أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - العقوبات الأمريكية و مستقبل النظام في إيران: بين الإنهاك الاقتصادي و إطالة عمر الأزمة – مقال رأي














المزيد.....

العقوبات الأمريكية و مستقبل النظام في إيران: بين الإنهاك الاقتصادي و إطالة عمر الأزمة – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 11:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تعد العقوبات الأمريكية على إيران مجرد أداة ضغط اقتصادي مرتبطة بالملف النووي، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف مصادر التمويل و تجارة النفط و شبكات التحويل المالي و الشحن و المؤسسات المرتبطة بالحرس الثوري. وفي 24 آب 2026 أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية حملة جديدة تحت اسم “Operation Economic Outcast”، استهدفت توسيع الضغط على الشبكات المالية و التجارية التي تسمح لطهران بالحصول على العملات الصعبة و الالتفاف على القيود الدولية. هذه المرحلة الجديدة تطرح سؤالاً يتجاوز تأثير العقوبات نفسها: هل يمكن للإنهاك الاقتصادي أن يهدد بقاء النظام في إيران، أم أنه سيؤدي فقط إلى إطالة أزمة أصبحت جزءاً من بنية الدولة و المجتمع؟
الأرقام توضح حجم الضغوط. صندوق النقد الدولي يتوقع انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 6.1% خلال 2026، مع تضخم متوسط يقارب 68.9%. أما البيانات الإيرانية التي نُقلت في يوليو-تموز فتشير إلى تضخم سنوي بلغ نحو 66%، في حين تجاوز ارتفاع أسعار الغذاء 120%. ومع تضرر البنية التحتية و اضطراب التجارة و تراجع العملة، أصبحت الأجور تفقد قيمتها بسرعة، و باتت الطبقة الوسطى أكثر هشاشة، بينما تتسع الفجوة بين الدخول و تكاليف المعيشة.
العقوبات النفطية تبقى الأكثر حساسية، لأن النفط يوفر للدولة جزءاً مهماً من العملات الأجنبية. وتشير تقديرات حديثة إلى أن صادرات النفط الإيرانية هبطت في آب إلى قرابة 250 ألف برميل يومياً، أي بانخفاض يقارب 85% عن مستويات ما قبل الحرب. كما أصبحت عمليات البيع أكثر تعقيداً بسبب العقوبات على الناقلات و الشركات الوسيطة و شبكات التمويل. وحتى الصين، التي كانت السوق الرئيسية للنفط الإيراني، شهدت مشترياتها تراجعاً واضحاً مع انتقال بعض المصافي المستقلة إلى خامات بديلة من العراق و قطر و الإمارات.
لكن الاقتصاد المنهك لا يعني بالضرورة نظاماً على وشك السقوط. التجربة الإيرانية نفسها تؤكد أن الأنظمة التي تعيش تحت العقوبات لفترات طويلة تطور وسائل للتكيف معها، سواء عبر التجارة غير الرسمية أو الشركات الواجهة أو شبكات الصرافة و التهريب أو الاعتماد على شركاء لا يلتزمون بالكامل بالعقوبات الأمريكية. والمفارقة أن استمرار العقوبات قد يضعف القطاع الخاص و الطبقة الوسطى أكثر مما يضعف المؤسسات المرتبطة بالدولة، لأن الجهات الأقرب إلى مراكز القوة تكون عادة أكثر قدرة على الوصول إلى العملات و العقود و شبكات التجارة البديلة.
لهذا فإن العلاقة بين الأزمة الاقتصادية و الاستقرار السياسي ليست مباشرة. المواطن الذي يواجه تضخماً مرتفعاً و تراجعاً في مستوى المعيشة قد يتحول إلى مصدر ضغط سياسي، لكن هذا الضغط لا يصبح تهديداً وجودياً للنظام إلا عندما يتزامن مع انقسام داخل النخبة الحاكمة، و ضعف واضح في أجهزة الدولة، و وجود بديل سياسي منظم يستطيع تحويل الاحتجاج الاجتماعي إلى مشروع سياسي. حتى الآن، تبدو المعارضة الإيرانية متعددة الاتجاهات و غير موحدة، كما أن محاولات بناء قيادة بديلة في الخارج لم تتحول إلى مركز قادر على تمثيل مختلف شرائح المجتمع الإيراني.
العامل الآخر هو بنية السلطة نفسها. انتقال موقع المرشد الأعلى من علي خامنئي إلى مجتبى خامنئي بعد أحداث 2026 لم يؤد إلى تفكك سريع في مؤسسات الدولة، بل ظهر ميل أكبر إلى الاعتماد على الشخصيات الأمنية و العسكرية في إدارة مرحلة الأزمة. وهذا يعكس قدرة النظام على إعادة ترتيب مراكز القوة في الظروف الاستثنائية، لكنه لا يعني أن هذه القدرة غير محدودة. فكلما تقلصت الموارد المالية، ازدادت صعوبة تمويل المؤسسات و دعم السلع و الحفاظ على الخدمات و إعادة بناء ما تضرر، و أصبحت الدولة أمام منافسة أكثر قسوة على توزيع موارد أقل.
في المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة نفسها أمام خيار اقتصادي بلا تكلفة. تشديد العقوبات على كل من يتعامل مع إيران يمكن أن يصطدم بمصالح الصين و دول إقليمية و شبكات تجارية واسعة، كما أن الضغط المفرط على صادرات الطاقة و مضيق هرمز قد يرفع أسعار النفط و يضيف ضغوطاً تضخمية على الاقتصاد العالمي. لذلك فإن أقصى درجات الضغط الاقتصادي قد تحمل معها حدودها الخاصة، خصوصاً عندما تتحول العقوبات من وسيلة لإجبار الخصم على التفاوض إلى عملية حصار طويلة لا تنتج تسوية سياسية.
المستقبل الإيراني، لذلك، لا يبدو محصوراً بين بقاء النظام و سقوطه بصورة مفاجئة. السيناريو الأكثر واقعية قد يكون استمرار حالة الإنهاك: اقتصاد أضعف، مجتمع أكثر توتراً، دولة أكثر اعتماداً على الأجهزة الأمنية، و مفاوضات متقطعة تستخدم فيها العقوبات و النفط و مضيق هرمز كأوراق ضغط. وقد يؤدي اتفاق سياسي واسع إلى تخفيف هذه الحلقة، بينما قد يدفع استمرار التصعيد إلى أزمة أعمق يصعب التحكم بنتائجها.
برأيي المتواضع فإن العقوبات الأمريكية قادرة على إضعاف الاقتصاد الإيراني و تقليص قدرة النظام على الحركة و التمويل، لكنها وحدها لا تكفي لإحداث تغيير سياسي مستدام. فالتاريخ يبين أن الضغط الخارجي قد ينهك الدول من دون أن يعيد بناء أنظمتها السياسية. مستقبل النظام في إيران سيُحسم بدرجة أكبر داخل إيران نفسها: بقدرة مؤسساتها على الاستمرار، و مستوى قبول المجتمع، و شكل الصراع داخل النخبة، و وجود بديل سياسي قابل للحياة. أما العقوبات، مهما بلغت قوتها، فستبقى عاملاً مهماً في المعادلة، لكنها ليست المعادلة كلها.



#عمار_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجامعات العراقية و التصنيفات العالمية: هل نقيس الجودة أم نط ...
- من يفسد المسؤول؟ قراءة في دور الحاشية و شبكات المصالح داخل ا ...
- الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و ...
- حذف الأصفار من الدينار العراقي: إصلاح نقدي أم تغيير شكلي؟ قر ...
- في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة ...
- جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاق ...
- النساء المعيلات: بين الحماية القانونية و الاستيعاب الاجتماعي ...
- حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البدا ...
- وزارة التربية و تنظيم معاهد التقوية في العراق: فرصة لحماية ا ...
- حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق ...
- كرة الثلج العراقية في مكافحة الفساد: من سقوط الكبار و الانته ...
- عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إ ...
- إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسما ...
- تمكين المرأة في العراق و مصر و تونس: بين القانون و الاقتصاد ...
- التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - ...
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...
- المرأة و اللجوء: حين لا يبقى من الوطن سوى الخوف - مقال رأي-


المزيد.....




- -أنا المريض-.. وعكة صحية تُجبر طيار -دلتا- على الهبوط بالطائ ...
- ماذا يقول العلماء عمّا سبب الفيضانات بين نيبال والصين؟ إليكم ...
- تحب المظهر -المصطنع-.. دوللي بارتن وهوية رفضت الالتزام بقواع ...
- كاميرا توثق لحظة محاولة تهريب مخدرات إلى سجن بطريقة غير معتا ...
- السفير الأمريكي: اللبنانيون متفقون على تسليم سلاح حزب الله و ...
- فيضانات نيبال المدمرة.. هل تغير المناخ سبب الكارثة؟
- تقرير إسرائيلي: مصر قد تمتلك صواريخ -إس 400- الروسية عبر صفق ...
- إنجاز أول عملية جراحية في العالم لاستئصال ورم بمساعدة مباشرة ...
- موسكو: استقبال الأسد على أراضي روسيا تم لأسباب إنسانية بحتة ...
- تحقيقات في انفجار سيارة في سان بطرسبورغ


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - العقوبات الأمريكية و مستقبل النظام في إيران: بين الإنهاك الاقتصادي و إطالة عمر الأزمة – مقال رأي