خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 10:07
المحور:
المجتمع المدني
في هذا العصر الرقمي المتسارع، حيث تتشابك التكنولوجيا مع العولمة تشكلان معا شبكة تمتد إلى كل تفاصيل الحياة، أصبح العالم أقرب إلينا من أي وقت مضى ، فصور الآخر المختلف، مهما ابتعدت المسافات، باتت حاضرة أمامنا عبر الأفلام والبرامج الوثائقية والمنشورات المتدفقة بلا انقطاع. هذا التدفق الهائل للمعرفة جعل التنوع البشري في اللغة والثقافة والقيم والمظهر حقيقة تعايشها أعيننا يوميا. ولم تعد الثورة الرقمية مجرد نافذة نطل منها على الآخرين، بل أصبحت مساحة تعيد تشكيل رؤيتنا للعلاقات بين الشعوب، وبين مكونات الشعب الواحد، وصولا إلى أدق مستويات العلاقات داخل الأسرة والمجتمع.
تمثل هذه الثورة فرصة ثمينة لفهم التنوع وإدارة الاختلاف على نحو يرسخ الاحترام المتبادل. الحوار الرشيد قادر على تقريب وجهات النظر وتوسيع المدارك، بينما يؤدي غياب ثقافة الحوار إلى آثار سلبية يتضرر منها الجميع. إن الاختلاف ليس تهديدا، بل طاقة كامنة يمكن أن تبني مجتمعات أكثر تماسكا، شرط أن نملك القدرة على إدارته بعقول ناضجة وقلوب واسعة، تستند إلى الحكمة والهدوء لا إلى التسرع والتشنج.
أما ثقافة الاختلاف فلا تنفصل عن ثقافة الحوار، فهما وجهان لعملة حضارية واحدة. وقد أشار ستيفان كوفي بدقة إلى أن مأزق التواصل يكمن في أننا لا نصغي لنفهم، بل نصغي لنجيب. وحين يندفع المرء إلى الكلام دون محاولة لفهم آراء الآخرين، يتحول هذا إلى رفض تلقائي للآخر، فهو لا يستمع ليحكم، بل ليعارض. وعندما يتحول الاستماع إلى مجرد انتظار لالتقاط الدور في الكلام، يغيب الفهم، ويولد رفض تلقائي للآخر حتى قبل اكتمال فكرته.
ورغم ما أتاحته الثورة الرقمية من مصادر للتعلم عبر المكتبات العالمية الإلكترونية والمواقع العلمية والثقافية وغير ذلك الكثير، فإن واقع التواصل بين بعض الأفراد والمجموعات يكشف استمرار ضعف ثقافة الحوار وغياب احترام الرأي المختلف. وتتحول النقاشات في كثير من الأحيان إلى بيئة طاردة للرأي الآخر، ما يعكس خللا في الوعي الجمعي، ويعمق الانقسامات بدل معالجتها.
فالاختلاف الطبيعي بين شخصين يتحاوران لا ينبغي أن يكون شرارة خصومة، بل فرصة لتبادل الأفكار. فلكل منهما جزء من الحقيقة، وعندما يدار الاختلاف بنضج ويتحول إلى مساحة لاختبار الأفكار وصقلها، وإلى جسر لفهم أوسع للواقع. غير أن ما نشهده اليوم، خصوصا عبر الفضائيات ومنصات التواصل، هو انزلاق الحوار إلى تراشق لفظي أو شخصنة للنقاش، تغذيه الانفعالات والرغبة في الظهور، على حساب جودة التفكير ومسؤولية الكلمة.
