أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .














المزيد.....

وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 17:51
المحور: قضايا ثقافية
    


تبلغ الأوطان ذروة انكسارها عندما يصبح الانحطاط معيارًا للحكم، والرداءة طريقًا إلى المناصب، وتتحول السلطة من مسؤولية لحماية الناس إلى وسيلة لحماية مصالح أصحابها. وفي العراق، البلد الذي علّم العالم الحرف، تبدو المفارقة جارحة؛ أرضٌ صنعت للحضارة ذاكرة، يقف أبناؤها اليوم أمام مشهد تتقدم فيه المصالح على الحقوق، والمناصب على الواجبات، والامتيازات على كرامة المواطن. ليست المأساة أن يتعثر بلد عظيم، بل أن يصبح الانحطاط بديلًا عن القوانين، وأن يُكافأ من يجيد البقاء في السلطة أكثر ممن يجيد خدمة الوطن.حين تتحول السياسة إلى سوق للمصالح، يصبح المنصب صفقة، والمواطن رقمًا انتخابيًا، والمال العام غنيمة تتوزعها شبكات النفوذ. يتقدم المطيع ويتراجع الكفء، ويُحاصر صاحب الرأي، بينما يرتفع صوت المتملق كلما انخفض صوت الحقيقة. عندها لا يكتفي الفساد بسرقة الأموال، بل يسرق معايير العدالة نفسها، حتى يبدو الفشل نجاحًا إذا حظي بالحماية، وتصبح الكفاءة عبئًا لأنها تكشف عيوب الذين اعتادوا إدارة البلاد بمنطق الولاء لا بمنطق الإنجاز.وتتجلى هذه المفارقة في مجلس النواب، الذي استُنزف الوقت والجهد في إكمال الكابينة الوزارية وتوزيع المناصب، وكأن اكتمال الحكومة نهاية المسؤولية، لا بدايتها. ماذا عن الموازنة؟ وماذا عن مستحقات المواطنين والموظفين والخدمات التي تنتظرها المدن؟ هل يُعقل أن تُنجز مفاوضات المناصب، ثم تُترك حقوق الناس معلقة إلى السنة المقبلة، فيما الرواتب والامتيازات محفوظة لأصحاب القرار؟ لقد انتخب الشعب ممثليه ليعملوا من أجله، لا ليكون هو آخر اهتماماتهم بعد أن يحصل كل طرف على حصته من السلطة.والسؤال الأكثر إيلامًا: أيحق للمسؤول أن يتمتع بامتيازاته، ويغادر واجبه، بينما يعيش المواطن تحت ضغط الغلاء والبطالة وتأخر المستحقات؟ الإجازة حق مشروع، لكن المسؤولية لا تصبح إجازة مفتوحة، ولا يجوز أن يتحول غياب المسؤول عن واجبه إلى أمر عادي في بلد تتراكم فيه الأزمات. وحين ينشغل بعض أصحاب القرار بالسفر والجزر والملاهي وألعاب الزهر والدمبلة، بينما ينتظر الناس موازنة تحرك مصالحهم وتؤمّن حقوقهم، تبدو الصورة وكأن العراق يحترق، فيما ينشغل بعض القائمين على إطفاء ناره بتوزيع أوقات اللهو. ليست المشكلة في الراحة ذاتها، بل في أن يجد المسؤول وقتًا لامتيازاته ولا يجد الوقت الكافي لواجباته.ومن يحمل جنسية أخرى لا يُدان لمجرد حملها، لكن المسؤولية الوطنية تُختبر عندما تتعارض المصلحة الشخصية مع مصلحة البلد. فهل يبقى العراق أولوية لدى من يتولى القرار، أم يصبح وطنًا يعود إليه عند الرغبة ويغادره عند اشتداد الأزمات؟ إن العراقي الذي لا يملك سوى وطنه لا يستحق أن يُترك وحيدًا أمام الفقر والانتظار، بينما يتمتع بعض ممثليه بخيارات لا تتوافر له. الوطنية ليست شعارًا يُرفع أمام الكاميرات؛ إنها موقف يظهر عندما يحتاج الشعب إلى من يدافع عن حقوقه، لا إلى من يكتفي بالحديث باسمه.ولأن السخرية قد تختصر ما تعجز عنه الخطب، أقول في بيت من صياغتي:
إذا كان راعي القوم ذئبًا بماله
فكيف يُرجى للقطيع أمانُ؟
