أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - حين يسبق الشعور المعرفة، وتسبق الألفة الزمن في العلاقات الاجتماعية















المزيد.....

حين يسبق الشعور المعرفة، وتسبق الألفة الزمن في العلاقات الاجتماعية


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 10:07
المحور: المجتمع المدني
    


في زحام الحياة ووسط الطرق الطويلة التي نمضي فيها بين وجوه لا تنتهي ، نلتقي أشخاصا كثيرين في مراحل مختلفة من العمر. بعضهم يمر مرور الكرام أو قد يترك ذكرى عابرة ، ولكن بعضهم الآخر يترك في النفس أثرا لا نعرف كيف بدأ ولا لماذا بقي. وبين كل هذه اللقاءات ، هناك لقاءات تبدو مختلفة منذ لحظتها الأولى وكأنها لا تبدأ من الصفر او بعبارة أخرى كأن شيئا في داخلنا كان يعرف صاحبها قبل أن نلتقيه ونتعرف عليه واقعا أو حتى نسمع عنه.
فليس الزمن وحده هو الذي يصنع الألفة بين الناس، فقد تمضي سنوات طويلة في معرفة شخص ما دون أن نشعر بأن بيننا وبينه ذلك القرب الذي يجعل الحديث معه سهلا، بينما قد نلتقي شخصا آخر مرات قليلة، فنشعر تجاهه بألفة تبدو وكأنها جاءت قبل أن يمنحنا الزمن فرصته الكافية للتعارف.
يميل الإنسان بطبيعته ككائن اجتماعي إلى التعارف وتكوين الصداقات والعلاقات مع الآخرين. بمرور السنين يبدوا لنا أن التقارب الذي يقود لصداقات عميقة لا يأتي إلا بعد زمن طويل من التجارب بما تحويه من مواقف ايجابية مشتركة تترك اثرا في النفس. كما نظن أن الألفة ورفع التكلفة الكاملة في العلاقات الاجتماعية تحتاج إلى الاعتياد حتى تنمو ، والألفة هنا ليست مجرد إعجاب بالآخر أو ارتياح عابر لوجوده ، وإنما ذلك الشعور الهادئ الذي يجعل الإنسان قادرا على أن يكون على طبيعته أمام شخص آخر من دون أن يشعر بأنه مضطر إلى التصنع أو الحذر أو البحث عن الكلمات التي تناسب الموقف.
وهذا صحيح في كثير من العلاقات، لكن تجارب الحياة تعلمنا ايضا أن الأمر ليس دائما يكون كذلك. إن بعض العلاقات الاجتماعية لا نستطيع تفسير بداياتها ، كأن لا نعرف متى شعرنا بالقرب من شخص ما وأصبح وجوده مألوفاً في حياتنا ، او لماذا نشعر تجاهه بشيء لا نراه او نمنحه بسهولة لغيره. وهنا يمكن القول أن القلب أحياناً يصل إلى حقيقة لا يزال العقل يحاول أن يجد لها تفسيراً ، ذلك ان ليست كل ألفة تُصنع مع مرور الوقت ، فبعضها يولد في لحظة دون أن ندرك سبب لذلك. وكمثال على ذلك ، هناك أشخاص نلتقيهم للمرة الأولى ، ومع ذلك نشعر أن في حضورهم شيئا مألوفا ، شيئا لا نعرف متى بدأ ولا أين كانت بدايته. وغالبا ما يكون هولاء من النوع الذي لا تجمعنا بهم ذكريات قديمة عن سنوات عيش او سنوات عمل مشتركة تحمل مواقف تفسر ذلك الشعور، ومع ذلك نشعر براحة لا نجد لها تفسيرا واضحا. اريد من هذا ، القول إن هناك أرواح لا تدخل حياتنا من باب اللقاء بل من باب الشعور.
قد يجلس الإنسان أمام شخص لا يعرف عنه شيئا ، ثم يشعر بأن الحديث معه لا يحتاج إلى مقدمات طويلة ، وأن العفوية في الكلام لا تطلب الاستئذان ، بل تجد أن رفع التكلفة معه قد فرض نفسه ، مثلما يكون في حضرته حتى الصمت ليس ثقيلا ، وقبلها لا يكون الإنسان مضطرا إلى تقديم نفسه ، اي التعريف بنفسه ، في كل موقف يتطلب ذلك ، و كأن شيئا في داخله وجد مساحة يستطيع فيها أن يكون على طبيعته دون خوف أو شك من أن يساء فهمه.
وهنا تكمن واحدة من أجمل صور الألفة الإنسانية تتجسد في أن تشعر بأنك مفهوم حدا يتجاوز قناعتك انك صاحب حظوة واحترام بالغين عنده.
إن كانت كثرة الاهتمام ليست دائما دليلا على عمق القرب ، وكثرة الحديث وتشعبه لا تعني بالضرورة وجود انسجام حقيقي. ولكن يبقى أجمل ما يمنحه لنا إنسان آخر هو أن نشعر معه بأننا لسنا مضطرين إلى شرح أنفسنا طوال الوقت ، وأن صمتنا او عدم الحوار معه لا يفسر على أنه جفاء ، اي لا يؤخذ على أنه ابتعاد.
إن هذاالنوع من القرب نادر، لأنه يمنح الإنسان شيئا من الأمان الداخلي. يشعر معه أنك يستطيع أن يتحدث حين يريد ، وأن يصمت حين يحتاج إلى الصمت ، وأن يكون بالاجمال كما هو أمام نفسه ، دون أن يضطر في كل مرة إلى ارتداء صورة ترضي الآخر.
وربما لهذا يبدو بعض الأشخاص وكأنهم لا يدخلون حياتنا في بداية معرفة او تعارف. نلتقيهم للمرة الأولى ، ومع ذلك يسقط شيء من الحذر الذي نحمله عادة أمام من تلاقيهم من الغرباء. لا نعرف كيف حدث ذلك أو لماذا شعرنا أن وجودهم مألوف ، لكننا نعرف أن شيئا في داخلنا أصبح أكثر هدوءا.
إذا كانت العين ترى الملامح وتعرف الوجوه وتلتقط التفاصيل ، لكنها لا ترى دائما ذلك الشيء الخفي الذي يجعل إنسانا ما مختلفا عن الآخرين. قد لا يقول لك ذلك الإنسان شيئا استثنائيا، وقد لا يفعل ما يفسر كل هذا الشعور، لكن حضوره وحده يكون كافيا لأن يهدأ شيء في داخلك ، ولعل هذا ما يفسر أن هناك نوع من الألفة قد لا تُرى بالعين بل يُشعر بها.
ليس كل من لمس قلبك يكون بالضرورة قريبا منك، وليس كل من عاش معك طويلا يترك فيك أثرا. هناك أشخاص قد تعبر حياتك معهم سنوات، دون أن تصل إلى أعماقهم أو يصلوا إلى أعماقك. ولكن هناك أيضا أشخاصا آخرون قد لا يمكثون معك إلا فترة قصيرة، لكنهم يتركون في أعماقك اثرا او شيئا لا يستطيع الزمن محوه ، وإذا كانت بعض اللقاءات لا تأتي دائما لكي تستمر معك ، وإنما تأتي لكي توقظ شيئا في داخلك او تعيدك إلى نفسك.
عموما ، قد يعيد إلينا شخص شعورا نسيناه أو جزءا من أنفسنا فقدناه وسط زحام الحياة ، ويجعلنا نكتشف أننا ما زلنا قادرين على الفرح وعلى الثقة وعلى الإصغاء والشعور بالطمأنينة بعد فترة طويلة من التعب والمعاناة. وحين يبتعد مثل هذا الشخص ، قد لا يكون ألمنا بسبب غيابه وحده ، وإنما بسبب معرفتنا أن الشيء الجميل الذي ظهر في وجوده ربما لن يعود بالطريقة نفسها.
وقد يكون هذا من أجمل ما تفعله بعض اللقاءات في حياتنا ، وان كانت لا تغير بالضرورة تفاصيل الحياة ، لكنها على الأقل تغير شعورنا تجاهها لتصبح الأيام أقل قسوة والأحلام أقرب والهموم أخف ، والاهم تذكرنا بأن في الحياة مساحات من الطمأنينة لا نكتشفها إلا حين نلتقي بذلك الإنسان المناسب في اللحظة المناسبة.
من هذا يمكن القول ، أن قيمة العلاقة وأثرها لا تكمن في أنها بدأت بسرعة ، ولا في أنها استمرت طويلا ، وإنما في ما صنعته داخل الإنسان. فقد تكون علاقة طويلة بلا أثر عميق، وقد يكون لقاء قصيرا كافيا ولكنه يترك أثرا وذكرى ترافقنا سنوات.
لهذا لا يقاس القرب في العلاقات دائما بعدد اللقاءات وكثرة الكلمات والحوارات ، ولا بعدد السنوات. فبعض القرب تصنعه المواقف وبعضه تصنعه الروح مثلما تصنعه الثقة التي تنمو بهدوء بين إنسانين.
قد نلتقي في حياتنا أشخاصا لا يطرقون أبواب القلب بصخب ، وانما يدخلون إليه بهدوء ، وبعد ذلك نكتشف أن وجودهم أصبح جزءا من شعورنا بالحياة. لا يرفعون أصواتهم ، لكن يبقى حضورهم يسكت شيئا من الضجيج في داخلنا. وإذا مالت الدنيا وجدنا فيهم شيئا من الاستقامة ، وإذا ضاق الصدر وجدنا في قربهم شيئا من الاتساع.
لكن تبقى أجمل العلاقات ليست تلك التي تجعلنا متعلقين بالآخر إلى حد فقدان أنفسنا، وإنما تلك التي تجعلنا أكثر قدرة على أن نكون أنفسنا. فالعلاقة الإنسانية الناضجة لا تلغي الإنسان، بل تعيده إلى ذاته أكثر وضوحا وطمأنينة.
وربما لهذا يبقى أثر بعض اللقاءات في ذاكرتنا مهما ابتعدت المسافات ومهما تغيرت الأيام. لا لأن أصحابها ظلوا معنا إلى الأبد، وإنما لأنهم تركوا فينا شيئا من حضورهم أو أيقظوا فينا شيئا كان ينتظر من يوقظه.
إن بعض الأرواح لا نلتقيها لنمضي معها الطريق كله، وإنما نلتقيها لكي نكتشف شيئا عن الطريق وعن أنفسنا. وقد تكون الألفة لحظة، وقد تكون الثقة سنوات، وقد يكون الأثر عمرا بأكمله. إن الألفة لا تعني بالضرورة الثقة الكاملة ، فالألفة قد تأتي سريعا، أما الثقة فتبنيها المواقف، وتختبرها الأيام. وقد نشعر بالقرب من إنسان منذ اللقاءات الأولى، لكننا نحتاج إلى الزمن لنعرف إن كان هذا الشعور يستند إلى حقيقة راسخة أم إلى انطباع أول سرعان ما تغيره التجربة.

