حامد الضبياني
الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 14:06
المحور:
قضايا ثقافية
لم يُنهب العراق من خزائنه وحدها، بل نُهبت قدرته على الوقوف، وسُرقت من مؤسساته سنوات من العمل والخبرة، وتحولت بعض منشآته الصناعية بعد سقوط بغداد عام 2003 إلى ساحات مفتوحة للفوضى والسطو، فيما كانت الدولة تتهاوى تحت أنظار قوة احتلال عجزت عن حماية ما كان ينبغي أن تحميه. وفي تلك الفوضى لم تكن الآلات المفقودة مجرد كتل من الحديد، بل كانت عقولًا متجسدة في مكائن دقيقة، وخرائط هندسية، وخبرات تراكمت عبر سنوات من العمل. وما كشفته تقارير صحفية وشهادات مسؤولين عراقيين عن تفكيك منشآت التصنيع العسكري ونقل معداتها باتجاه الحدود الإيرانية يكشف جانبًا من جرح عراقي لم يُغلق، ويضع أمام العراقيين سؤالًا لا يجوز أن يضيع في ضجيج السياسة: من أخذ مقدرات العراق، ومن سهّل خروجها، ومن دفع ثمن ذلك من مستقبل أبنائه؟
إن الحديث عن نهب التصنيع العسكري العراقي ليس حكاية اخترعها الغضب بعد سنوات من الخيبة؛ فقد تناولت تقارير صحفية منشورة عام 2005 عمليات تفكيك منظمة طالت منشآت عراقية متخصصة في إنتاج الأسلحة والمعدات، كما وثّقت تقارير أخرى اعتراض معدات صناعية ضخمة كانت في طريقها إلى إيران بعد تقطيعها بطريقة تسمح بتمريرها على أنها خردة، مع أن طبيعتها وقيمتها الصناعية كانتا تشير إلى شيء مختلف تمامًا. هذه الوقائع تكشف أن ما جرى لم يكن مجرد سرقة أبواب ونوافذ وأسلاك، بل إن معدات صناعية عالية القيمة اختفت من مؤسسات استراتيجية، وأن جزءًا منها ظهر في مسارات تهريب عبر الحدود. أما تحديد جميع الجهات التي خططت لكل عملية، وحجم المعدات التي وصلت إلى إيران، فيحتاج إلى توثيق تفصيلي لا ينتقص من خطورة الوقائع المثبتة، بل يمنحها أساسًا أقوى للمحاسبة.
وتتضمن شهادة منسوبة إلى مسؤول سابق في التصنيع العسكري العراقي اتهامات محددة بشأن شخص يدعى مهرداد أخلاقي، قيل إنه دخل العراق بعد سقوط بغداد ضمن مجموعة ضمت عناصر إيرانية وأطرافًا عراقية، وإن المجموعة توجهت إلى منشأة حطين وغيرها من المنشآت، وحصرت أسماء العاملين، وفككت معدات متخصصة، واستعانت بخبرات عراقية في نقلها أو تركيبها. كما تتضمن الشهادة اتهامات بقتل خبراء رفضوا التعاون. إن هذه التفاصيل، بما تحمله من خطورة، تستحق أن تُعرض في ملف تحقيق جاد، وأن تُقارن بسجلات المنشآت وأسماء العاملين وشهادات ذوي الضحايا. فالعراقي الذي فقد زميله أو مصنعه أو مصدر رزقه لا يحتاج إلى خطبة عاطفية بقدر ما يحتاج إلى تحقيق يحدد المسؤوليات ويكشف مصير الممتلكات. ولا يجوز أن تتحول أسماء الأشخاص والاتهامات الموجهة إليهم إلى أحكام نهائية من دون أدلة مستقلة، لكن لا يجوز أيضًا دفن الشهادات التي يمكن أن تقود إلى الحقيقة.
