أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - كيف تعيد المؤسسة إنتاج مشكلاتها؟ قراءة في ضعف مستويات الإدارة و ثقافة ترحيل الأزمات – مقال رأي














المزيد.....

كيف تعيد المؤسسة إنتاج مشكلاتها؟ قراءة في ضعف مستويات الإدارة و ثقافة ترحيل الأزمات – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 20:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في مساء 28 آب 2026، أجرى وزير الصحة عبد الحسين الموسوي زيارة مفاجئة إلى مدينة الإمامين الكاظمين الطبية في بغداد. استمع إلى شكاوى المرضى و المراجعين، و اطلع على الواقع الخدمي، ثم قرر إعفاء مدير المدينة الطبية و تكليف الوكيل الإداري للوزارة بإدارتها مؤقتاً، مع توجيه بعقد اجتماع عاجل مع الشركة المسؤولة عن ترميم ردهات الطوارئ. الخبر بحد ذاته قد يبدو إجراءً إدارياً اعتيادياً، لكن المشكلة تبدأ عندما نعود أربع سنوات فقط إلى الوراء. ففي تشرين الثاني 2022 زار رئيس الوزراء محمد شياع السوداني المستشفى نفسه بصورة مفاجئة، و وجد غياباً في بعض الملاكات، و مرضى يشترون العلاج من خارج المستشفى، و خللاً بين ما هو مثبت في السجلات و ما يجري فعلياً. يومها اتخذت إجراءات و صدرت توجيهات، ثم مر الزمن، لنعود إلى المكان نفسه و نسمع مرة أخرى عن أوجه خلل تحتاج إلى تدخل من أعلى مستوى.
مستشفى الكاظمية هنا ليس موضوع المقال بقدر ما هو نموذج. فالقضية موجودة بدرجات مختلفة في مؤسسات عراقية كثيرة: مدير قسم يعرف المشكلة، و مدير دائرة يعرفها، و مدير عام يعرفها، و وكيل وزارة قد يعرفها، ثم يصل الوزير أو رئيس المؤسسة ليكتشفها في زيارة مفاجئة. السؤال المنطقي هو: ماذا تفعل كل هذه المستويات الإدارية إذا كانت المشكلة لا تصبح مشكلة رسمية إلا عندما يراها المسؤول الأعلى بعينيه؟
الإدارة ليست سلسلة من المناصب، بل سلسلة من المسؤوليات. وظيفة المستوى الإداري الأدنى أن يكتشف الخلل مبكراً و يعالجه أو يرفعه إلى المستوى الأعلى إذا تجاوز صلاحياته. و وظيفة المستوى الأعلى أن يراقب الأداء و يقيس النتائج و يتدخل قبل تحول الخلل إلى أزمة. عندما تفشل هذه السلسلة، تصبح المؤسسة قادرة على الاستمرار شكلياً، لكنها تعيد إنتاج المشكلات نفسها. يتغير المدير، و تتغير الكتب الرسمية، و تعقد الاجتماعات، لكن أصل المشكلة يبقى في مكانه.
السبب الآخر هو ثقافة إدارية أصبحت تقيس الإنجاز بالنشاط لا بالنتيجة. زيارة ميدانية تعد إنجازاً، و تشكيل لجنة يعد إنجازاً، و عقد اجتماع يعد إنجازاً، و إطلاق حملة يعد إنجازاً. لكن المواطن لا يتعامل مع عدد الاجتماعات و لا يقرأ الكتب الرسمية؛ هو يقيس المؤسسة بزمن إنجاز معاملته، و توافر الدواء، و نظافة المستشفى، و انتظام الكهرباء، و كفاءة المدرسة، و جودة الطريق. الفرق كبير بين أن تقول المؤسسة إنها أنجزت عشرات النشاطات و بين أن تثبت أن المشكلة التي كانت موجودة قبل سنة لم تعد موجودة اليوم.
ولهذا يصبح الخطاب الإعلامي أحياناً جزءاً من المشكلة. فبعض المسؤولين يتحدثون بثقة عن إنجازات كبيرة، و ينشر أرقاماً عن الزيارات و الاجتماعات و نسب الإنجاز، بينما يبقى المستخدم النهائي للخدمة أمام المشكلة نفسها. الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من التباهي، لأنه يظهر في المؤشرات. إذا انخفض وقت الانتظار فهذا إنجاز، و إذا ارتفعت نسبة توافر الأدوية فهذا إنجاز، و إذا انخفضت الأعطال و الشكاوى فهذا إنجاز. أما تحويل الإجراءات اليومية الطبيعية إلى سلسلة من الأخبار الاحتفالية، فقد يصنع صورة إعلامية جيدة، لكنه لا يبني مؤسسة جيدة.
المشكلة ليست عراقية خالصة، لكن ضعف الحوكمة يجعلها أكثر وضوحاً. فقد أشار صندوق النقد الدولي في تقريره عن العراق لعام 2025 إلى الحاجة المستمرة لتعزيز الحوكمة و المساءلة و إصلاح أداء القطاع العام، كما أشار البنك الدولي إلى مشكلات ضعف المساءلة و القدرات المؤسسية و الإدارة المالية في مؤسسات الدولة العراقية. وفي القطاع الصحي تحديداً، تعمل منظمة الصحة العالمية منذ عام 2022 على نظام HeRAMS لجمع و تحليل بيانات آلاف المؤسسات الصحية العراقية بهدف تحديد فجوات الموارد و الخدمات و مساعدة صانعي القرار على تحديد الأولويات. وجود البيانات، إذاً، ليس المشكلة دائماً؛ المشكلة هي قدرة الإدارة على تحويل المعرفة إلى قرار، و القرار إلى متابعة، و المتابعة إلى نتيجة قابلة للقياس.
هناك أيضاً ثقافة ترحيل الأزمة. المدير الذي يعرف أن بقاءه في المنصب قد يكون قصيراً قد يميل إلى معالجة ما يظهر أمامه و ترك الملفات الثقيلة لمن يأتي بعده. و المسؤول الأعلى قد يغير المدير فيبدو أن المشكلة عولجت، بينما تكون المؤسسة قد غيرت الشخص و أبقت النظام الذي أنتج المشكلة. بعد مدة، يأتي مدير جديد ليصطدم بالعقود نفسها، و الصلاحيات نفسها، و ضعف المتابعة نفسه، ثم تبدأ الدورة من جديد.
إصلاح المؤسسات العراقية لا يبدأ بكثرة تغيير المديرين، مع أن التغيير يصبح ضرورياً عند التقصير، بل يبدأ بتغيير طريقة إدارة المسؤولية نفسها. كل مشكلة متكررة يجب أن يكون لها مسؤول واضح، و زمن محدد للمعالجة، و مؤشر أداء يمكن قياسه، و جهة تسأل لماذا لم تنجز. كما ينبغي أن تقاس كفاءة المدير بما اختفى من المشكلات خلال إدارته، لا بما نشره إعلامه من أخبار.
برأيي المتواضع فإن الدولة القوية ليست الدولة التي يكتشف وزيرها الخلل في زيارة مفاجئة، بل الدولة التي تمتلك نظاماً يجعل وصول الخلل إلى الوزير حدثاً استثنائياً. أما عندما يحتاج نقص الدواء أو سوء الخدمة أو تعطل مشروع إلى مسؤول كبير كي يصبح مرئياً، فنحن لا نواجه مشكلة موظف أو مدير فقط، بل مؤسسة تعلمت كيف ترحل أزماتها من مستوى إداري إلى آخر، ثم تقدم استمرار عملها بوصفه إنجازاً.



#عمار_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العقوبات الأمريكية و مستقبل النظام في إيران: بين الإنهاك الا ...
- الجامعات العراقية و التصنيفات العالمية: هل نقيس الجودة أم نط ...
- من يفسد المسؤول؟ قراءة في دور الحاشية و شبكات المصالح داخل ا ...
- الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و ...
- حذف الأصفار من الدينار العراقي: إصلاح نقدي أم تغيير شكلي؟ قر ...
- في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة ...
- جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاق ...
- النساء المعيلات: بين الحماية القانونية و الاستيعاب الاجتماعي ...
- حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البدا ...
- وزارة التربية و تنظيم معاهد التقوية في العراق: فرصة لحماية ا ...
- حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق ...
- كرة الثلج العراقية في مكافحة الفساد: من سقوط الكبار و الانته ...
- عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إ ...
- إمكانات مكافحة الفساد و تنقية مفاصل الدولة: من اصطياد الأسما ...
- تمكين المرأة في العراق و مصر و تونس: بين القانون و الاقتصاد ...
- التعليم الأهلي في العراق: قراءة متوازنة في ما له و ما عليه - ...
- المواطنة المؤجلة في العراق: قراءة مقارنة مع تركيا و إيران و ...
- الأطفال المولودون في سياق الانتهاكات الجماعية: بين القانون، ...
- الفساد الهادئ: حين تصبح الرداءة نظاماً يومياً لا استثناءً عا ...
- الاعتماد البرامجي: من الاعتراف الأكاديمي إلى ثقافة التحسين ا ...


المزيد.....




- سوريا تعيد افتتاح سفارتها في ليبيا بعد 14 عاما من الإغلاق
- -مالكه بداخله-.. مستوطنون إسرائيليون يستولون على منزل بعد اق ...
- مصر.. صاحب مقترح -مقايضة الديون- يتراجع عن إدراج قناة السويس ...
- الأطراف السياسية المتنافسة في ليبيا تتفق على خارطة طريق لإجر ...
- اتصالات وزيارات سرية إلى تل أبيب.. تقرير يكشف أوجه التعاون ب ...
- دحلان يطرح معادلة فلسطينية جديدة: شراكة بين الفصائل وتعددية ...
- الجزائر ترسل مقاتلات -سوخوي-30- لدعم الجيش النيجري بعد محاول ...
- توغلات جديدة للقوات الإسرائيلية في الجنوب السوري للمرة الثان ...
- ميرتس: الإنفاق الدفاعي أولى من الإعانات الأسرية
- تقرير إسرائيلي يكشف تفاصيل صفقة ضخمة -لن تسعد تركيا برؤيتها- ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - كيف تعيد المؤسسة إنتاج مشكلاتها؟ قراءة في ضعف مستويات الإدارة و ثقافة ترحيل الأزمات – مقال رأي