرفة السر الأخير: لم تمت حروفي لأنها عجزت عن الحب، بل ماتت لأنها رأت ما يفعله البشر بكل شيءٍ يحبونه. أحبكِ... يا آخر امرأةٍ لم أستطع إنقاذها من العالم، ويا آخر وطنٍ لم أستطع مغادرته، ويا آخر جرحٍ لم أتعلم كيف أكرهه. أحبكِ... هذه ليست خاتمة قصيدة، إنها شهادة وفاة اللغة في وطنٍ ما زال يتحدث، وإعلان ولادة الصمت في أمةٍ ما زالت تصرخ، ووصية عاشقٍ لم يترك وراءه ذهباً ولا بيتاً ولا قبراً يليق به، ترك فقط حروف حبٍّ ميت، كلما قرأها أحد شعر أن الذي مات ليس الشاعر وحده... بل شيءٌ فينا كان يستحق الحياة.
#حامد_الضبياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.
-
سقوط القناع
-
ارحموا أنفسكم قبل أن تصل النار إلى العراق.
-
الحقيقة المرة .
-
الإنسان الحديث... يملك ألف صديق ولا يجد واحدًا عندما يحتاجه.
...
-
من يضع يده على زرّ العراق؟
-
مَاذَا سَيَكْتُبُ التَّارِيخُ عَنِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَلْفِ
...
-
المادة السابعة عشرة... عندما يتحول التعويض إلى امتياز ويصبح
...
-
إن كنتم لا تستطيعون تنفيذ قراراتكم... فارحلوا! المتقاعد يموت
...
-
كاتب قبل اسمه دال.. وهو زمال .
-
تشرين... الثورة التي أخافت الجبناء بعد أن فجّرها الشجعان .
-
الفنان الذي يحمل الوطن لا الطائفة .
-
الثقافة التي تستعيد صوتها من ركام المؤسسات.
-
عندما يصغر النقد: هاتف الثلج في مواجهة عجز الثقافة.
-
مملكة القطيع... عندما يصبح الحمار صاحب القرار ويُذبح الشعب ك
...
-
إيران على حافة الانهيار الاستراتيجي: عندما يتحول هرمز من سلا
...
-
الطاووس الذي علّم العراق فنَّ الاعوجاج .
-
حذاء الطنبوري يركب حمار جحا ويشحن النفط من البصرة.
-
«رائف أمير إسماعيل... العقل الذي يفاوض الكون»
-
بغداد في مرآة النظام العالمي: قراءة صادقة في كتاب هنري كيسنج
...
المزيد.....
-
حتى حيوانات الميركات في حديقة الحيوانات هذه تستعد للهالوين..
...
-
محمد رمضان يكشف عن أول صورة من مسلسله الجديد -عشماوي-
-
الجيش الأمريكي ينشر فيديو ضرب سفينة شحن حاولت خرق الحصار على
...
-
السعودية.. ماذا نعلم عن استهداف الحوثي لمطار الرياض؟.. مراسل
...
-
ابنة صدام حسين تعلق على استهداف الحوثي للسعودية وتذكر بتحذير
...
-
-ملتزمون بأمن المملكة-.. رئيس وزراء باكستان يعلق بعد هجوم ال
...
-
12 قتيلا و أكثر من 300 جريح بعد الهجوم على مطار الملك خالد ف
...
-
محتجزون اختفى أثرهم بعد اعتقالهم.. شهادات تتحدث عن نزع أعضاء
...
-
أقدم سلحفاة برية في العالم.. ماذا تكشف عن طول عمر البشر؟
-
كندا تدين استهداف مطار الملك خالد في الرياض
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|