لقد كانت منشآت التصنيع العسكري تضم معدات متقدمة في مجالات التشغيل الدقيق وصناعة القوالب والسباكة وإنتاج أجزاء الأسلحة، وبعض هذه المعدات كان قابلًا للاستخدام في تطبيقات مدنية وعسكرية معًا. وحين تختفي مثل هذه المعدات، فإن الخسارة لا تقتصر على قيمتها المالية؛ إذ يمكن نقل الآلة في شاحنة، لكن لا يمكن نقل عقود الخبرة التي راكمها المهندسون في يوم واحد، ولا يمكن تعويض المعرفة التي ضاعت مع إغلاق المصانع وتشريد العاملين. وقد أشار تقرير مجموعة المسح العراقية إلى أن منشآت صناعية ذات صلة ببرامج التصنيع والتقنيات مزدوجة الاستخدام تعرضت للنهب والأضرار بعد الحرب، وأن بعض المواقع فُرغت من معداتها وحواسيبها ووثائقها. وهكذا وجد العراق نفسه أمام مشهد قاسٍ: بلد يمتلك خبرات صناعية، لكنه يفقد أدواتها في لحظة انهيار الدولة.
أما إيران، فإن علاقتها بالعراق بعد عام 2003 لا يمكن قراءتها بمعزل عن النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي الذي توسع داخل البلاد، ولا عن الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران التي أصبحت جزءًا من معادلة القوة العراقية. لكن الإنصاف التاريخي يقتضي ألا نختزل تطور الصناعة الصاروخية الإيرانية كله في فرضية أنها سُرقت من العراق؛ فقد سبقت برامج إيران الصاروخية عام 2003، وتطورت عبر مسارات متعددة. ومع ذلك، فإن وجود أدلة على تهريب معدات صناعية عراقية باتجاه إيران يظل مسألة مستقلة تستوجب الكشف والمحاسبة، ولا يسقط لمجرد أن تاريخ الصواريخ الإيرانية أكثر تعقيدًا من رواية واحدة. إن الدفاع عن الحق العراقي لا يحتاج إلى مبالغة؛ فالوقائع المثبتة وحدها كافية لتكشف حجم الخسارة، وتفرض المطالبة بكشف مصير المعدات التي خرجت من المصانع العراقية.
وإذا كان نهب المعدات يمثل وجهًا من وجوه الاستنزاف، فإن تهريب الأموال والنفط يمثل وجهًا آخر لاستنزاف الاقتصاد العراقي. ففي الثاني من أيلول 2025 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على شبكة شركات وسفن قالت إنها هرّبت النفط الإيراني عبر خلطه بالنفط العراقي وتسويقه على أنه عراقي، وذكرت أن الشبكة حققت مئات الملايين من الدولارات من الإيرادات. وفي السابع من أيار 2026 أعلنت الوزارة إجراءات ضد مسؤول عراقي وشبكات قالت إنها سهّلت تحويل النفط لمصلحة النظام الإيراني والجماعات المسلحة المرتبطة به. هذه اتهامات رسمية محددة تستند إلى قرارات عقوبات معلنة، وهي تكشف أن استغلال النفط العراقي للالتفاف على العقوبات الإيرانية لم يعد مجرد حديث في المجالس، بل أصبح ملفًا اقتصاديًا وأمنيًا مطروحًا على المستوى الدولي، مع بقاء حق الجهات المعنية في الرد على الاتهامات ووجوب فحص الأدلة وفق الإجراءات القانونية.
أيُّ عدالة هذه التي يمتلك فيها العراقي ثروة بلاده على الورق، بينما تتنازع المصالح السياسية والاقتصادية حق التصرف بها؟ وأيُّ سيادة تُرفع شعاراتها في المناسبات، إذا كانت شبكات التهريب قادرة على تحويل النفط إلى مصدر تمويل لجهات خارجية، فيما ينتظر المواطن فرص العمل والخدمات والكهرباء؟ إن المشكلة ليست في وجود تجارة مشروعة بين العراق وإيران؛ فالعلاقات الاقتصادية بين الدول أمر طبيعي ما دامت قائمة على القانون والمصلحة المتبادلة. المشكلة تبدأ عندما تتحول التجارة إلى غطاء للتهريب، وتصبح المؤسسات العامة أدوات لتجاوز العقوبات أو تمويل شبكات النفوذ، ويُترك المال العراقي عرضة للاستنزاف من دون رقابة فعالة. عندها لا يعود الفساد خللًا إداريًا صغيرًا، بل يصبح اعتداءً على حق المواطن في ثروته وعلى قدرة الدولة في اتخاذ قرارها المستقل.
