أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - بمناسبة حلول العام الجديد 2026















المزيد.....

بمناسبة حلول العام الجديد 2026


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 07:26
المحور: المجتمع المدني
    


ندرك جميعا أن الزمن بعدا كونيا لا يتبدل بمجرد قيامنا بتزيينه بالأضواء وإقامة الاحتفالات، كما ندرك أننا لا نستطيع أن نغير الزمن بقدر ما نتمكن أن نمنح أنفسنا فرصة أخرى بالأمل في أن القادم من الأيام يمكن أن يحمل معنى يستحق الانتظار.

إن الزمن في ذاته لا يحمل، إن صح التعبير، قيمة وفق المعيار البشري العام، فهو حتى في حسابات النظرية النسبية في الفيزياء يعد بعدا رابعا يزداد في اتجاه واحد بدأ بانفجار الذرة البداية ونشوء الكون، لتبقى محاولات التنقل فيه، أي تغيير قيمته تاريخا ومستقبلا، حلما بشريا لا يزال بعيد المنال.

من هنا لم يكن استقبال العام الجديد بوصفه حدثا جديدا، بل باعتباره اختبارا تتجلى فيه الخيارات الإنسانية الأساسية، فالإنسان يمتحن لا بما يستطيع فعله فقط، بل بما ينبغي عليه فعله حين يخير بين السهولة والصواب، وهذا التمييز بين القدرة والواجب يشكل جوهر المسؤولية الأخلاقية التي لا يمكن للزمن أن يعوض غيابها.

قبل حلول العام الجديد كانت اللحظات المتبقية من العام 2025 ليست مجرد فاصلا زمنيا يمهد للانتقال إلى رقم جديد يضاف إلى التقويم ويشير إلى قرب حلول العام الجديد 2026، بل كانت لحظات وجودية تتكرر مرة واحدة سنويا، تتيح فيها للإنسان فرصة نادرة لمساءلة ذاته وتقييم مساره وإعادة ترتيب أوراقه ومجمل أوضاعه، ليمكنه بعدها من الانطلاق من جديد إلى عام جديد، بعد تقييم معززا برؤية جديدة وتخطيطا لقادم الأيام، وتجاوز ما وقف أمامه من عقبات أو معوقات بما يمكنه من تحقيق ما يتمناه.

ولكن الأهم عند كل إنسان هو الوقوف لحظة صدق أمام انسياب الزمن وهو يفتح أمامنا فصلا جديدا من مسيرة العمر. إنها لحظة وعي أكثر منها احتفال، وبادرة أمل هادئة، يحاول من خلالها أن يطمئن النفس بأن الماضي مهما ثقل بما قد لا يمحى، لكنه لا يملك حق مصادرة الأيام القادمة.

تظهر التجربة الإنسانية المعاصرة أن أخطر أشكال الاغتراب لا تكمن في المسافات الجغرافية أو الاجتماعية، بل في اتساع الهوة بين الإنسان وذاته حين يفقد القدرة على الإصغاء الداخلي والمساءلة الأخلاقية. فالتعب والإرهاق الذي يطبع الحياة الحديثة ليس نتاج الضغوط المادية فحسب، بل نتيجة تآكل مفهوم ومعنى الحياة وتراجع القيم التي تمنح الفعل الإنساني شرعيته الأخلاقية.

يطرح استقبال العام الجديد سؤالا جوهريا حول المعايير التي تقاس بها القيمة الإنسانية، فالمجتمعات المعاصرة تميل إلى تقييم النجاح وفق مؤشرات مادية أو نفعية، بينما يغيب إلى حد ما المعيار الأخلاقي القائم على صون كرامة الإنسان، سواء بوصفه فردا أو عضوا في مجموعة بشرية.

