خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 08:31
المحور:
المجتمع المدني
قبل أربعة أعوام، وتحديدا في 3/6/2022، كتب السيد هيمان بابان رحيم في موقع rudawarabia.net مقالا تحت عنوان:
أربيل.. العثور على رفات جندي عراقي من حقبة حرب الثمانينيات
وأشار فيه إلى أن فلاحا كان يعمل في أرضه قرب منطقة حاج عمران التابعة لقضاء جومان، عثر على رفات جندي عراقي ظل مدفونا في العراء لعقود طويلة، قبل أن تُنقل الرفات إلى أقرب مركز شرطة.
وتبين من الهوية التي كانت ما تزال ترافق الرفات اسم الجندي، وكان من أهالي عينكاوا، ويعمل قبلها معلما في منطقة قرداغ بمحافظة السليمانية، قبل أن يُستدعى للخدمة العسكرية ويُقتاد إلى الحرب، تاركا وراءه اللوحة والكتب وأحلام الأطفال، ليتحول فجأة من معلم يصنع الحياة إلى رقم مفقود في سجلات الموت.
وقبل أيام قليلة، قرأت مقالا آخر حمل عنوانا مؤلما:
مسافر عاد إلى الوطن عن طريق السيول بعد غياب دام أكثر من خمسة وثلاثين عاما.
وفي متن المقال وصف الكاتب كيف جرفت السيول القادمة من إيران رفات جندي عراقي آخر نحو منطقة المشرح في العمارة، بعد سبعة وثلاثين عاما من اختفائه في الحرب العراقية الإيرانية.
وأضاف الكاتب مسترسلا: عاد الرجل متأخرا جدا، لا يحمل معه سوى عظام أنهكها الزمن، وساعة توقفت عقاربها عند لحظة مجهولة من الألم، وعشرين فلسا، وقلم، وقرص معدني كُتب عليه اسمه.
أي قسوة هذه التي تجعل الإنسان يعود إلى وطنه محمولا على موجات السيول، بعدما عجزت الحكومات والحروب والجيوش عن إعادته حيا أو ميتا؟
إن المأساة العراقية لا تكمن في كثرة الحروب وحدها، بل في أن الإنسان العراقي ظل دائما الوقود الأرخص لها. فالمهندس والمعلم والفلاح والعامل، جميعهم تحولوا في لحظة ما إلى جنود في معارك لم يختاروها، ثم إلى أسماء منسية في قوائم المفقودين، أو إلى رفات تنتظر الصدفة كي تُكتشف بعد عقود.
لقد انتهت تلك الحرب، وعادت ناقلات الجند إلى المدن، لكن الحروب في العراق لم تتوقف. حرب أعقبتها أخرى، ثم ثالثة ورابعة، ثم أعمال إرهابية، حتى صار العراقي يولد في ظل حرب أو على مرمى نيران الإرهاب، ثم إذا كتب له القدر النجاة، يكبر على أخبار الموت، ويشيخ وهو ينتظر نهاية لا تأتي.
والمفارقة المؤلمة أن كل حرب كانت تُقدَّم بوصفها المعركة الأخيرة أو التضحية الكبرى، لكن الزمن أثبت أن الجنود وحدهم هم من يدفعون الثمن الحقيقي، بينما تتبدل الشعارات، وتتغير الأعلام، ويموت القادة، وتبقى الأمهات وحدهن يحرسن صور الغائبين.
ما أقسى أن يتحول الوطن إلى ذاكرة مثقلة بالرفات. رفات في الصحارى، وأخرى في الجبال، وثالثة في الأنهار والوديان، وآلاف منها لم يُعثر عليها حتى اليوم، وكأن العراق لا يدفن أبناءه بالكامل، بل يترك أجزاء منهم معلقة بين الأرض والسماء، شاهدة على عقود طويلة من الدم والخذلان.
إن أكثر ما يوجع في هذه الحكايات ليس الموت ذاته، فالموت قدر الجميع، وإنما ذلك النسيان البطيء الذي يبتلع الضحايا بعد انتهاء المعارك.
فالجندي الذي كان يوما يهتف للوطن، ينتهي بعد سنوات مجرد عظام متناثرة، أو ساعة متوقفة، أو هوية مهترئة يعثر عليها فلاح بالصدفة أو تجرفها السيول بسهولة.
هكذا يصبح الإنسان في الحروب رقما مؤقتا، ثم خبرا عابرا، ثم رفاتا صامتة.
لكن تلك الرفات، رغم صمتها، تظل تصرخ في وجه العالم كله:
لا توجد حرب تنتصر حقا، لأن الخاسر الأكبر فيها دائما هو الإنسان.
سلام على آلاف العراقيين الذين ابتلعتهم الحروب ولم يعودوا او عادوا بعد أن فقد الزمن أسماءهم وملامحهم.
وسلام على الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن عند الأبواب عقودا طويلة، قبل أن يُودَعن في أكفان الغياب.
هذا هو قدر العراقي المؤلم، أن يحمل وطنه في قلبه، بينما تحمله الحروب إلى المنافي والمقابر والمجهول، ليبقى، حتى بعد موته، مسافرا يبحث عن طريق العودة بمعول فلاح أو تدفق سيل جارف يعرف طريقه إلى وطنه.
إن قصتي هذين الشابين ليستا مجرد عودة جثمان إلى مسقط رأسه في وطنه بعد سنوات غياب طالت عقودا، بل عودة سؤال مؤلم ظل معلقا في ضمير وذاكرة العراقيين:
كم من الأبناء ابتلعتهم الحروب ثم نسيهم الجميع، وكأنهم لم يكونوا يوما أحلاما وأسماء وقلوبا تنبض بالحياة؟
إن أكثر ما يوجع في حكايات كهذه ليس الموت وحده، بل الصمت الطويل الذي يحيط بالموتى والمفقودين. سنوات تمر دون سؤال، ودون بحث حقيقي، ودون عدالة تُنصف العائلات التي بقيت معلقة بين الأمل والحداد.
ونفس الشيء يقال عن المفقودين من ضحايا حرب الخليج الأولى والثانية، ثم الحروب بسبب الإرهاب ، وكأن عشرات الآلاف من الجنود والشباب وضحايا الإرهاب في المقابر الجماعية التي لا تعد، ولم يُستكشف الكثير منها حتى الآن، ومنها أعمال الإبادة ضد المكون الإيزيدي في سنجار، الذين سقطوا في مختلف هذه الحروب، قد تحولوا إلى أرقام باردة في ذاكرة المعنيين، بينما كانت أمهاتهم وآباؤهم يعيشون حربا أخرى لا تنتهي: حرب الانتظار.
الحروب لا تسرق الأرواح فقط، بل تسرق أعمار العائلات، وتحول البيوت إلى أماكن ناقصة إلى الأبد. أم تنتظر طرقة باب لن تأتي، وأب يشيخ وهو يحدق بصورة ابنه، وزوجة عاشت نصف عمرها بين الرجاء واليأس، وأطفال كبروا وهم لا يعرفون معنى وجود الأب إلا في الصور والقصص.
لقد أفرغت الحروب وحملات الإرهاب والإبادة في العراق من الكثير من أبنائه وخاصة ابناء الاقليات الدينية الأصليين، حتى صار الوطن يخسر في كل حرب جزءا من روحه، لا مجرد عدد من سكانه.
وليس مشهد رفات الجندي الذي عثر عليه فلاح أثناء حراثة أرضه في إحدى نواحي قضاء جومان، أو مشهد رفات الجندي الآخر التي جرفتها السيول بعد عقود، سوى حالتين فقط، على كبر فاجعتهما، تعبران عن هذا الوجع العراقي الطويل، وكأن الأرض العراقية نفسها ما تزال تحتفظ بأبنائها المفقودين، وتعيدهم تباعا لتذكر الجميع بأن الحروب لم تنته حتى لو صمتت البنادق.
فما تزال رفات عشرات الآلاف من الجنود أو رفات ضحايا الإرهاب مجهولة المكان، أو في مقابر جماعية، كما في حالة حملة الإبادة ضد الإيزيديين بعد أن غزا الدواعش منطقة سنجار، تنتظر من ينقب عنها، ليعيد الأسماء إلى أصحابها، ويمنح الضحايا بعضا من العدالة التي تأخرت كثيرا.
أما العراق، فما الذي جناه من كل ذلك؟
مدن منهكة، أجيال مثقلة بالخوف والفقد، ملايين الأرامل والأيتام، اقتصاد محطم، وذاكرة وطنية مليئة بالمقابر أكثر من المشاريع والأحلام.
تعاقبت الحروب والشعارات والانتصارات المعلنة، لكن المواطن العراقي بقي يدفع الثمن دائما: من دمه، ومن مستقبله، ومن كرامة حياته.
والأخطر من كل ذلك هو محاولة تحويل الحروب إلى شيء مقدس، وكأن الموت صار واجبا أبديا، وكأن الدم صار الطريق الوحيد لإثبات الولاء.
لكن الحقيقة التي يجب ألا تضيع وسط الضجيج هي أن الإنسان هو القيمة الأقدس، وأن حياة الشباب ليست مادة للحروب ولا أرقاما تُستهلك في خطابات من يدفع باتجاه الحروب.
فلا قداسة لحرب تبتلع أبناء الفقراء وتترك الأمهات في ثياب الحداد.
ولا مجد في معركة يعود منها الوطن أكثر تعبا وأقل حياة.
الشيء الوحيد الذي يستحق التقديس حقا هو الإنسان، لأنه في كل حرب يكون الضحية الأولى… وربما الأخيرة أيضا.
لذلك فإن عودة شهيد بعد كل هذه السنوات ليست حدثا عابرا، إنها تذكير قاس بأن الأوطان التي لا تحفظ أبناءها تتحول فيها الذاكرة إلى مقبرة مفتوحة، وأن الإنسان البسيط كان، وما يزال، الوقود الأرخص لكل الحروب.
وإذا كان حاضر العراق اليوم مثقلا بالمقابر والحروب والخراب، فإن المفارقة الأكثر إيلاما تكمن في المقارنة بين ما أراده الأجداد الأوائل بناة هذه الأرض، وما آلت إليه اليوم.
فقبل أن تعرف البشرية معنى الإمبراطوريات، كانت أوروك تبني أول ملامح الحضارة على ضفاف الفرات.
مدينة خرج منها اسم كلكامش، الملك الذي تحول إلى أسطورة إنسانية خالدة، ومدينة ارتبطت بالإلهة عشتار التي مثلت رمزية القوة والحياة في حضارة بلاد الرافدين.
في أوروك لم تبدأ قصة مدينة فحسب، بل بدأت فكرة الحضارة نفسها. هناك وُلدت الكتابة الأولى، وهناك بدأ الإنسان يحول الطين إلى معرفة، والخوف إلى قانون، والفوضى إلى عمران. ومنها اشتق اسم العراق.
كان هم الأجداد أن يبنوا بلاد الرافدين علما وحضارة وإنسانا، فنجحوا قبل آلاف السنين في أن يجعلوا من هذه الأرض منارة للعالم كله.
لكن بعد آلاف السنين من ذلك المجد، تحول كثير من شباب العراق إلى حطب لنيران الحروب التي لا تنتهي، حروب لم تمنح العراق سوى الموت والدمار والهجرة والخراب.
هكذا، بدل أن تُستثمر طاقات الشباب في بناء الجامعات والمختبرات والمصانع والمدن، أُهدرت أعمارهم بين الجبهات الخارجية والداخلية، والمقابر والمنافي.
وهنا تكمن المأساة الكبرى:
أرض علمت البشرية الكتابة، أصبحت عاجزة عن كتابة مستقبل آمن لأبنائها.
ووطن كان مهد الحضارة، صار أبناؤه يفتشون عن أبسط مقومات الحياة والأمان.
وربما لو عاد أولئك الأجداد الذين شيدوا الحضارات على ضفاف دجلة والفرات، لذهلوا من حجم التراجع، ولسألوا بحزن:
كيف تحولت الأرض التي أنجبت أول حضارة في التاريخ إلى ساحة مفتوحة للحروب والدم والضياع؟
وكيف صار الإنسان العراقي، الذي علم العالم معنى المدنية، مجرد رقم جديد في قوائم الضحايا؟
لقد أفرغت الحروب والإرهاب العراق من كثير من أبنائه الأصليين، حتى صار الوطن يخسر في كل حرب جزءا من روحه، لا مجرد عدد من سكانه.
وهنا يبرز السؤال الكبير:
إلى أين، والواقع الاقتصادي والاجتماعي والخدمي يبكي الحجر قبل البشر؟
بلد يمتلك كل هذا التاريخ والثروات، لكنه ما يزال يدور في دائرة الدم والتراجع والانقسام.
وحتما، لو عاد ذلك الجندي الذي جرفته السيول حيا بعد كل هذه السنوات، لوقف مذهولا أمام ما آل إليه حال العراق، ولسأل بحسرة:
كم من الدماء أُهدرت، ولا تزال، من أجساد عراقيين مثلي، بينما لا يزال الوطن يسير إلى الخلف بدل أن يتقدم إلى الأمام؟
كم من الأمهات ثكلن أبناءهن، وكم من الأحلام دُفنت تحت التراب، دون أن يتحقق للعراقيين وطن آمن يليق بكل تلك التضحيات؟
فالأوطان لا تُبنى بالموت المستمر، ولا تتعمر البلدان بتحويل الإنسان إلى وقود دائم للحروب.
الأوطان تُبنى بالعدالة، والعلم، والسلام، واحترام كرامة الإنسان، لأن الإنسان هو الثروة الحقيقية الوحيدة التي إذا خسرها الوطن خسر كل شيء.
المصادر المعتمدة:
١ موقع روداو ، أربيل.. العثور على رفات جندي عراقي من حقبة حرب الثمانينيات ، 2026/3/6
https://www.rudawarabia.net/arabic/kurdistan/030620221?fbclid=IwdGRjcASAZ8RjbGNrBIBnvGV4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkDDM1MDY4NTUzMTcyOAABHvvxQ0gvpJz1t1cFYxUWiW5jszlF3sBQAzjrn08IX7shvM8NYBYgriTsJBy6_aem_dAfyD3FBaTifkFlySQXm8w
٢
https://www.facebook.com/share/p/1GT48gtbFr/
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