أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقدها














المزيد.....

بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقدها


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 07:57
المحور: المجتمع المدني
    


يمضي كثير من الناس بدايات حياتهم وهم يحملون قلوبا شفافة ونية صافية ، يحسنون الظن بالآخرين اقرباء كانوا ام بعيدين ، ويؤمنون أن المحبة تلد محبة، وأن اللطف لا بد أن يعود لطفا، وأن النية الصادقة تجد دائما من يبادلها الصدق والوفاء. ينظرون إلى العالم بعين يغلب عليها الأمل، فيرون الخير أقرب إلى طبائع البشر من الشر، ويعتقدون أن نقاء القلب كاف ليصنع علاقات مستقرة ومطمئنة.

غير أن الحياة لا تلبث أن تكشف لهم أن الواقع أكثر تعقيدا من تلك الصورة الجميلة. فليست جميع القلوب تقرأ المشاعر باللغة نفسها ، ولا جميع العقول تفسر المواقف بالمنطق ذاته. وهكذا يكتشف الإنسان مع مرور الأيام ، أن الناس لا يتعاملون مع ما نقدمه لهم فحسب ، بل مع الصورة التي رسموها عنا ومخاوفهم وتوقعاتهم وحالتهم النفسية. ولهذا قد تحمل الكلمة الواحدة التي تصل إلى مسامعهم أكثر من معنى ، لا لأن ألفاظها تغيرت، بل لأن كل إنسان يسمعها من خلال عالمه الداخلي. فالكلمات لا تمر إلى العقول مجردة ، وإنما تعبر أولا عبر المشاعر والذكريات والقناعات ، ولكن تكتسب هناك معاني قد لا تكون موجودة في أصلها.

ومن هنا تبدو حقيقة إنسانية تستحق التأمل ، فالإنسان لا يرى الآخرين دائما كما هم ، بل كثيرا ما يراهم كما هو هو في داخله. فمن امتلأ قلبه بالطمأنينة رأى في الناس جوانب الخير، ومن أثقلته الشكوك قرأ في أكثر التصرفات براءة رسائل خفية لا وجود لها. ولهذا تصبح أفعال أصحاب القلوب الطيبة ، في أحيان كثيرة ، مرآة تعكس نفوس من ينظر إليها أكثر مما تعكس حقيقتهم.
يشير علماء النفس إلى هذه الظاهرة بما يعرف بالإسقاط النفسي ، حيث ينسب الإنسان إلى الآخرين بعض ما يختلج في داخله من مخاوف أو رغبات أو أحكام مسبقة ، فيظن أنه يصفهم ، بينما هو في الحقيقة يكشف عن جانب من ذاته.

ولعلنا نرى في مواقف الحياة اليومية الكثير من الامثلة على ذلك. كم من يد امتدت بصدق ، فظُن أنها تمتد لمنفعة. وكم من تضحية قدمت بصمت ، فاعتبرت واجبا لا يستحق الامتنان. وكم من كلمة خرجت من قلب صادق ، فحملت من المعاني ما لم يخطر ببال قائلها ، لأنها تفسر بعين تجارب الغير أكثر مما يفسرونها أو يقرؤونها بعين الحقيقة.
وفقا لذلك ، فإنه كثيرا ما يفرض نفسه السؤال التالي على أصحاب القلوب الطيبة:
هل يغير الإنسان طبعه حتى يتجنب الخيبة وسوء الفهم ،
أم يحافظ على نقاء قلبه ويتعلم في الوقت نفسه كيف يحسن حمايته؟
مع هذا السؤال تبدأ رحلة النضج ، عندما يدرك الإنسان أن الطيبة ليست ضعفا يحتاج إلى علاج او تصحيح ، وإنما فضيلة تحتاج إلى وعي ، وأن القلب النقي لا يفقد قيمته لأنه تعرض للخيبة ، بل تزداد قيمته عندما يتعلم كيف يبقى نقيا دون أن يكون مستباحا ، وكيف يمنح ثقته بحكمة لا بخوف ، بوعي لا بسذاجة ، اي ان يصبح أكثر انتقائية ، فليس كل شخص يستحق أفضل ما لديه.

إن الطيبة التي تخلو من الحكمة قد تتحول إلى استنزاف، أما الطيبة التي ترافقها حدود واضحة ، فإنها تصبح قوة هادئة تحفظ كرامة صاحبها ، وتمنحه القدرة على الاستمرار في العطاء دون أن يفقد نفسه في الطريق.
إذا كانت التجارب تعلم الإنسان شيئا ، فإن أول ما تعلمه أن الخيبة لا تنشأ لأننا كنا طيبين ، بل لأنها كثيرا ما كانت طيبة بلا حدود. فكثير من الناس يخلطون بين حسن الخلق والتنازل المستمر ، وبين التسامح وإلغاء الذات وبين العطاء واستنزاف النفس ، حتى يصبح إرضاء الآخرين غاية تتقدم على راحة الإنسان وكرامته.