إن أخطر ما يصيب الدولة أن يصبح الفساد ثقافة، والانحطاط بديلًا عن القوانين، والولاء بديلًا عن الكفاءة، والصمت ثمنًا للنجاة. تبدأ الحكاية باستثناء صغير، ثم تتسع حتى يصبح القانون ضعيفًا أمام النفوذ، والحق متأخرًا أمام المصالح، والمواطن غريبًا في مؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمته. وحين يُطلب من الشعب الصبر باستمرار، من دون أن يرى مقابل ذلك عملًا حقيقيًا، يتحول الصبر من فضيلة إلى عبء، ومن أمل إلى خيبة متجددة.العراق ليس ملكًا لحزب أو مسؤول أو مجموعة تتقاسم المناصب والثروات؛ إنه وطن أكبر من عروشهم، وأبقى من سلطتهم، وأغلى من امتيازاتهم. ولا تُقاس هيبة الدولة بعدد الوزراء والنواب، بل بقدرتها على حماية القانون، وإقرار الموازنة، وصرف المستحقات، ومحاسبة المقصرين، وضمان أن يكون المسؤول خادمًا للمصلحة العامة لا سيدًا فوق المساءلة. إن اكتمال الكابينة الوزارية لا يعني شيئًا إذا بقيت حياة المواطن ناقصة، ولا قيمة للحديث عن السيادة إذا عجزت الدولة عن صيانة كرامة أبنائها.سيبقى العراق أكبر من كل من يتعامل معه بوصفه غنيمة، لكن عظمته لا تعفي أحدًا من الحساب. فالتاريخ لا يسأل المسؤول كم منصبًا شغل، ولا كم امتيازًا حصل عليه، بل ماذا فعل عندما كان الوطن ينتظر، وأين كان عندما احتاجه الشعب. والعراق الذي علّم العالم الحرف لا يحتاج إلى من يتغنى بأمجاده القديمة، بل إلى من يكتب بعمله حاضرًا يستحق تلك الأمجاد؛ لأن الوطن الذي يملك تاريخًا عظيمًا لا ينبغي أن يُترك لمستقبل تصنعه المصالح، وتحرسه الامتيازات، ويدفع الشعب ثمنه من أعصابه وأرزاقه وأحلامه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذاكرة المسرح الديالي.. وجوهٌ قاومت انطفاء الخشبة .
- وطنٌ مختطف وسيادةٌ منكسرة: العراق في قبضة السلطة والسلاح.
- العراق لا يُنقذ بالاستجداء بل باستعادة الدولة.
- الجسد الذي تخشاه السلطة أكثر من الحقيقة.
- هل نحن ضحايا أم شركاء في صناعة الخيبة؟
- وزارة الدفاع وامتحان النزاهة.
- يا مهدي، ماذا تنتظر؟
- الحرب التي تتجاوز أصحابها.
- حروف حب ميت .
- إلغاء القبض على الشعب لأنه هو الفاسد.
- سقوط القناع
- ارحموا أنفسكم قبل أن تصل النار إلى العراق.
- الحقيقة المرة .
- الإنسان الحديث... يملك ألف صديق ولا يجد واحدًا عندما يحتاجه. ...
- من يضع يده على زرّ العراق؟ ‏
- مَاذَا سَيَكْتُبُ التَّارِيخُ عَنِ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَلْفِ ...
- المادة السابعة عشرة... عندما يتحول التعويض إلى امتياز ويصبح ...
- إن كنتم لا تستطيعون تنفيذ قراراتكم... فارحلوا! المتقاعد يموت ...
- كاتب قبل اسمه دال.. وهو زمال .
- تشرين... الثورة التي أخافت الجبناء بعد أن فجّرها الشجعان .


المزيد.....




- الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية من طراز -كاريال- ...
- -عدوى فرنسية-.. أحداث شغب ونهب بمدينة ميلانو الإيطالية تسفر ...
- الدفاعات الجوية الروسية تسقط 87 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو م ...
- روبيو يبرر تعليق العقوبات على روسيا: الديزل سيباع بطريقة أو ...
- روبيو: لا علاقة للبيت الأبيض بتقييد عمل -ستارلينك- في أوكران ...
- احتجاجات فرنسا: حريق يُدمر بلدية ليموج
- تنظيم الدولة يعلن قتل 21 عسكريا بهجوم على قاعدة للجيش في نيج ...
- بعد 65 عاما.. الشرطة الأمريكية تحل لغز جريمة قتل وهوية القات ...
- معرض باريس للسيارات يشعل المشهد العالمي بموجة من الطرازات ال ...
- عاجل | وزير الخارجية الأمريكي: طالبنا إسرائيل باتخاذ إجراءات ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وطنٌ يحترق وحكّامٌ يتقاسمون الرماد .