أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الدولة و حياد المؤسسات: من احترام الإيمان إلى حماية القرار العام من الانحياز – مقال رأي














المزيد.....

الدولة و حياد المؤسسات: من احترام الإيمان إلى حماية القرار العام من الانحياز – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 15:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


للدين مكانة عميقة في حياة نسبة كبيرة من البشر، فهو لا يقتصر عند المؤمن على ممارسة الشعائر، بل يرتبط بالهوية و منظومة القيم و تفسير الحياة و الموت و معنى الوجود. و لهذا فإن احترام الإيمان ليس مجاملة اجتماعية، بل جزء من احترام حرية الإنسان في اختيار معتقده و طريقة حياته. المشكلة تبدأ في مكان آخر، عندما تنتقل القناعة الدينية من المجال الشخصي و الاجتماعي إلى مؤسسة عامة يفترض أنها تتعامل مع مواطنين مختلفين في الدين و المذهب و القناعة الفكرية.
هنا تحديداً يظهر معنى حياد الدولة. فالعلمانية، بالمعنى المؤسسي، لا تعني أن يصبح المجتمع أقل تديناً، و لا تعني منع الناس من ممارسة شعائرهم، كما لا تتطلب من الموظف أن يتخلى عن معتقداته الشخصية. الفكرة أبسط من ذلك: عندما يدخل الإنسان إلى مؤسسة الدولة بصفته مسؤولاً أو موظفاً أو صاحب قرار، تصبح سلطته مستمدة من القانون و الوظيفة العامة، لا من قناعاته الشخصية، سواء كانت دينية أو أيديولوجية أو اجتماعية.
هذا التمييز مهم في العراق بصورة خاصة. فالدستور العراقي ينص في مادته الثانية على أن الإسلام دين الدولة الرسمي و مصدر أساس للتشريع، لكنه ينص في المادة نفسها أيضاً على عدم جواز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية أو الحقوق و الحريات الأساسية. كما تنص المادة 14 على مساواة العراقيين أمام القانون دون تمييز بسبب الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي، بينما تضمن المادة 42 حرية الفكر و الضمير و العقيدة. وهذا يعني أن البنية الدستورية العراقية نفسها تحتوي على عناصر دينية و ديمقراطية و حقوقية متجاورة، الأمر الذي يجعل النقاش حول حياد المؤسسات أكثر تعقيداً من مجرد الاختيار بين دولة "دينية" و أخرى "معادية للدين".
المشكلة العملية تظهر عندما تتدخل القناعات الشخصية في القرار المهني. الطبيب في مؤسسة صحية عامة، مثلاً، لا يفترض أن يحدد مستوى الرعاية وفق معتقد المريض. و الأستاذ الجامعي لا ينبغي أن يقيم الطالب على أساس تدينه أو عدم تدينه. و ضابط الشرطة لا يملك أن يطبق القانون بطريقة مختلفة بسبب الانتماء الديني أو المذهبي. كما أن المسؤول الإداري يفترض أن يختار الموظف الأكفأ وفق المؤهلات و الأداء، لا وفق هويته الدينية أو قربه من جماعة معينة. في هذه الحالات لا يصبح الحياد موقفاً فلسفياً مجرداً، بل قاعدة ضرورية لعمل المؤسسة.
المعايير الدولية لحقوق الإنسان تتجه في الاتجاه نفسه من زاوية مختلفة. فالأمم المتحدة تؤكد حق الإنسان في اعتناق الدين أو المعتقد و ممارسته، لكنها تؤكد أيضاً ضرورة عدم التمييز على أساس الدين في التعليم و الرعاية الصحية و التوظيف و الوصول إلى الخدمات العامة، و تشدد على مسؤولية الموظفين العموميين في احترام مختلف الأديان و المعتقدات أثناء أداء وظائفهم. وبذلك يصبح حياد الموظف العام حماية للمؤمن و غير المؤمن معاً، لا انتقاصاً من أي منهما.
وقد يكون من المفيد هنا التفريق بين المجتمع المتدين و المؤسسة المتدينة. يستطيع المجتمع أن يحتفظ بتقاليده و أعياده و رموزه و ممارساته، بينما تعمل مؤسسات الدولة وفق القانون و المعايير المهنية. وجود الأول لا يستلزم بالضرورة وجود الثاني. بل ربما يكون الفصل النسبي بين المجالين وسيلة لحماية الدين نفسه من الاستخدام السياسي أو الإداري، لأن تحويل المقدس إلى أداة للمنافسة على السلطة قد ينقله من مجال الإيمان إلى مجال المصالح و الخلافات اليومية.
كما أن الحياد لا يعني منع المتدين من الوصول إلى موقع المسؤولية. المعيار ليس ما يؤمن به المسؤول في حياته الخاصة، بل الطريقة التي يمارس بها سلطته. قد يكون الوزير أو القاضي أو الأستاذ أو الطبيب متديناً بدرجة كبيرة، لكن ذلك لا يمثل مشكلة مؤسسية طالما أنه يستطيع الفصل بين إيمانه الشخصي و القرارات التي تمس حقوق الآخرين. وبالمقابل، فإن المسؤول غير المتدين لا يملك أن يستخدم موقعه لتقييد ممارسة الآخرين لشعائرهم. الحياد يعمل في الاتجاهين.
لهذا قد يكون النقاش الأكثر فائدة في العراق ليس حول مقدار حضور الدين في المجتمع، فهذا خيار اجتماعي و فردي لا يمكن فرضه إدارياً، وإنما حول الحدود التي ينبغي أن تقف عندها القناعة الشخصية عندما تبدأ سلطة المؤسسة العامة. الدولة التي تحمي حرية المسجد و الكنيسة و المعبد، و تحمي أيضاً حق المواطن المختلف في معتقده، تستطيع أن تجعل القانون مساحة مشتركة بين الجميع.
برأيي المتواضع فأن المسألة في النهاية ليست صراعاً بين الإيمان و العلمانية بقدر ما هي سؤال عن طبيعة السلطة العامة: هل تتغير حقوق المواطن عندما تتغير قناعة المسؤول الذي يجلس خلف المكتب؟ إذا كانت الإجابة القانونية و المؤسسية هي أن الحقوق واحدة للجميع، فإن حياد المؤسسة يصبح جزءاً من معنى المواطنة نفسها، بينما يبقى الإيمان حقاً شخصياً مصاناً لا تحتاج الدولة إلى مصادرته و لا إلى استخدامه في إدارة شؤون الناس.



#عمار_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجامعات العراقية بين حرية الباحث الأكاديمية و سلطة المؤسسة ...
- صعود الدولار و ارتفاع الأسعار في العراق: بين الضغوط الخارجية ...
- قراءة في هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الضغوط الداخلية و الاقل ...
- مؤشر مخاطر النزاهة البحثية في الجامعات العراقية: قراءة في ال ...
- الثقة المفقودة في المصارف العراقية: لماذا تبقى أموال المواطن ...
- حقوق المرأة و ملكية المال في العراق و مصر: من إرث الحضارة إل ...
- كيف تعيد المؤسسة إنتاج مشكلاتها؟ قراءة في ضعف مستويات الإدار ...
- العقوبات الأمريكية و مستقبل النظام في إيران: بين الإنهاك الا ...
- الجامعات العراقية و التصنيفات العالمية: هل نقيس الجودة أم نط ...
- من يفسد المسؤول؟ قراءة في دور الحاشية و شبكات المصالح داخل ا ...
- الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و ...
- حذف الأصفار من الدينار العراقي: إصلاح نقدي أم تغيير شكلي؟ قر ...
- في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة ...
- جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاق ...
- النساء المعيلات: بين الحماية القانونية و الاستيعاب الاجتماعي ...
- حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البدا ...
- وزارة التربية و تنظيم معاهد التقوية في العراق: فرصة لحماية ا ...
- حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق ...
- كرة الثلج العراقية في مكافحة الفساد: من سقوط الكبار و الانته ...
- عبد المنزل و عبد الحقل و الإصلاح: من ثقافة الامتياز الصغير إ ...


المزيد.....




- فستان بقصّة -مايوه- وطرحة بيضاء..هاندا أرتشيل بإطلالة جريئة ...
- كاثرين زيتا جونز تختار الأزرق الجليدي من زهير مراد في لندن
- -أعداء الأمس- يقاتلون معًا ضد آبي أحمد.. ماذا يجري في إثيوبي ...
- بلاغات ضد نائب مصري حجز 4 فيلات باسم ابنته القاصر
- -أنثروبيك-: اكتشاف مثير حققه نموذج -كلود- الذكي قد يحدث تحول ...
- أبرز ميزات iOS 27.. رقابة أبوية أكثر مرونة وأدوات ذكاء اصطنا ...
- الصين تطلق دفعة جديدة من أقمار -Yaogan- إلى المدار
- أوكرانيا تتكبد ألف قتيل يوميًا
- الدفاع الروسية: استهداف 18 سفينة أسلحة غربية لأوكرانيا خلال ...
- تحت شعار -سوريا للسياحة والسلام-.. رالي درّاجات -هارلي- ينطل ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - الدولة و حياد المؤسسات: من احترام الإيمان إلى حماية القرار العام من الانحياز – مقال رأي