أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .















المزيد.....

ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 14:02
المحور: قضايا ثقافية
    


توجد صورٌ لا تلتقط الوجوه بقدر ما تستنطق الزمن، وتفتح في جدار الذاكرة نافذةً تطل منها أرواحٌ عاشت للفن، وحملت أحلامها فوق خشبةٍ لم تكن يوماً مجرد ألواحٍ وإضاءة، بل مساحةً يتواجه فيها الإنسان مع نفسه، وتتحول فيها الحكايات الصغيرة إلى أسئلةٍ كبيرة عن الحياة والحرية والكرامة. من هذا المعنى يستمد اللقاء الذي جمع الإعلامي حامد الضبياني بالفنان لؤي أحمد والفنان سعد خليفة والفنان خالد جدوع قيمته، فهو لقاءٌ يتجاوز حدود الصورة إلى استعادة ذاكرة المسرح الديالي، بما تحمله من تجارب وعطاءات ووجوهٍ آمنت بأن الفن يستطيع أن يمنح المدينة صوتاً آخر، وأن يقول ما تعجز الحياة اليومية عن قوله. لقد كان المسرح في ديالى أكثر من نشاطٍ ثقافي؛ كان محاولةً لإنقاذ الروح من رتابة الواقع، ونافذةً تطل منها المدينة على ذاتها، ومرآةً تكشف تناقضاتها وأحلامها وانكساراتها، وكان الفنان يدخل الخشبة محمّلاً بتعب الحياة، ثم يحاول أن يحوّل ذلك التعب إلى مشهدٍ يوقظ الوعي ويمنح الجمهور فرصةً للتفكير والضحك والبكاء. غير أن الفن، في مجتمعاتٍ تثقلها الأزمات، يجد نفسه مضطراً إلى خوض معركتين في وقتٍ واحد؛ معركة الإبداع فوق الخشبة، ومعركة البقاء خارجها، حيث تضيق الإمكانات، وتتراجع فرص الإنتاج، ويصبح تأمين أبسط مستلزمات العمل هاجساً يطارد الفنان حتى في أكثر لحظاته إيماناً بموهبته. ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للمسرح الديالي، لا من الستارة التي ترتفع، بل من الأيدي التي ترفعها رغم التعب، ومن الفنان الذي يعود إلى المحاولة حتى عندما لا يجد ما يكفي من أسباب الاستمرار، ومن الإنسان الذي يهب الآخرين لحظةً من الجمال بينما يواجه في حياته أسئلةً مؤجلة عن الاستقرار والعيش والتقدير. إن معاناة الفنان ليست تفصيلاً عابراً في سيرة الثقافة، بل هي جزءٌ من السؤال عن قيمة المجتمع نفسه؛ فالمجتمع الذي يطلب من فنانِه أن يصنع الدهشة، ثم يتركه وحيداً في مواجهة العوز والإهمال، يشبه من يطالب شجرةً بالثمر فيما يحجب عنها الماء. والمسرح لا يستطيع أن يعيش على ذكريات أمجاده، ولا أن يستمد قوته من التصفيق الذي انتهى قبل أعوام، لأن الإبداع يحتاج إلى بيئةٍ تحميه، ومؤسساتٍ تؤمن به، ومهرجاناتٍ تفتح أمامه أبواب المنافسة والتجديد، وجمهورٍ يجد في حضوره ضرورةً ثقافية لا مناسبةً موسمية. وما يثير الأسى أن يصبح آخر مهرجانٍ مسرحي شهدته ديالى، وفق ما يستعيده هذا اللقاء من ذاكرة المشهد المحلي، علامةً على انقطاعٍ يثير القلق؛ فالمهرجان ليس احتفالاً عابراً ينتهي بانطفاء المصابيح، وإنما إعلانٌ عن قدرة المدينة على الحياة، وفرصةٌ لاختبار المواهب، وتبادل الخبرات، واستعادة الصلة بين الفنان وجمهوره. وعندما تتباعد المهرجانات وتغيب المبادرات، لا تخسر الخشبة عروضاً جديدة فحسب، بل تخسر الأجيال فرصة التعلم والمشاركة، وتخسر المدينة جزءاً من قدرتها على التعبير عن نفسها بلغةٍ تتجاوز الشعارات والكلمات المستهلكة. وفي قلب هذه الذاكرة يبرز الفنان لؤي أحمد بما يستحقه من تقديرٍ واحترام، فالفنان الذي يظل وفياً لرسالته الثقافية يسهم في حماية المعنى من التلاشي، ويمنح تجربته الشخصية مكاناً في الذاكرة العامة، ولا تُقاس قيمة عطائه بظهورٍ عابر أو تصفيقٍ مؤقت، بل بما يتركه من أثرٍ في الناس وبما يحمله من إخلاصٍ للمهنة التي اختارها. ويأتي الفنان سعد خليفة ضمن هذه الصورة التي تستعيد وجوه المسرح الديالي وتؤكد أن الثقافة لا تقوم على الأسماء وحدها، وإنما على ما تمنحه هذه الأسماء من جهدٍ وتجربةٍ وإصرار، فالمسرح يحتاج إلى الفنان الذي يدرك أن الشخصية التي يؤديها ليست جسداً يتحرك أمام الجمهور، بل فكرةٌ تتنفس، وموقفٌ يختبر وعي المتلقي، وحكايةٌ قد تجعل الإنسان يعيد النظر في تفاصيل حياته. أما الفنان خالد جدوع، فيمثل حضوره جزءاً من مشهدٍ يستحق أن يُروى بوفاء، لأن الفنان ابن مدينته، يحمل وجعها في ذاكرته، ويستعيد ملامحها في أدائه، ويمنح تفاصيلها اليومية فرصةً كي تتحول إلى فنٍ يقرأه الآخرون بعيونٍ جديدة. إن الثناء على لؤي أحمد وسعد خليفة وخالد جدوع ليس مجاملةً تفرضها مناسبة اللقاء، وإنما اعترافٌ بحق الفنانين الذين يواصلون طريقهم رغم الصعوبات، ويمنحون الثقافة ما يستطيعون من وقتهم وطاقتهم، في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة أسرع من التجربة، والضجيج أعلى من قيمة العمل، والصورة أحياناً أكثر حضوراً من المضمون. هؤلاء الفنانون يستحقون أن يُنظر إليهم بوصفهم جزءاً من ذاكرة ديالى الحية، لا أسماءً تُستعاد عند المناسبات ثم تُترك في صمتها، لأن الوفاء الحقيقي للفنان لا يتحقق بكلمات الثناء وحدها، بل بإيجاد الفرص التي تتيح له العمل والاستمرار، وبحماية المسرح من أن يتحول إلى ذكرى جميلة في أحاديث الماضي. وفي هذا السياق، تتجلى أهمية حضور الإعلامي حامد الضبياني في لقاءٍ يستعيد هذه الوجوه، فالكلمة التي تنحاز إلى الثقافة لا تكتفي بتسجيل اللحظة، وإنما تحاول أن تمنحها امتداداً في الوعي، وأن تنقذ التجارب الإنسانية من النسيان الذي يبتلع كثيراً من حكايات المبدعين. فالإعلام الثقافي مسؤوليةٌ تتجاوز نقل الأخبار إلى اكتشاف القيمة الكامنة خلفها، وإلى إعادة الاعتبار للفنان الذي يعمل بعيداً عن الأضواء، وللمدينة التي تحتاج إلى من يروي حكايتها بصدق، وللذاكرة التي لا ينبغي أن تُترك رهينة الصدفة. إن اللقاء الذي جمع هذه الوجوه يذكّرنا بأن الثقافة تبدأ من الإنسان، وأن المسرح مهما امتلك من تجهيزاتٍ يبقى بلا روحٍ إذا غاب الفنان، وأن المدينة مهما اتسعت شوارعها وأبنيتها تظل فقيرةً إذا ضاقت مساحاتها أمام الإبداع. ديالى تستحق مسرحاً يليق بتاريخها وطاقاتها، وتستحق مهرجاناتٍ منتظمةً تعيد الحياة إلى المشهد الفني، وتستحق مؤسساتٍ تنظر إلى الثقافة بوصفها حاجةً أساسية لبناء الإنسان، لا بنداً يمكن تأجيله كلما ازدحمت الأولويات. كما أن المسرح العراقي بأكمله يحتاج إلى مراجعةٍ جادة تعيد للفنان مكانته، وتمنح الفرق المسرحية فرصاً حقيقية للإنتاج، وتدعم المواهب الشابة، وتؤسس لاستمرار التجارب بدلاً من تركها معلقةً بين الحماس الأول وخيبة الانتظار. فالفن لا يطلب امتيازاً فوق حق المجتمع، بل يطلب أن يكون شريكاً في بناء الوعي، وأن يجد ما يساعده على أداء رسالته، وأن يحصل الفنان على الحد الأدنى من الاحترام الذي يجعل موهبته قادرةً على النمو والاستمرار. إن الخشبة التي تنطفئ في مدينةٍ ما لا تفقد ضوءها وحدها، بل تفقد المدينة معها مساحةً للحوار، ومرآةً ترى فيها تناقضاتها، وصوتاً يستطيع أن يحوّل الصمت إلى سؤال. ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول الحسرة على ما مضى إلى استسلامٍ لما هو قائم؛ فما دامت هناك ذاكرةٌ تحفظ التجارب، وفنانون يؤمنون برسالتهم، وأقلامٌ تكتب عنهم، فإن الباب لا يزال مفتوحاً لاستعادة الحياة. ستبقى صورة حامد الضبياني مع لؤي أحمد وسعد خليفة وخالد جدوع أكثر من لقاءٍ عابر؛ إنها تذكيرٌ بأن وراء كل وجهٍ حكايةً تستحق الإنصات، ووراء كل تجربةٍ زمناً من الكفاح، ووراء كل خشبةٍ صامتة حلماً ينتظر من يعيد إليه صوته. ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لهؤلاء الفنانين هو أن نجعل من هذا التقدير بدايةً لسؤالٍ جاد عن مستقبل المسرح في ديالى، وأن نطالب بعودة المهرجانات، وتوفير الدعم، وفتح الأبواب أمام الطاقات التي لم تفقد إيمانها بالجمال. فالمسرح لا يموت لمجرد أن الستار أُسدل، وإنما يبدأ غيابه الحقيقي عندما يعتاد الناس عتمته، وعندما يصبح الصمت أمراً طبيعياً لا يستدعي السؤال. أما ديالى التي ما زالت تحتفظ في ذاكرتها بأسماء فنانيها وتجاربهم، فإنها تستحق أن ترى خشبتها مضاءةً من جديد، وأن يعود جمهورها إلى مقاعده، وأن يجد فنانوها في مدينتهم فضاءً يليق بأحلامهم وتضحياتهم؛ فالفن ليس زينةً على هامش الحياة، بل إحدى الطرق التي يحمي بها الإنسان إنسانيته، وحين تستعيد ديالى مسرحها، فإنها لا تستعيد عروضاً غائبة فحسب، بل تستعيد جزءاً من روحها التي تستحق أن تبقى حيّة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.
- هل نحن ضحايا أم شركاء في صناعة الخيبة؟
- وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.
- يا مهدي، ماذا تنتظر؟
- الحرب التي تتجاوز أصحابها.
- حروف حب ميت .
- إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.
- سقوط القناع
- ارحموا أنفسكم قبل أن تصل النار إلى العراق.
- الحقيقة المرة .
- الإنسان الحديث... يملك ألف صديق ولا يجد واحدًا عندما يحتاجه. ...
- من يضع يده على زرّ العراق؟ ‏
- مَاذَا سَيَكْتُبُ التَّارِيخُ عَنِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَلْفِ ...
- المادة السابعة عشرة... عندما يتحول التعويض إلى امتياز ويصبح ...
- إن كنتم لا تستطيعون تنفيذ قراراتكم... فارحلوا! المتقاعد يموت ...
- كاتب قبل اسمه دال.. وهو زمال .
- تشرين... الثورة التي أخافت الجبناء بعد أن فجّرها الشجعان .
- الفنان الذي يحمل الوطن لا الطائفة .


المزيد.....




- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية من طراز -كاريال- ...
- -عدوى فرنسية-.. أحداث شغب ونهب بمدينة ميلانو الإيطالية تسفر ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 87 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو م ...
- روبيو يبرر تعليق العقوبات على روسيا: الديزل سيباع بطريقة أو ...
- روبيو: لا علاقة للبيت الأبيض بتقييد عمل -ستارلينك- في أوكران ...
- احتجاجات فرنسا: حريق يُدمر بلدية ليموج
- تنظيم الدولة يعلن قتل 21 عسكريا بهجوم على قاعدة للجيش في نيج ...
- بعد 65 عاما.. الشرطة الأمريكية تحل لغز جريمة قتل وهوية القات ...
- معرض باريس للسيارات يشعل المشهد العالمي بموجة من الطرازات ال ...
- عاجل | وزير الخارجية الأمريكي: طالبنا إسرائيل باتخاذ إجراءات ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .