أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الثقافة الشفهية و فعالية الحكومة: حين تصبح المعلومة المنقولة بديلاً عن التحقق و النص الرسمي – مقال رأي














المزيد.....

الثقافة الشفهية و فعالية الحكومة: حين تصبح المعلومة المنقولة بديلاً عن التحقق و النص الرسمي – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 10:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من المشكلات التي يمكن ملاحظتها في بعض البيئات الإدارية أن المعلومة لا تصل دائماً من مصدرها الأصلي، بل تنتقل من شخص إلى آخر حتى تكتسب مع الوقت قوة لا تستمدها من دقتها، بل من كثرة تداولها. تسمع عبارات من قبيل: "هناك تعليمات جديدة"، أو "الإدارة تريد هذا الإجراء"، أو "قيل إن القانون يفرض ذلك"، ثم يبدأ التعامل معها وكأنها نص نهائي، من دون أن يسأل أحد: أين المصدر؟ وما رقم الكتاب؟ وهل هذه المعلومة ما تزال نافذة أصلاً؟
التواصل الشفهي بحد ذاته ليس مشكلة، بل هو ضرورة في أي مؤسسة. الاجتماعات و الاتصالات و النقاشات اليومية تختصر الوقت و تساعد على إنجاز العمل. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشفاهية من وسيلة مساندة إلى مصدر بديل للقرار، وحين يصبح المنقول عن القانون أو عن المسؤول أكثر حضوراً من النص نفسه.
في هذه الحالة، يمكن للمعلومة أن تتغير تدريجياً أثناء انتقالها بين المستويات الإدارية. قد يبدأ الأمر بملاحظة عابرة من مسؤول، ثم ينقلها مدير بصياغة أكثر حدة، ويختصرها موظف آخر، حتى تصل في النهاية على شكل «تعليمات واجبة التنفيذ» لم تصدر بهذه الصيغة أصلاً. وهنا لا يعود الخلل مجرد سوء فهم، بل قد يتحول إلى ممارسة إدارية كاملة قائمة على معلومة غير متحقق منها.
و عندما تترسخ هذه الثقافة، فإن تأثيرها لا يبقى محصوراً في تفسير التعليمات و الإجراءات، بل ينتقل إلى تقييم الأشخاص أيضاً. فقد تتكون لدى إدارة ما صورة سلبية عن موظف لأنها سمعت أنه غير مناسب، أو كثير الاعتراض، أو يسبب اضطراباً في العمل، أو أنه ارتكب خطأً إدارياً. وربما تتكرر هذه الرواية أكثر من مرة حتى تتحول إلى انطباع ثابت، من دون مراجعة الوقائع أو التحقق من وجود مخالفة موثقة، وأحياناً من دون الاستماع إلى الموظف نفسه.
هذه المسألة أخطر من مجرد تداول معلومة غير دقيقة، لأنها تمس السمعة المهنية للفرد داخل المؤسسة. فقد يؤثر ذلك الانطباع في توزيع المسؤوليات أو الترشيح للجان أو فرص الترقية أو درجة الثقة التي تمنحها الإدارة له. وفي بعض الحالات قد يجد الموظف أن موقعه داخل المؤسسة تغير، لكنه لا يعرف السبب، لأن ما أثر في موقف الإدارة لم يكن قراراً مكتوباً أو تقييماً معلناً، بل كلاماً انتقل من شخص إلى آخر حتى تحول عملياً إلى حكم إداري.
هنا تظهر إحدى أهم مشكلات الثقافة الشفهية، وهي أنها تضعف قابلية القرار للمراجعة. فالوثيقة يمكن الرجوع إليها و مناقشتها و الاعتراض عليها، أما الانطباع المنقول فلا يملك حدوداً واضحة. وعندما يقع الخطأ تبدأ العبارات المألوفة: "هكذا وصلتنا"، أو "هذا ما فهمناه"، أو "قيل لنا"، فيصبح من الصعب تحديد مصدر القرار و المسؤول عنه.
و يمكن وضع هذه الإشكالية ضمن صورة أوسع تتعلق بفعالية الإدارة العامة. فبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2024، حصل العراق على 29.9 نقطة من 100 في مؤشر فعالية الحكومة، مقابل 49.5 لمصر، و 55.5 للأردن، و 46.7 لتونس. ولا يعني ذلك بالطبع أن الثقافة الشفهية هي سبب هذه الفجوة، فالمؤشر يقيس مجموعة واسعة من عناصر جودة الخدمات العامة و كفاءة الإدارة و تنفيذ السياسات، لكنه يوضح أن تحسين الممارسة الإدارية، و من بينها وضوح مصدر القرار و قابلية التحقق منه، يبقى جزءاً مهماً من مسار الإصلاح المؤسسي.
كما أن الإدارة الجيدة لا تحتاج إلى تحويل كل حديث إلى كتاب رسمي، لكنها تحتاج إلى التمييز بين الحديث اليومي وبين المعلومة التي سيترتب عليها قرار أو حق أو عقوبة أو تقييم مهني. فإذا كان الأمر يتعلق بقانون أو تعليمات أو صلاحية أو إجراء مالي، فمن الطبيعي الرجوع إلى النص الأصلي. وإذا كان يتعلق بموظف و تقييم سلوكه أو أدائه، فمن الضروري الاعتماد على وقائع واضحة و موثقة، لا على السمعة المنقولة أو الانطباع المتراكم.
و حتى مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة، لم تختف هذه المشكلة. فقد تحل صورة كتاب رسمي في مجموعة هاتف محل الكلام الشفهي، لكنها قد تكون قديمة أو ناقصة أو مجتزأة من سياقها. سرعة تداول المعلومات اليوم سهّلت الوصول إليها، لكنها لم تُلغِ الحاجة إلى التحقق من مصدرها و تاريخها و مدى استمرار العمل بها.
الإدارة الحديثة لا تقوم على انعدام الثقة، بل على بناء الثقة من خلال الوضوح و إمكانية الرجوع إلى المصدر. الأشخاص يتغيرون، و الذاكرة تخطئ، و الانطباعات تتبدل، أما المؤسسة فتحتاج إلى قواعد و وثائق و إجراءات تحفظ استقرار القرار و تقلل أثر التفسيرات الشخصية و الروايات غير الموثقة.
برأيي المتواضع فإن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص الكتب الرسمية بقدر ما يكمن في ضعف ثقافة التحقق. المطلوب ليس التشكيك بكل ما يقال داخل المؤسسة، بل عدم تحويل الكلام المنقول إلى أساس لقرار مهم من دون الرجوع إلى مصدره. و الانتقال من ثقافة "قيل لنا" و "سمعنا" إلى ثقافة "تحققنا من المصدر" لا يمثل تعقيداً بيروقراطياً، بل خطوة ضرورية نحو إدارة أكثر عدلاً و مهنية. وربما تكون القاعدة الأبسط هنا هي الأكثر أهمية: لا تجعل ما سمعته أساساً لقرار تستطيع التحقق من أسبابه و مصدره.