إن اختزال الإنسان إلى وسيلة أو رقم في معادلات المنفعة يقود بالضرورة إلى تآكل المعنى الأخلاقي مهما بدا التقدم التقني أو الاقتصادي لافتا، وعليه فإن البشرية ليست بحاجة إلى عام جديد في رقمه فحسب، بل بحاجة إلى معيار قيمي، إن صح التعبير، توزن به الأفعال والمواقف. معيار لا يقاس بمقدار تراكم الإنجازات الفردية فحسب، بل بمقدار المسؤولية تجاه الآخرين أيضا، وبما يصان من كرامتهم وحقوقهم في عالم اعتاد تبرير العنف والقسوة.

وفي السياق ذاته تبرز أهمية العلاقات الإنسانية بوصفها بنى أخلاقية أساسية لا مجرد أشكال اجتماعية ثانوية، فالعائلة والصداقة والجيرة تشكل فضاءات يتعلم فيها الإنسان قيم المسؤولية والرعاية والاعتراف بالآخر. إن ترميم هذه العلاقات لا يعد حنينا إلى الماضي فقط، بل ضرورة أخلاقية لإعادة بناء الثقة في عالم أرهقته الفردانية المفرطة والتفكك الاجتماعي.

إن معالجة مظاهر العنف والكراهية لا يمكن أن تتم عبر القسر وحده، بل عبر الفهم وتفكيك البنى النفسية والأخلاقية التي تنتجها. فالقوة في معناها الأخلاقي العميق لا تقاس بقدرة الإنسان على الإيذاء، بل بقدرته على كبح الأذى، وكسر دوائر الانتقام، واختيار الرحمة حين يبدو الرد بالمثل أسهل وأكثر إغراء.

ولا يعني ذلك إغفال واقع المآسي المستمرة، بل يقتضي الاعتراف بأن المسؤولية الأخلاقية تبدأ حين يتوقف الإنسان عن تبرير القسوة أو تطبيعها بوصفها قدرا حتميا. الإنسانية ليست شعارا تجميليا، بل التزاما أخلاقيا ثقيلا يتجسد في تحمل الفرد مسؤولية أفعاله وأثره في حياته.
تبقى اللحظات الأولى لبداية العام مساحة صغيرة للرجاء والأمل بأن يكون العالم أقل قسوة، وأن نمتلك قدرة أوسع على احتماله، وإيمانا بأن الاستمرار ذاته فعل شجاعة، وأن التمسك بفكرة الغد مهما بدت باهتة يمثل شكلا رفيعا من أشكال المقاومة وتحدي الظروف الصعاب.
وتبقى بداية العام مناسبة لاستدعاء الفرح وتغيير الأجواء الشخصية والعائلية.

هكذا، مع أول خيط من نور اليوم الأول من العام الجديد، نفتح نوافذ الروح لنسمة طيبة، ونضع خلفنا إرهاقات الأيام الماضية، نصافح الوقت بقلب أكثر سكينة، ونمضي بخطوات يرافقها الأمل في أن تكون أيامنا القادمة في السنة الجديدة هذه أخف وطأة، وقلوبنا مطمئنة لا ترتعد أمام الغد، تغمرنا بسلام يبدأ من البيوت قبل أن يملأ الشوارع وصالات الاحتفالات، وينمو في الأرواح قبل أن يقال بالكلمات.

ومع أول خيط من نور اليوم الأول من السنة الجديدة، نتمنى أن تكون الابتسامات أصدق وأكثر، وأن تكون الخسارات أقل أو لا تكون بالمرة، وأن يعثر كل إنسان على موضعه الآمن بين ذاته والآخرين.
كما نرجو أن نعيش بلطف وأمان واستقرار في كل جوانب حياتنا، وأن ننضج بالحب، محبة النفس والآخرين، وأن نشفى من كل ما ظل حبيس الصمت والسنين الماضية.

في ضوء ما سبق يمكن النظر إلى عام 2026 بوصفه فرصة لإعادة تعريف مفاهيم أساسية مثل السلام والانتماء والمحبة. فالمحبة في معناها الأخلاقي ليست انفعالا عابرا، بل التزاما واعيا بعدم اختزال الآخر إلى وسيلة أو عدو أو رقم، والانتماء الحقيقي لا يقوم على حدود صلبة، بل على الاعتراف المتبادل بالهشاشة الإنسانية وبالواجب المشترك في صون الكرامة.

ختاما، لا يعلق الأمل على العام الجديد بوصفه منقذا زمنيا، بل بوصفه مناسبة لتجديد الالتزام الأخلاقي. عام يعود فيه الإنسان غاية لا وسيلة، والعدالة معيارا لا استثناء، والسلام نتيجة لاختيار أخلاقي واع، لا هدنة مؤقتة بين أشكال متجددة من العنف.

إن المعنى الحقيقي للعام الجديد يكمن في مقدار ما يستعاد فيه من إنسانيتنا، لا في عدد الأيام التي نضيفها إلى أعمارنا.

كل عام وأنتم بخير
كل عام وأنتم أقرب إلى الفرح وأبعد عن الأوجاع وأكثر انسجاما مع الحياة
كل عام وقلوبكم أقرب إلى السلام وأيامكم أوسع و احلامكم وامانيكم ممكنة



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة اجتماعية في جذور التربية العائلية وإخفاقاتها / الجزء ا ...
- قراءة اجتماعية في جذور التربية العائلية وإخفاقاتها / الجزء ا ...
- قراءة اجتماعية في جذور التربية العائلية وإخفاقاتها / الجزء ا ...
- ثقافة الحوار والاختلاف: أساس التماسك الاجتماعي في زمن الإنتر ...
- إدارة التنوع واحترام الاختلاف: مقاربة في التعايش المجتمعي وب ...
- ادارة التنوع واحترام الاختلاف: مقاربة في التعايش المجتمعي وب ...
- أزرع نفسك في الارض التي تليق بك وتزهر إمكاناتك
- تأملات في معنى الوجود الإنساني: الحياة ليست طريقا إلى الموت ...
- العراق على حافة الفقر المائي/ الجزء الثالث : ملامح الاتفاقية ...
- العراق على حافة الفقر المائي الجزء الثاني ملف التفاوض في الع ...
- العراق على حافة الفقر المائي: العوامل الإقليمية والخيارات ال ...
- تأملات في حياة الإنسان : حين يصبح الفقدان او الخسارة طريقا ا ...
- قراءة في مشروع زكي نجيب محمود لاعادة بناء العقل العربي
- بمناسبة الحملة الانتخابية لانتخابات مجلس النواب العراقي 2025 ...
- اهمية ترسيخ الهوية الوطنية والتعايش السلمي في بناء ونهضة الع ...
- القطار الذي لا ينتظر أحدا: تأملات في سفر الحياة
- الخيانة الكبرى للنفس تكون حين يتم جعلها ضحية من أجل إرضاء ال ...
- عندما تسقط الاقنعة: دروس في الوفاء والخذلان
- ثمة مواقف من الجحود وعدم الوفاء لا تُغتَفَر
- برنامج المسامح كريم : دروس مباشرة في الاعتذار والتسامح بين ا ...


المزيد.....




- حكم الإعدام على الشيخة حسينة « زلزال» يهزّ بنغلاديش
- الأمم المتحدة: غرق طفل فلسطيني في مياه موحلة أغرقت خيمته في ...
- اعتقال 14 عنصرا في شبكة منظمة لإنتاج المتفجرات في محافظة الب ...
- إسرائيل تحظر منظمات إنسانية دولية وسط انهيار المنظومة الصحية ...
- ألمانيا.. اعتقال نحو 430 شخصا وإصابة العشرات من رجال الشرطة ...
- الأمم المتحدة: أكثر من 177 ألف سوري عادوا طوعًا من الأردن إل ...
- قائد شرطة محافظة البرز: اعتقال خلية مدربة ومنظمة مؤلفة من ...
- بريطانيا تسجل ثاني أعلى عدد من المهاجرين الوافدين عبر المانش ...
- أرض الصومال تنفي الموافقة على استقبال لاجئين من غزة أو إقامة ...
- مئات من فلسطينيي الداخل يتظاهرون في النقب تنديدا بسياسات الح ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - بمناسبة حلول العام الجديد 2026