في النهاية يمكن استنتاج إن ليس كل ما يبدأ من الفة في لحظة ينتهي سريعا، وليس كل ما استغرق سنوات يصبح عميقا. بعض اللقاءات تسبق الزمن في بدايتها، ثم يأتي الزمن ليكشف حقيقتها، وبعضها لا يستمر، لكنه يترك فينا أثرا يجعلنا ندرك أن بعض الأشخاص لم يدخلوا حياتنا عبثا.



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى تستحق علاقاتنا الاجتماعية الاستمرار او يكون معها الابتعا ...
- الأمانة والحلال لا يضيعان... حين يكون الضمير حاضرا
- كم من القضايا الثانوية تكبر في أعيننا حتى تنسينا ما يستحق أن ...
- في زمن كثرت فيه العلاقات وتشابكت أبعادها، وقل فيه فهم معانيه ...
- في زمن كثرت فيه العلاقات وتشابكت أبعادها ، وقل فيه فهم معاني ...
- يصبح الحب وطنا بعد الزواج حين يتم إختيار الإنسان قبل المال و ...
- صناعة النخب... حين نصنع الإنسان نصنع المستقبل / مسؤولية مشتر ...
- حين يسقط القناع... ويتكلم الزمن
- لا تسمح للعالم أن يسرق قلبك
- حين يرى الإنسان الآخرين بعيني نفسه يكون حكيما
- بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقد ...
- انكسار القلب…. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ال ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل ...
- العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...


المزيد.....




- سلسلة غارات إسرائيلية تستهدف النازحين في غزة وسقوط ضحايا في ...
- خطابٌ ملكيٌ في الأمم المتحدة
- ثلاثة خطابات في الأمم المتحدة.. فلسطين والأردن في مواجهة روا ...
- -أمن الخليج من أمن العالم-..السعودية تدعو أمام الأمم المتحدة ...
- قضايا الشرق الأوسط وأزمة هرمز تتصدر خطابات اليوم الخامس من ا ...
- وزير خارجية جيبوتي: تدفق النازحين من اليمن يفوق قدرتنا على ت ...
- زاخاروفا: تقرير بوتشا أثار اهتماما كبيرا على هامش الجمعية ال ...
- سكرتير أول اشتراكي جبل حبشي يتفقد أوضاع النازحين ويدعو إلى ت ...
- أزمة السجال الدولي: أردوغان يطالب بنقل نتنياهو من منبر الأمم ...
- مواجهة دبلوماسية مفاجئة بين ألمانيا وروسيا في أروقة الأمم ال ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - حين يسبق الشعور المعرفة، وتسبق الألفة الزمن في العلاقات الاجتماعية