#عمار_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلاسل الفساد: حين يصبح تعاقب المسؤولين آلية للتستر لا للمحاس ...
- الدولة و حياد المؤسسات: من احترام الإيمان إلى حماية القرار ا ...
- الجامعات العراقية بين حرية الباحث الأكاديمية و سلطة المؤسسة ...
- صعود الدولار و ارتفاع الأسعار في العراق: بين الضغوط الخارجية ...
- قراءة في هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الضغوط الداخلية و الاقل ...
- مؤشر مخاطر النزاهة البحثية في الجامعات العراقية: قراءة في ال ...
- الثقة المفقودة في المصارف العراقية: لماذا تبقى أموال المواطن ...
- حقوق المرأة و ملكية المال في العراق و مصر: من إرث الحضارة إل ...
- كيف تعيد المؤسسة إنتاج مشكلاتها؟ قراءة في ضعف مستويات الإدار ...
- العقوبات الأمريكية و مستقبل النظام في إيران: بين الإنهاك الا ...
- الجامعات العراقية و التصنيفات العالمية: هل نقيس الجودة أم نط ...
- من يفسد المسؤول؟ قراءة في دور الحاشية و شبكات المصالح داخل ا ...
- الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و ...
- حذف الأصفار من الدينار العراقي: إصلاح نقدي أم تغيير شكلي؟ قر ...
- في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة ...
- جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاق ...
- النساء المعيلات: بين الحماية القانونية و الاستيعاب الاجتماعي ...
- حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البدا ...
- وزارة التربية و تنظيم معاهد التقوية في العراق: فرصة لحماية ا ...
- حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق ...


المزيد.....




- بصورة له وهو طفل ورسالة بخط اليد.. محمد بن زايد يهنئ المعلمي ...
- -سنة الرحمة- في الذاكرة العربية
- هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة المستقبل؟ روبوتات تتوقع فائ ...
- -وول ستريت جورنال-: -الطيران العماني- تكتم على توجهات مساعد ...
- هيغسيث لا يستبعد نقل قوات من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية
- حفيد ديغول: نريد رئيسا لفرنسا بمواصفات بوتين
- من 20 إلى 169 مليار دولار.. الدين الخارجي لأوكرانيا يقفز 8 م ...
- -وول ستريت جورنال-: مساعد طيار -فلاي دبي- سافر سابقا إلى إسر ...
- أزمة السكن الحادة في أمريكا ستؤثر على الانتخابات
- ما سبب تفاقم الصراعات في العالم؟


المزيد.....

- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الثقافة الشفهية و فعالية الحكومة: حين تصبح المعلومة المنقولة بديلاً عن التحقق و النص الرسمي – مقال رأي