أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - سلاسل الفساد: حين يصبح تعاقب المسؤولين آلية للتستر لا للمحاسبة – مقال رأي














المزيد.....

سلاسل الفساد: حين يصبح تعاقب المسؤولين آلية للتستر لا للمحاسبة – مقال رأي


عمار صالح عباس
باحث و كاتب

(Ammar S. Abbas)


الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 21:39
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين يغادر مسؤول منصبه و يأتي آخر مكانه، يفترض المنطق الإداري أن تبدأ مرحلة جديدة، ليس بالضرورة بهدم ما سبق، بل بمراجعته: ماذا أُنجز؟ أين أُخفقت المؤسسة؟ كيف أُنفقت الأموال؟ و هل اتخذت القرارات وفق القانون و المصلحة العامة؟ لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده في العراق هو: لماذا تمر أحياناً ملفات و مخالفات و قرارات مثيرة للتساؤل من مسؤول إلى آخر من دون مراجعة حقيقية، ثم تستمر الممارسات نفسها تقريباً بعد تغير الأشخاص؟
المشكلة هنا قد تكون أعمق من فساد شخص واحد. نحن أمام احتمال وجود ما يمكن تسميته بـ "سلاسل الفساد"، أي أن حماية المصالح لا تنتهي بخروج المسؤول من المنصب، بل قد تنتقل معه إلى المرحلة التالية من خلال شبكة من العلاقات و التفاهمات و المصالح المتبادلة.
لا يعني ذلك أن كل مسؤول جديد يتستر بالضرورة على سلفه، فهذا تعميم غير عادل و لا يمكن إثباته. لكن البيئة المؤسسية الضعيفة تسمح بظهور نمط أخطر: المسؤول السابق قد يكون قد ساهم في اختيار خليفته، أو دعم وصوله، أو ترك داخل المؤسسة أشخاصاً مرتبطين به إدارياً أو مصلحياً. و عندها تصبح قدرة المسؤول الجديد على فتح الملفات القديمة محدودة، أو ربما تصبح لديه مصلحة مباشرة في عدم فتحها أصلاً.
هنا تبدأ السلسلة.
فالمسؤول الذي يطمئن إلى أن من يأتي بعده لن يراجع أعماله بجدية، سيصبح أقل خشية من المساءلة أثناء وجوده في المنصب. و المسؤول الجديد الذي يعرف أنه استفاد من دعم سابقه قد يجد نفسه أمام التزام غير مكتوب: لا تفتح ملفات الماضي، و سيأتي مستقبلاً من يتعامل بالطريقة نفسها مع ملفاتك.
بهذه الآلية يتحول الفساد من فعل فردي إلى نظام قادر على حماية نفسه. و ربما يكون هذا أحد التفسيرات الممكنة لاستمرار بعض أنماط الهدر و سوء الإدارة سنوات طويلة على الرغم من تغير المديرين و الوزراء و رؤساء المؤسسات. الأشخاص يتغيرون، لكن طريقة إدارة المؤسسة تبقى أحياناً على حالها.
الأرقام تشير إلى أن المشكلة العراقية ما زالت بنيوية. ففي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 حصل العراق على 28 نقطة من 100، و جاء في المرتبة 136 من أصل 182 دولة. و رغم أن ذلك يمثل تحسناً عن عام 2024، عندما سجل العراق 26 نقطة و حل في المرتبة 140، فإن منظمة الشفافية الدولية ما زالت تشير إلى وجود عقبات هيكلية كبيرة أمام تحقيق تحسن ملموس و مستدام. كما أن التحسن في المؤشرات لا يعني بالضرورة أن المشكلة حُلّت، بل قد يعني أن بعض خطوات الإصلاح بدأت تظهر من دون أن تتحول بعد إلى قواعد مؤسسية راسخة.
المشكلة الأساسية تبدأ عندما ترتبط الرقابة بالأشخاص بدلاً من النظام. فالمؤسسة التي تحتاج إلى مسؤول "شجاع" حتى تفتح ملفاً قديماً هي مؤسسة تعاني أصلاً من خلل. الرقابة الطبيعية يجب ألا تنتظر قرار المسؤول الجديد. يفترض أن تكون هناك إجراءات تلقائية للتدقيق عند انتهاء المسؤولية الإدارية، تشمل العقود و الإنفاق و التعيينات و القرارات المالية و الإدارية المهمة، مع حفظ السجلات بصورة تمنع إخفاءها أو تعديلها لاحقاً.
و الأهم أن اختيار المسؤول اللاحق يجب ألا يبقى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تحت تأثير المسؤول السابق أو شبكته. لأن الاستقلال في الاختيار ليس مسألة إدارية صغيرة، بل أحد شروط المحاسبة. من الصعب أن نطلب من شخص مراجعة ملفات من ساعده في الوصول إلى منصبه.
كذلك ينبغي التمييز بين الاستقرار الإداري و التستر. ليس المطلوب أن يبدأ كل مسؤول جديد حملة ضد سلفه، لأن ذلك سيحوّل الإدارة نفسها إلى ساحة لتصفية الحسابات. المطلوب أبسط و أكثر مهنية: مراجعة مؤسسية مستقلة لا تفترض الإدانة و لا تمنح البراءة مسبقاً. فإذا كانت الإجراءات سليمة أُغلق الملف، و إذا ظهرت مخالفات انتقلت إلى الجهات المختصة، بغض النظر عن اسم المسؤول أو موقعه أو علاقاته.
برأيي المتواضع فإن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يرتكبه مسؤول يعرف أنه قد يُحاسب، بل الفساد الذي ينمو داخل سلسلة يطمئن كل فرد فيها إلى صمت من سيأتي بعده. كسر هذه السلسلة لا يحتاج إلى تبديل الأشخاص فقط، بل إلى بناء مؤسسات تجعل المسؤول اللاحق غير قادر على حماية السابق، و السابق غير قادر على اختيار من يحميه، و الجميع أمام ذاكرة مؤسسية لا تنسى بتغير الكراسي.



#عمار_عباس (هاشتاغ)       Ammar_S._Abbas#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدولة و حياد المؤسسات: من احترام الإيمان إلى حماية القرار ا ...
- الجامعات العراقية بين حرية الباحث الأكاديمية و سلطة المؤسسة ...
- صعود الدولار و ارتفاع الأسعار في العراق: بين الضغوط الخارجية ...
- قراءة في هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الضغوط الداخلية و الاقل ...
- مؤشر مخاطر النزاهة البحثية في الجامعات العراقية: قراءة في ال ...
- الثقة المفقودة في المصارف العراقية: لماذا تبقى أموال المواطن ...
- حقوق المرأة و ملكية المال في العراق و مصر: من إرث الحضارة إل ...
- كيف تعيد المؤسسة إنتاج مشكلاتها؟ قراءة في ضعف مستويات الإدار ...
- العقوبات الأمريكية و مستقبل النظام في إيران: بين الإنهاك الا ...
- الجامعات العراقية و التصنيفات العالمية: هل نقيس الجودة أم نط ...
- من يفسد المسؤول؟ قراءة في دور الحاشية و شبكات المصالح داخل ا ...
- الخريجون و الوظيفة الحكومية: قراءة في انهيار القطاع الخاص و ...
- حذف الأصفار من الدينار العراقي: إصلاح نقدي أم تغيير شكلي؟ قر ...
- في ذكرى الوجع: المرأة و الطفل في الإبادة الإيزيدية بين ذاكرة ...
- جيل يبحث عن نافذة: التعليم العالي و تحولات العمل في زمن الاق ...
- النساء المعيلات: بين الحماية القانونية و الاستيعاب الاجتماعي ...
- حرية المرأة في العراق و مصر و تونس و السعودية: بين قيم البدا ...
- وزارة التربية و تنظيم معاهد التقوية في العراق: فرصة لحماية ا ...
- حقوق المرأة بين ذاكرة الرافدين و فجوة الواقع: من رمزية الخلق ...
- كرة الثلج العراقية في مكافحة الفساد: من سقوط الكبار و الانته ...


المزيد.....




- سائقة دراجة نارية تُصاب بصاعقة في فيتنام
- بن سلمان: ندعم الحلول الدبلوماسية ولن نتردد بالرد الحازم على ...
- مباحثات مصرية أممية حول ترتيبات الانتخابات الليبية وإنهاء ال ...
- نتنياهو يجري اتصالا هاتفيا مع بن زايد عقب حادثة طائرة -فلاي ...
- تعرض سفن لإطلاق نار في مضيق هرمز والحرس الثوري يتحدث عن هجما ...
- صحيفة تكشف جنسية طيار -فلاي دبي- المصاب وتفاصيل عن حياته
- زاخاروفا: الاتحاد الأوروبي يبذل كل جهوده لإحباط آفاق التفاوض ...
- محافظ القليوبية يبحث 18 طلبًا وشكوى خلال اللقاء الجماهيري ال ...
- النقل تنشر أحدث تفاصيل مشروع المحاور التنموية على النيل (ملا ...
- العراقيون يحتفلون بـ -يوم السيادة- بعد انتهاء مهمة التحالف ا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار صالح عباس - سلاسل الفساد: حين يصبح تعاقب المسؤولين آلية للتستر لا للمحاسبة – مقال رأي