إن العراق الذي خسر منشآته الصناعية لا ينبغي أن يخسر ذاكرته أيضًا. ومن واجب مؤسساته أن تجمع الوثائق المتعلقة بمصير معدات التصنيع العسكري، وأن تتحقق من الشهادات التي تتحدث عن نقل الخبرات والآلات إلى الخارج، وأن تكشف للرأي العام ما أمكن إثباته من أسماء الجهات والأفراد ومسارات الأموال والممتلكات. كما أن واجب الدولة أن تلاحق شبكات تهريب النفط والتحويلات غير المشروعة، وأن تحمي المنافذ الحدودية والقطاع المصرفي من الاستغلال، وأن تجعل القانون نافذًا على الجميع، سواء أكان المتهم صاحب منصب أم صاحب سلاح أم واجهة تجارية. فالدولة التي لا تستطيع حماية أموالها ومصانعها ستجد نفسها مضطرة إلى دفع ثمن ضعفها من قوت المواطن وكرامته.
لقد آن للعراقيين أن يميزوا بين الشعب الإيراني الذي تربطهم به علاقات الجوار والتاريخ، وبين سياسات الدولة الإيرانية وأجهزتها وشبكات النفوذ التي يجب أن تُحاسب على أفعالها المثبتة. فرفض التدخل والتهريب والاستيلاء على الممتلكات لا يعني العداء لشعب كامل، بل يعني التمسك بحق العراق في السيادة والاستقلال. ولا يجوز أن يكون الجوار ذريعة للهيمنة، كما لا يجوز أن يتحول التاريخ المشترك إلى غطاء لتبرير نهب الثروات أو التدخل في القرار الوطني. الصداقة الحقيقية بين الدول لا تُبنى على ضعف طرف وقوة آخر، بل على الاحترام المتبادل، وعدم الاعتداء، والامتناع عن استغلال الأزمات الداخلية لتحقيق مكاسب على حساب الدولة المجاورة.
إن أكثر ما يوجع في حكاية المصانع العراقية أن الخراب لم يكتفِ بإسقاط الجدران، بل كاد يقنع بعض الناس بأن ضياع المقدرات أمر طبيعي، وأن الحديث عن استرداد الحقوق مجرد حنين إلى ماضٍ انتهى. غير أن الأوطان لا تُقاس بما تبقى من مبانيها، بل بما تملكه من إرادة لاستعادة حقها. وكل آلة خرجت من مصنع عراقي من دون وجه حق، وكل دولار هُرّب عبر شبكة غير مشروعة، وكل خبير أُقصي أو تعرض للتهديد، يمثل سؤالًا مؤجلًا في سجل العدالة العراقية. لا يكفي أن نلعن الماضي، بل يجب أن نفتح ملفاته، ولا يكفي أن نتهم، بل يجب أن نثبت ونحاسب، ولا يكفي أن نرفع شعار السيادة، بل يجب أن نحميها من داخل المؤسسات قبل أن نطالب الآخرين باحترامها.
سيبقى العراق أكبر من شبكات التهريب، وأوسع من نفوذ الجماعات المسلحة، وأغنى من أن يُختصر في اقتصاد تابع أو مصانع مهجورة. لكن استعادة مكانته لا تبدأ بالخطابات العالية، بل بكشف الحقيقة كاملة، وملاحقة المتورطين بالأدلة والقانون، واسترداد ما يمكن استرداده من الأموال والمعدات، وإعادة بناء الصناعة على أساس العلم والكفاءة والشفافية. إن الوطن الذي يُنهب ثم يصمت يخسر ثروته مرتين؛ مرة عندما تخرج من يده، ومرة عندما يعتاد فقدانها. أما الوطن الذي يواجه الحقيقة ويحاسب المسؤولين عنها، فإنه يحول الجرح إلى معرفة، والمعرفة إلى قوة، والغضب إلى مشروع وطني يعيد للعراق حقه في أن يكون صاحب قراره وثروته ومستقبله.
#حامد_الضبياني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