مع مرور الزمن يكتشف الإنسان أن النضج لا يكمن في أن يعطي أكثر، بل في أن يعرف متى يعطي ولمن يعطي وبأي قدر يعطي. العطاء الذي لا تحكمه الحكمة قد يتحول إلى عبء ، لا على صاحبه وحده ، بل حتى على من اعتاد أن يأخذه ذلك العطاء دون تقدير.

إن الحدود الصحية ليست علامة قسوة ، بل دليل احترام للذات وللآخرين في آن واحد. فالإنسان الذي يعرف حدوده يكون أقدر على بناء علاقات مستقرة ، لأنه لا يحمل الآخرين ما لا يستطيعون حمله ، مثلما لا يحمل نفسه ما يفوق طاقتها.
وكأمثلة على ذلك نشير إلى انه كم من إنسان اعتاد أن يلبي طلبات الجميع حتى أصبح رفضه لأول مرة مدعاة للوم ، وكأن من حق الآخرين أن يأخذوا دائما ، وليس من حقه أن يعتذر حين تضيق به الظروف.

الناس كثيرا ما يعتادون ما تقدمه لهم حتى يصبح المعروف معهم أمرا متوقعا بل مطلوبا ، فإذا توقفت عنه لسبب مشروع ، لم يتذكر بعضهم سنوات العطاء بل انشغلوا بلحظة الامتناع. وليس ذلك دليلا على أن الخير لا قيمة له ، وإنما دليل على أن الإنسان إذا لم يضع حدودا واضحة ، فهو يعلم الآخرين على الاعتياد لا على الامتنان.
ولهذا لا ينبغي أن يخجل الإنسان من قول (لا) حين يكون قوله لها حفاظا على حق أو صيانة لكرامته أو حماية لتوازنه النفسي. فالكلمة التي تمنع ظلما أو توقف استنزافا ليست قسوة بل مسؤولية. وليس المقصود من ذلك أن يتحول الإنسان إلى شخص متوجس من الجميع، أو أن يغلق قلبه في وجه الحياة، فالقلب الذي يفقد ثقته بكل الناس لا يقل ألما عن القلب الذي يمنحها للجميع بلا تمييز.

كلمة اخيرة:
إن التجارب لا تدعونا إلى أن نفقد إنسانيتنا، وإنما تعلمنا أن نحسن استخدامها. فهي لا تطلب منا أن نصبح أقل رحمة، بل أكثر بصيرة، ولا أن نقلل محبتنا بل أن نضعها في مواضعها الصحيحة. أن حماية القلب ليست هروبا من الحياة ، وإنما أسلوب أكثر نضجا في عيشها. فالقلب الذي تحرسه الحكمة، يظل قادرا على المحبة، والعطاء والتسامح ، لكنه لم يعد يسمح لأحد أن يجعل من طيبته طريقا إلى استنزافه أو الانتقاص من كرامته.
إن أجمل ما تمنحه التجارب للإنسان أنها تعلمه كيف يحافظ على صفاء قلبه دون أن يسمح لأحد أن يطفئ نوره ، فالحكمة لا تغلق أبواب القلب ، وإنما تضع عليها مفاتيحها الصحيحة.



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انكسار القلب…. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ال ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل ...
- العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة ...
- كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
- الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب ...
- قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي ...
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...
- التلوث المائي في نهري دجلة وديالى وتداعياته على الأمن البيئي ...
- الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا
- عندما تبقى مسألة العدالة بين أفراد المجتمع مؤجلة


المزيد.....




- أزمة المهاجرين تشعل توترًا دبلوماسيًا بين إسبانيا وإيطاليا.. ...
- مئات المهاجرين يسبحون من المغرب إلى جيب سبتة التابع لإسبانيا ...
- النفايات الطبية تهدد حياة النازحين في غزة
- ريبيكا غرينسبان تتصدر أول تصويت استطلاعي لقيادة الأمم المتحد ...
- محكمة الاستئناف الأمريكية تعرقل سياسة ترامب سياسة الاحتجاز ا ...
- دراما على أبواب سبتة.. آلاف المهاجرين يقتحمون حدود إسبانيا م ...
- كارثة بيئية تتربص بالنازحين في غزة: النفايات الطبية قنبلة مو ...
- محافظ الأنبار: إطلاق مشاريع تنموية جديدة بالشراكة مع الأمم ا ...
- تدفق المهاجرين إلى سبتة يدفع إيطاليا لمراجعة اتفاق شنغن مع إ ...
- دراما على أبواب سبتة.. آلاف المهاجرين يقتحمون حدود إسبانيا م ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقدها