أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد محمود خدر - قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلية: كم هو العراق بحاجة إلى إدارة مائية مثلى















المزيد.....

قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلية: كم هو العراق بحاجة إلى إدارة مائية مثلى


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 07:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يشهد العراق منذ أكثر من عقدين أزمة مائية متفاقمة ، لم تعد مرتبطة فقط بانخفاض معدلات الأمطار الساقطة سنويا مصحوبة بتراجع الإطلاقات المائية من دول المنبع، بل أصبحت أزمة ترتبط أيضا بضعف الإدارة المائية الداخلية، وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، فضلا عن التأثيرات المتزايدة للتغيرات المناخية التي تضرب منطقة الشرق الأوسط عموما والعراق ودول الجوار بصورة خاصة.

تشير تقارير الأمم المتحدة منذ فترة طويلة إلى أن العراق يعد من أكثر دول العالم تعرضا لتأثيرات التغير المناخي والجفاف والتصحر، نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب التساقطات المطرية وتراجع الإيرادات المائية لنهري دجلة والفرات ورافدهما . وقد أكدت وزارة الموارد المائية العراقية في أكثر من مناسبة أن الواردات المائية للعراق انخفضت خلال العقود الأخيرة بنسبة تجاوزت 40% مقارنة بالمعدلات التاريخية قبل اقدام كل من تركيا وإيران على إنشاء سدود على نهري دجلة والفرات او قيامهما بتغيير مجاري هذه روافدهما إلى داخل اراضيها خاصة إيران.
في عام 2019 دخل العراق نحو 93 مليار متر مكعب من المياه، ثم انخفضت الإيرادات المائية في عام 2020 إلى قرابة 50 مليار متر مكعب فقط، قبل أن يتعرض العراق لاحقا إلى ثلاثة مواسم مطرية شحيحة متتالية خلال الأعوام 2020 و2021 و2022، التي بلغ مجموع الواردات المائية خلالها نحو 30 و25 و26 مليار متر مكعب على التوالي، وهي أرقام متدنية قياسا بالحاجة الفعلية للبلاد.

ولولا الخزين المائي المتحقق في موسمي 2019 و2020 لكان العراق قد دخل مبكرا في أزمة مائية خانقة. فالسدود العراقية، وعلى رأسها سد الموصل وحديثة ودوكان ودربندخان، لعبت دورا أساسيا في تعويض النقص الحاصل في الإيرادات السنوية، وهو ما يؤكد أهمية التخزين الاستراتيجي للمياه في بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على الموارد المائية العابرة للحدود ، بما يتطلب انشاء سدود عديدة اخرىأ في المناطق الجبلية والمناطق التي تفتقر كثيرا إلى مشاريع حصاد المياه من مياه الامطار والسيول الناتجة عنها.
لقد تحسن الوضع المائي نسبيا خلال الموسم المطري 2023-2024 الذي وصف بأنه موسم ، إذ دخل العراق نحو 50 مليار متر مكعب من المياه، غير أن هذا التحسن لم يستمر طويلا، إذ أعقبه الموسم المطري 2024-2025 الذي كان شديد الجفاف، سجلت فيه معدلات أمطار تقل عن ما يعادل ربع معدلاتها السنوية الطبيعية تقريبا، بحسب بيانات الهيئة العامة للأنواء الجوية والرصد الزلزالي العراقية.
ومع بداية صيف عام 2025 بدأ العراق يعاني بصورة شديدة من انخفاض الخزين المائي، إذ تراجع الخزين المتوفر في سد الموصل إلى دون مليار متر مكعب فقط، الأمر الذي دفع الحكومة العراقية إلى الدخول في تفاهمات مع تركيا خلال خريف العام نفسه، تضمنت زيادة الإطلاقات المائية مقابل ترتيبات اقتصادية مرتبطة بعائدات النفط العراقي المصدر عبر ميناء جيهان التركي.

غير أن تحسن الحالة المطرية لاحقا، مع بداية السنة اللمائية الجديدة، ساهم في تخفيف حدة الأزمة، إذ ازدادت معدلات الأمطار والثلوج بشكل لافت في عموم حوضي دجلة والفرات داخل الأراضي التركية والإيرانية والعراقية، مما أدى إلى ارتفاع مناسيب الخزين في السدود العراقية إلى مستويات قريبة من الحد الأعلى. ومع ان كمية الخزن في سد الموصل قد وصلت إلى ما يقارب ثلاثة ارباع حجم الخزن المقرر فيه ، كونه يمتلك خصوصية فنية وجيولوجية معروفة ، إذ تقع اسسها في تكوينات غنية بالجبس سريع الذوبان، الأمر الذي يستوجب عمليات حقن مستمرة بالإسمنت سريع التصلب للحفاظ على استقرار أساسات السد. وقد أشارت تقارير فيلق المهندسين التابع للجيش الأمريكي، إضافة إلى تقارير وزارة الموارد المائية العراقية، إلى أن سد الموصل يعد من أكثر السدود حساسية من الناحية الجيولوجية في العالم.
وفي ما يتعلق باستخدام المياه المخزونة، يشير المهندس أحمد ناظم في دراسة ومقالات متخصصة حول إدارة الإطلاقات المائية في العراق إلى وجود نمط متكرر يتمثل بارتفاع معدلات الإطلاقات المائية خلال سنوات الوفرة، ثم استمرار هذه المعدلات المرتفعة حتى خلال سنوات الشحة، دون اعتماد سياسة ترشيد مائي صارمة تتناسب مع طبيعة المواسم الجافة.

ويبين أن معدلات الإطلاقات المائية من السدود العراقية تتراوح غالبا بين 1000 و1500 متر مكعب في الثانية خلال فصل الصيف، وأن متوسط استخدام المياه خلال الفترة الصيفية للسنة المائية 2017-2024 بلغ نحو 18.7 مليار متر مكعب، مقابل 22.17 مليار متر مكعب خلال فصل الشتاء للفترة نفسها.
وعند تحليل الاستهلاك اليومي، يتضح أن الاستخدامات الصيفية تبلغ نحو 123 مليون متر مكعب يوميا، مقابل 104 ملايين متر مكعب يوميا خلال الشتاء، رغم أن عدد أيام الصيف يبلغ 152 يوما فقط، مقارنة بـ213 يوما لفصل الشتاء، وهو ما يعكس ارتفاع الاستهلاك المائي خلال الصيف بصورة كبيرة.
ويعزى ذلك بصورة أساسية إلى التوسع غير المنظم في زراعة الشلب، التي تعد من أكثر المحاصيل استهلاكا للمياه. ففي بعض السنوات ترتفع المساحات المزروعة بالشلب إلى عشرة أضعاف مقارنة بسنوات أخرى، بسبب عدم وجود سياسة زراعية ثابتة أو سقوف مائية واضحة تحدد الكميات المياه الممكن إطلاقها لضمان تامين المياه لمختلف الاغراض على مدار سنتين مائيتين على الاقل. وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن زراعة الهكتار الواحد من الشلب تحتاج إلى كميات ضخمة من المياه مقارنة بمحاصيل الحبوب الأخرى، بسبب اعتماد أساليب الري بالغمر التقليدية السائدة في العراق.
ولا يقتصر الأمر على زراعة الشلب والخطة الزراعية عموما ، بل تفاقمت الأزمة المائية أيضا نتيجة الارتفاع الكبير في أعداد بحيرات تربية الأسماك، التي تسحب كميات ضخمة من مياه الأنهار والجداول دون وجود ضوابط صارمة أو خطط مدروسة، لاسيما خلال سنوات الوفرة .
هذا الواقع يكشف بوضوح غياب التنسيق الحقيقي بين وزارتي الزراعة والموارد المائية، وعدم وجود خطط استراتيجية ثابتة تتعلق بنوعية المحاصيل الزراعية، أو كميات المياه المتاحة، ونوعيتها المخزونة تحديدا في بحيرة الثرثار في السنوات الممطرة.
إن العراق بحاجة فعلية إلى إدارة مائية تقوم على اسس علمية حديثة وواضحة، تبدأ بتحديد حد أدنى وحد أعلى يحدد سنويا للمساحات المسموح بزراعتها بمختلف المحاصيل ، وربط ذلك بحجم الخزين المائي والإيرادات السنوية المتوقعة، مع التوسع الجدي في اعتماد تقنيات الري الحديثة كالري بالرش والتنقيط بدلا من الري بالغمر الذي يهدر كميات هائلة من المياه. كما يحتاج العراق إلى إعادة تنظيم قطاع تربية الأسماك، ووضع ضوابط دقيقة لاستهلاك المياه، وربط منح الإجازات الممنوحة للمشروعات السمكية بحجم الموارد المائية المتاحة سنويا.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن معالجة الأزمة المائية العراقية بمعزل عن التحرك الدبلوماسي والقانوني الخارجي. فالعراق يعتمد بنسبة كبيرة على مياه تأتي من خارج حدوده، ما يتطلب تفعيل الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالأنهار المشتركة، والاستفادة من قواعد القانون الدولي للمجاري المائية المشتركة ، ولاسيما اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 الخاصة باستخدام المجاري المائية الدولية للأغراض غير الملاحية، والتي تؤكد مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول وعدم الإضرار بدول المصب.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن انتظار "هبات السماء من الامطار " لم يعد سياسة قابلة للاستمرار في ظل التغيرات المناخية المتسارعة. فالأمن المائي العراقي بات يحتاج إلى إدارة علمية صارمة، وتخطيط طويل الأمد، وتنسيق داخلي حقيقي، وتحرك دبلوماسي فعال، لأن المياه لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل أصبحت قضية أمن قومي ترتبط بمستقبل العراق الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

المصادر المعتمدة:
1- وزارة الموارد المائية العراقية – بيانات الإيرادات المائية والخزين الاستراتيجي للسدود العراقية.
2- الهيئة العامة للأنواء الجوية والرصد الزلزالي العراقية – تقارير الأمطار والمواسم المطرية.
3- البنك الدولي: تقرير "العراق وتغير المناخ وإدارة الموارد المائية".
4- منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) – دراسات استهلاك المياه في الزراعة والري.
5- اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية.
6- دراسات ومقالات المهندس أحمد ناظم المتعلقة بالإطلاقات المائية وإدارة الموارد المائية في العراق.
ب. د. خالد خدر



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...
- التلوث المائي في نهري دجلة وديالى وتداعياته على الأمن البيئي ...
- الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا
- عندما تبقى مسألة العدالة بين أفراد المجتمع مؤجلة
- واقع السدود والخزانات العراقية في الموسم المطري 2025–2026 قر ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطن ...
- نحو سياسات مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء الاصط ...
- الموسم المائي 2025–2026 في العراق وإقليم كردستان: بين الوفرة ...
- البصمة الإنسانية .. الأثر الوحيد الذي يبقى رمزا للخلود
- فرق كبير بين أن تبدو صالحا اجتماعيا أمام الناس وأن تكون واقع ...
- قراءة في رتابة الحياة اليومية بوصفها مؤشرا على الاستقرار الن ...
- بمناسبة حلول العام الجديد 2026


المزيد.....




- كيف تضاربت تصريحات ترامب بشأن مصير -النووي- الإيراني؟.. تحلي ...
- أول تعليق أمريكي بعد انتهاء اجتماع ترامب بشأن إيران في -غرفة ...
- أمريكا تعلن -مصادرة عملات مشفرة إيرانية بمليار دولار-
- معركة الذكاء الاصطناعي.. كيف تحافظ أمريكا على مكانتها كقوة ع ...
- بعد حادثة رومانيا.. هل يفعّل الناتو المادة 5 من اتفاقية الدف ...
- -ترمب يُلقي بنا تحت الحافلة-.. تحذيرات إسرائيلية من اتفاق سي ...
- لماذا تفوق خالد بن الوليد على صلاح الدين؟
- نيويورك تايمز: هذه الوصفة هزمت أوربان وهي كفيلة بهزيمة ترمب ...
- قاضٍ أميركي يأمر بإزالة اسم ترامب من مركز للفنون.. ما القصة؟ ...
- سوريا.. أحمد الشرع يعلن حالة الطوارئ في دير الزور مع اتساع ف ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد محمود خدر - قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلية: كم هو العراق بحاجة إلى إدارة مائية مثلى