الحوار الحقيقي ليس ساحة استعراض أو وسيلة لفرض الذات، بل ممارسة تهدف إلى تكريس روح القبول وبناء الثقة. وعندما تكون المعلومة دقيقة وموثوقة، يصبح الحكم أكثر موضوعية، ويغدو الحوار مساحة للتلاقي لا ميدانا للخصومة. فجوهر الحوار ليس الانتصار في نقاش عابر، بل الإسهام في تأسيس ثقافة تضع الفكرة فوق الشخص، والحقيقة فوق المصالح الضيقة. وعندها فقط تتحول النقاشات العامة، على أرض الواقع أو في الفضاء الرقمي، إلى فضاء حضاري يعكس نضج المجتمع وقدرته على الاحتفاء بالاختلاف.
إن وجود وعي ناضج داخل الحوار يشكل أرضية لبناء التفاهم والتعايش. غير أن ما نراه من تعليقات جارحة وردود مليئة بالسباب والشتم على منصات التواصل، تجاه جماعة أو مكونات معينة بسبب أحداث أو معلومات مضللة، يكشف هشاشة في ثقافة الاختلاف والحوار. فبعض المتصيدين يستغلون الأخطاء والشائعات أو يطلقونها للإساءة إلى مكونات مجتمعية معينة، مما يدفع نحو مزيد من الانقسام والكراهية. ويزيد المشهد تعقيدا حين يظهر بعض المسؤولين والمحللين عبر الشاشات وهم يتبادلون الشتائم وكأنهم يرسخون نموذجا سلبيا للحوار العام.
لقد كشفت مواقع التواصل عن ظاهرة أشد خطورة، تتمثل في استهداف المختلف بأقذع العبارات، لأسباب شخصية أحيانا، وأحيانا بدافع كراهية مبنية على الدين أو العرق. وهو أمر يهدد الوحدة الوطنية ويؤجج الطائفية والعنصرية، ويجعل من الضروري على أجهزة الدولة المعنية وضع ضوابط تمنع انتشار هذه الممارسات على نطاق واسع.
وفي هذا السياق، تأتي الإسهامات المهمة للدكتور سعد سلوم، الذي عمل طويلا على رصد خطابات الكراهية في العراق. فقد بين في مقاله المنشور في صحيفة المدى العلاقة بين الإعلام وخطاب الكراهية، مستشهدا بتجربة رواندا عام 1994 التي أدت إلى مذابح جماعية لقبيلة التوتسي، كما أشار إلى دور الجماعات المتطرفة في استغلال وسائل التواصل لبث الكراهية والتحريض. وكشفت تقارير لمؤسسة مسارات العراقية حجم التحديات التي تواجه المجتمع الإيزيدي خصوصا، إذ رصدت في نيسان وأيار 2023 آلاف الرسائل العدائية عقب إشاعة كاذبة اتهمتهم بحرق مسجد في سنجار. كما سجلت المؤسسة أكثر من 344 ألف رسالة كراهية خلال 24 ساعة وأكثر من 4 ملايين رسالة خلال 13 يوما استهدفت الإيزيديين وأقليات أخرى، وهو ما يؤكد أن خطابات الكراهية أرض خصبة للعنف، حتى لو لم تكن سببا مباشرا له.
ويشدد هنا الدكتور سلوم على ضرورة الرصد المبكر للخطاب التحريضي، وسن قوانين مكافحة التمييز والكراهية، ودعم استقلالية الإعلام وتعدديته، بوصف ذلك شرطا أساسيا لسلام المجتمع ومنع تكرار حلقات العنف الجماعي.
بعيدا عن خطابات الكراهية والتحريض فإن لكل فرد الحق في التعبير عن رأيه، غير أن احترام حق الآخرين في إبداء آرائهم واجب لا يقل أهمية عن حرية التعبير، وباحترام حدود الحرية الشخصية يمكن ضمان ثقافة الاحترام، كي لا يخسر أحد الآخر. الاختلاف يمكن أن يكون مصدر إلهام ونجاح، بينما الانغلاق على الرأي يمنع الإنسان من الاستفادة من ثراء الأفكار وتلاقحها الذي يمثل أحد أسباب ازدهار الأمم. يبقى الاحترام هو صمام أمان العلاقات الإنسانية ويحُول دون انغلاق العقل وضيق الأفق. فقد بينت التجارب أن المجتمعات التي تحتضن الاختلاف وتثمن التنوع هي المجتمعات الأكثر قدرة على الإبداع والازدهار.
يشير الحقوقي وليد عبدالحسين جبر إلى قاعدة بسيطة وعميقة في آن واحد: احترم حتى تُحترم. فالتجاوز يولد تجاوزا، والاعتداء يولد ردا مماثلا، ما يجعل الاحترام ليس خيارا بل ضرورة لضمان استقرار المجتمع.
تقول البروفيسورة كريمة الشامي في مقال لها بعنوان ثقافة الاحترام قبل ثقافة الرأي، نشرته على صفحتها في فيسبوك: في زمن أصبح فيه الجميع يتحدث، قل من يصغي. صرنا نرى مناقشات تتحول إلى معارك، وحوارات تفقد معناها لأننا نسينا أن الاختلاف لا يعني العداء، وأن الرأي لا يفرض، بل يعرض بأدب. يعتبر الاختلاف دليلا على تنوع العقول واختلاف زوايا النظر، كما أن احترام الرأي والاختلاف ليس رفاهية، بل ضرورة. فقد أضعف انغلاق العقول ترابط المجتمع وتسامحه، بينما يعد احترام الرأي أساس أي تطور علمي وثقافي.
الاختلاف ليس تهديدا، بل مساحة فكرية لا يتقنها إلا الواثقون، وهو دليل على ثراء العقول وتنوع زوايا النظر. والاختلاف ليس سببا للعداء، بل فرصة لتبادل الأفكار وتطويرها عندما يدار بوعي ونضج. لذلك فإن غياب الاستماع الحقيقي وتحول النقاشات إلى سجالات وشخصنة يعمق الانقسامات، بينما يجعل الحوار الراشد المجتمع أكثر قدرة على الفهم والتعايش. من يرفض الاختلاف إنسان يخشى انكشاف نقصه وسط تنوع الآراء. يبقى الاختلاف ثراء يعلم المجتمع ويحرره من قيوده، والعقول الراقية هي التي تتحاور، لا التي تتشابه. أما الشتائم والاتهامات فليست رأيا، بل فقرا في الوعي. والمجتمع الذي يسمح للرداءة أن تتصدر يخسر فرصة التطور.
فالاختلاف قوة يمتلكها من تحرر من عقلية القطيع وامتلك شجاعة أن يكون نفسه.
تكمن أهمية ثقافة الحوار والاختلاف بوصفها قاعدة أساسية للتماسك الاجتماعي في زمن الإنترنت ووسائل التواصل. والتنوع البشري أصبح أكثر وضوحا بفعل الثورة الرقمية، لكن ذلك لن يمنع انتشار خطاب الكراهية وضعف احترام الرأي الآخر. إن الاحترام قيمة مركزية لحماية المجتمع وقاعدة لأي تطور علمي وثقافي. فحين يغيب الاحترام، تتفكك الروابط، وتضعف القدرة على التعايش، ويتراجع الإبداع. كما أن الحوار الهادئ، والانفتاح على الاختلاف، والوعي الأخلاقي، هي الأدوات الحقيقية لبناء مجتمع ناضج يحتضن التنوع ويستثمره في الإبداع والتطور.
كلمة أخيرة: لا قيمة لحياة تخلو من الاحترام والأخلاق، مهما ازدانت بالمناصب أو المظاهر. فالمحبة والصداقة والتماسك الاجتماعي جميعها تنهار عندما يسقط الاحترام الذي هو قيمة لا تشترى ولا تفرض، بل تكتسب بالوعي والتربية. لا معنى لحياة إنسان خالية من الاحترام والذوق والأدب والأخلاق، حتى لو ملك الدنيا وما عليها. نعم البشر طيبون بالفطرة ومتسامحون بالثقة، لكن يبقى الاحترام والصدق هما أساس كل علاقة ناجحة بينهم. فحين يسقط الاحترام بين الناس، لا تبقى للصداقة قيمة، ولا للمجتمع تماسك، ولا للقرابة صلة، ولا حتى للمحبة معنى. والأدب لا يباع ولا يشترى، إنه بصمة تتربى عليها النفوس، وعنوان لمن عرف قيمة ذاته.
والتوعية لبناء ثقافة الاختلاف والاحترام تبدأ من أبسط الأشياء: أن نحترم من يخالفنا، وأن نفهم أن الرأي هو انعكاس تجربة، لا إعلان حرب، كما عبرت عنه البروفيسورة أميرة الشامي.
لتكن التربية على أن الاحترام ليس ضعفا، بل نبلا، ولنتعلم أن نختلف، ولكن بأدب وحكمة. لنصغِ لبعضنا بقلوبنا وعقولنا، لنحتضن الآخر ونعطي مساحة لرأيه. ويبقى الحوار الهادئ أقوى من الصراخ والإساءة. هي دعوة لنا جميعا لنتعلم أن نختلف بأدب، وأن نصغي بقلوب تتسع للجميع. فعندما تزدهر ثقافة التفاهم والاحترام، يولد مجتمع يثمر أفكارا، وينتج إبداعا، ويجعل من الاختلاف مصدر قوة وغنى، لا سببا للانقسام. وعندها فقط يمكن أن نضع لبنة لوطن يتسع للجميع على أساس المواطنة. نعم هي دعوة لنا جميعا لنصنع مجتمعا راقيا يحترم الإنسان والفكر، ويزرع ثقافة الاحترام والتعايش، لنصل إلى مجتمع يثمر الأفكار، وينتج الإبداع، ويحتضن الاختلاف كمصدر قوة وغنى، لا كسبب للانقسام. وعندها يمكن الشروع ببناء وطن يضاهي بقية الأوطان.
المصادر المعتمدة:
1. أمنشار، نعمان.
ثقافة الاختلاف.. تلاقح الأفكار والآراء سبب ازدهار الأمم! الجزيرة نت. 27 فبراير 2018.
https://www.aljazeera.net/blogs/2018/2/27/
2. الشامي، كريمة.
ثقافة الاحترام قبل ثقافة الرأي ، فيسبوك. تاريخ الاطلاع متروك للباحث.
https://www.facebook.com/share/p/1KZmZxJoPf/.
3. الربيعي، مشتاق.
احترام الرأي وتقبل الرأي الآخر ، الحوار المتمدن. 17 أغسطس 2025.
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=881343&r=0&cid=0&u=&i=14222&q=.
4. عبدالله، سوسن.
استطلاع رأي… ثقافة الاحترام ، 4 نوفمبر 2025.
https://forums.alkafeel.net/node/1054642.
5. جبر، وليد عبدالحسين.
حاجتنا إلى ثقافة الاحترام ، الحوار المتمدن، العدد 848 ، 4 أكتوبر 2025.
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=887846.
6.عبدالخالق منصور ، الاختلاف الهادف.. كيف نرتقي بثقافة مجتمعاتنا؟
https://www.aljazeera.net/blogs/2018/9/20/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%81-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%86%D8%B1%D8%AA%D9%82%D9%8A-%D8%A8%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9
7-
سعد سلوم ، خطابات الكراهية ، صحيفة المدى، عدد يوم 22-10-2021,
https://iohriq.org/ar/112-.html
8- مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلام. تقارير رصد خطاب الكراهية في العراق 2023–2024. بغداد: مؤسسة مسارات، 2024.
9- كريمة الشامي ، لماذا نخاف الاختلاف .
https://www.facebook.com/share/p/1BjJYBN431/
ب. د. خالد محمود خدر
در
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