أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا















المزيد.....

الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 00:05
المحور: المجتمع المدني
    


الكثير يظن أن اللطف يُقابل باللطف، وأن النية الصافية تثمر نية مماثلة او اقله تجد صداها في قلوب الآخرين. غير أن التجارب مع مرور الزمن، تعيد تشكيل هذا التصور وتضعه أمام اختبار قاس. فليس كل الناس في هذه الحياة تعمل دائما وفق مبدأ المعاملة بالمثل، وبما تستحقه المواقف، بل هناك من يعمل وفق ما هو أعمق يعكس ما في دواخلهم، أي أنهم يفهمون المقابل كما يريدون أن يفهمونه وليس بمواقفة ونياته الطيبة. ولهذا فإن أكثر الناس طيبة لا يُساء فهمهم أكثر من غيرهم فقط، كما عبّر الأديب الروسي فيودور ديستويفسكي، بل تجد هؤلاء الناس يبررون طيبة المقابل بما يعكس ما يحملون من سوء نية تجاهه.

يساء فهم اكثر الناس طيبة، لأنهم يفترضون في الآخرين ما يفترضون في أنفسهم، في وقت يكون بين الآخرين من يؤولون كلماتهم بما يخدم تصوراتهم. ولكن يبقى من كان ممتلئا بالثقة يرى في أفعال الآخرين حسن نية، ومن كان مثقلا بالشك وسوء النية يقرأ بين الكلمات تهديدا أو تقليلا، أي أن كل ما لا يعونه في أنفسهم يسقطونه على الآخرين، وبالتالي فإن المشكلة لا تكمن دائما في ما نقوله أو نفعله، بل في الطريقة التي يستقبل بها الآخر هذا القول والفعل.

في الواقع اليومي، تتجلى هذه الإشكالية في صور متعددة. فقد يبذل موظف مخلص جهدا إضافيا بدافع التفاني، فيساء تفسير سلوكه على أنه تملق أو محاولة للتقدم على حساب الآخرين. وعلى صعيد العلاقات الاجتماعية، قد يعبر شخص عن اهتمام صادق بصديقه، فيفهم ذلك على أنه تدخل في الخصوصيات أو رغبة في فرض الرأي والسيطرة. أما في محيط الأسرة، فقد تتخذ المسألة بعدا أكثر قسوة، حين يستغل بعض الأقارب او احد الإخوة طيبة أحدهم تحت غطاء التعاون وتبادل أدوار الإخوة ، فيستنزفون ما جمعه عبر سنوات من الجهد والعمل، ثم تجدهم عندما يأتي دورهم ينسحبون ، بعد ان حققوا مصالحهم دون اكتراث. وحتى إن أعادوا شيء يسير من حقوقه، فغالبا ما يكون ذلك تحت ضغط وتدخل الآخرين، وبعد مشقة بالغة استهلكت من الاول عقودا من السنين ذهبت بالعمر وريعان الشباب واتعابه التي كان يفترض به ، ان يبني بها نفسه وعائلته ولكن اثر من اشرت له على نفسه وعائلته بحسن نية ليعيش عمره اثر ذلك ندما ووجعا.

في كل الحالات هذه، يبقى الفعل واحد، لكن بقراءات مختلفة، لأنها نابعة من داخل المتلقي لا من حقيقة الفعل ذاته وحسن نية الفاعل.

عليه فإن حسن النية او النية الطيبة لا تكفي وحدها لحماية الإنسان من سوء التأويل، وإن كانت تحفظ قلبه نقيا من التشوه من اسقاطات البعض. ولكن من اشرت لهم حالات نمطية، لا يقاس بهم، لأنهم اسرى أطماعهم ومكرهم، وتبقى الخيبة في البعض من الناس وتحديدا الخيبة ممن احسنت اليهم، لا تعني أن يتخلى الإنسان عن طيبته، بقدر ما تعني أن يتعلم الإنسان من تجاربه معهم مهارة رسم الحدود، أي أن يتقن فن المسافة الآمنة، التي غالبا ما تأتي باكتمال نضج الإنسان، أي نضج ليس بمعنى ان يفقد فيه نقاءه، بل أن يحسن حماية نفسه.

كما يجابه ايضا الإنسان في حياته الكثير من المواقف التي تحتاج أن يتعامل معها ببرود او حياد وفق ما يتطلب رسمه من حدود، كي يحمي نفسه من الاستنزاف أو الاستغلال، وكي لا يقع في خيبة ثانية نتيجة طيبته الزائدة أو غير المحدودة، فالخيبة لم تأت من خطأ الطيبة، بل من غياب الحدود التي تمنع صاحب النية الطيبة بلا وعي وإدراك من ان ياخذ بالاعتبار احتمال أن تكون او تتحول حسابات ونيات وتصورات المقابل له إلى استنزاف ينهك حياته او مستقبله، ذلك أن النية الحسنة بلا حزم قد تساء قراءتها كضعف او تستغل كفرصة لا تأتي المقابل الا كفرصة نادرة. هذا الدرس الجوهري يدخل الإنسان في مرحلة النضج، نضج ليس بوصفه تخليا عن النقاء، بل كقدرة على حمايته من الآخرين، بما لا يجعل قلبه يتحول الى ساحة معركة ندما، بدلا من أن يدعه مكانا للسلام والأمان ببوابة يحسن حراستها.
في الحياة ايضا، يمكن أن نجد أحد أكثر الجوانب تعقيدا في العلاقات بين الناس تتمثل بوجود أشخاص لا يسعون إلى الحقيقة، بقدر ما يسعون إلى تأكيد نظرتهم او لنقل تصوراتهم المسبقة عن غيرهم. هؤلاء الاشخاص لا يصغون لوجهة نظر تاتي من احدهم، ليس لأنهم عاجزون عن الفهم، بل لأنهم غير راغبين في سماعها. فالحقيقة لديهم ليست هدفا، بل تهديدا لصورة مستقرة رسموها في أذهانهم. وهذا ما يفسره علم النفس بمفهوم الانحياز التأكيدي، حيث يميل الإنسان إلى البحث عما يؤكد قناعاته وتجاهل ما يناقضها.
وللتوضيح اكثر نضيف، أن هناك اشخاص لن يطلبوا ابدا سماع رأيك إزاء حالة معينة، ولن يمنحوك فرصة الدفاع عن نفسك، ليس لأن الحقيقة غائبة عنهم، بل لأن الرواية المفبركة التي وصلتهم عنك تناسب تماما النظرة التي اخذوها عنك مسبقا في مخيلتهم.

هؤلاء الاشخاص لا يرون الحقيقة كما هي، بل كما يحبون أن يروها. وغالبا يحتاجون هؤلاء لشخص يقوم بدور الشرير لكي يشعروا هم بالرضا عن أنفسهم.
عليه كم يتوجب على الإنسان إن لا يهدر طاقته في إصلاح صورة رسمها أحدهم له بألوان الحقد أو الجهل.

في الحياة اليومية، يظهر كل هذا بوضوح بشكل او بآخر في الخلافات العائلية أو المجتمعية بين الافراد او حتى في العمل الوظيفي أو المهني. قد يتهم أحدهم بشيء لم يفعله، ويحاول الشرح، لكنه تكتشف أن الحكم قد صدر مسبقا. ليس لأن الأدلة كافية، بل لأن القصة التي تناسب الطرف الآخر قد اكتملت بالفعل. وهنا، يصبح الدفاع عن النفس أشبه بمحاولة إقناع شخص يرى بعين واحدة أن يستخدم العين الأخرى. وقد أشار الفيلسوف فريدريك نيتشه إلى هذا حين قال:
احذر من أن تتحول إلى الوحش الذي تقاتله، فالنظر طويلا في الظلام قد يجعلك جزءا منه.

هكذا تجد بين الناس شخصا لا يبحث عن الحقيقة، بل عن دور يؤديه في مسرح حياته، حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين.
أمام هذه التعقيدات، يتعلم الإنسان درسا بالغ الأهمية مفاده ان لا يهدر طاقته في تصحيح صور رسمت له بألوان مشوهة. فليس كل سوء فهم يحتاج إلى توضيح، وليس كل حكم يستحق الدفاع. أحيانا، يكون الانسحاب بصمت من حياة هؤلاء أبلغ من ألف تبرير.

وفي خضم كل ذلك، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على التوازن:
أن لا يصبح الإنسان قاسيا ردا على القسوة، ولا ساذجا بدافع الطيبة. مثلما عليه أن يدرك أن إرضاء الجميع وهم مستحيل، وأن الاعتناء بالنفس ليس أنانية بل ضرورة.
الخيبات التي يقع فيها الانسان لا تعني أن يتخلى عن طيبته، بل أن يعيد توجيهها بوعي.

هكذا تعلم الحياة الإنسان انه ينبغي عليه ان لا يكون قاسيا مع نفسه ولا يحاول دائما أن يسعد الجميع على حساب سعادته الشخصية، فهو ايضا وعائلته بحاجة إلى الاهتمام وإلى الحنان وإلى الراحة.


ب. د. خالد خدر



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تبقى مسألة العدالة بين أفراد المجتمع مؤجلة
- واقع السدود والخزانات العراقية في الموسم المطري 2025–2026 قر ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطن ...
- نحو سياسات مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء الاصط ...
- الموسم المائي 2025–2026 في العراق وإقليم كردستان: بين الوفرة ...
- البصمة الإنسانية .. الأثر الوحيد الذي يبقى رمزا للخلود
- فرق كبير بين أن تبدو صالحا اجتماعيا أمام الناس وأن تكون واقع ...
- قراءة في رتابة الحياة اليومية بوصفها مؤشرا على الاستقرار الن ...
- بمناسبة حلول العام الجديد 2026
- قراءة اجتماعية في جذور التربية العائلية وإخفاقاتها / الجزء ا ...
- قراءة اجتماعية في جذور التربية العائلية وإخفاقاتها / الجزء ا ...
- قراءة اجتماعية في جذور التربية العائلية وإخفاقاتها / الجزء ا ...
- ثقافة الحوار والاختلاف: أساس التماسك الاجتماعي في زمن الإنتر ...
- إدارة التنوع واحترام الاختلاف: مقاربة في التعايش المجتمعي وب ...
- ادارة التنوع واحترام الاختلاف: مقاربة في التعايش المجتمعي وب ...


المزيد.....




- الأمم المتحدة: -إسرائيل- تقتل طفلاً فلسطينياً كل أسبوع في ال ...
- برعاية الأمم المتحدة.. لجنة 4+4 الليبية تعقد اجتماعها الثاني ...
- العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تحذران من تضييق غير مسبوق عل ...
- القمة الفرنسية الأفريقية المشتركة -أفريقيا إلى الأمام-... آف ...
- 78 عامًا على النكبة.. الفلسطينيون يستحضرون ذاكرة التهجير بمس ...
- الكويت: اعتقال 4 من الحرس الثوري الإيراني -حاولوا التسلل- إل ...
- يونيسف: هجمات المستوطنين الإسرائيليين تهدد سلامة الأطفال الف ...
- العفو الدولية تتهم اتحاد البث الأوروبي بالجبن تجاه جرائم إسر ...
- الأمم المتحدة: 880 قتيلا مدنيا على الأقل بالمسيّرات منذ بداي ...
- مناقشات خليجية بريطانية لتذليل المعوقات المتعلقة باتفاقية ال ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا