أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - فرق كبير بين أن تبدو صالحا اجتماعيا أمام الناس وأن تكون واقعا هكذا في حقيقتك الداخلية















المزيد.....

فرق كبير بين أن تبدو صالحا اجتماعيا أمام الناس وأن تكون واقعا هكذا في حقيقتك الداخلية


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 08:55
المحور: المجتمع المدني
    


إن معيار الإنسان لا يكمن فيما يعرضه أمام الناس من سلوك مهذب أو خطاب منمق وكلمات معسولة، ولا فيما يشيع حوله من انطباعات براقة، بل فيما يستقر في أعماقه من مبادئ ثابتة تحكمه في الخفاء والعلن. فالمظهر قد يتقن صناعته كل إنسان بطريقته، أما الجوهر فلا يتشكل إلا بصدق المعاناة وصقل النفس.
يمكن أن نجد توضيحا أعمق لهذا باختيار عبارتين للأديبين الروسيين الكبيرين:
يقول ليو تولستوي:
إن أكثر ما يفسد روح الإنسان هو رغبته في أن يبدو صالحا بدل أن يكون صالحا.
ويقول فيودور دوستويفسكي:
الرجل الذي يكذب على نفسه قد يكون أكثر عرضة للإهانة من أي شخص.
يدعو الأديبان الروسيان في عبارتيهما إلى ضرورة التوازن بين التواضع والثقة بالنفس، وإلى عدم الاغترار بالذات أو المبالغة في مدحها، لأن ذلك قد يقود إلى الغرور والتعالي، مما ينفر الآخرين ويفقد الإنسان واقعيته في الوقت نفسه. وفي المقابل، لا يؤيدان التقليل من شأن الذات أو تحطيمها، لأن ذلك يؤدي إلى ضعف الشخصية وفقدان الثقة وعدم إدراك القيمة الحقيقية للمرء.
فالإنسان الحكيم هو من يعرف نفسه بصدق، فيقدر إنجازاته دون تضخيم، ويعترف بنواقصه دون جلد للذات. هذا التوازن هو مفتاح القوة الحقيقية، إذ يظل المرء متواضعا بما يكفي للتعلم والتطور، وواثقا بما يكفي لمواصلة طريقه دون خوف أو شكوك مفرطة.
من هنا تتبين خطورة الزيف الداخلي وضرورة المواجهة الصادقة مع النفس. أن التظاهر بالإصلاح يفسد الروح أكثر مما يفسدها الشر الظاهر ، لأن ذلك يحول الفضيلة إلى قناع، ويجعل الأخلاق وسيلة لا غاية. فالنفاق الاجتماعي والرياء يدمران قيم النزاهة الداخلية. بالمقابل فإن الكذب على النفس طريق مهين يقود إلى احتقار الذات، ويضعف المرء أمام نفسه وأمام الآخرين، فمن لا يحترم حقيقته لا يستطيع أن يحافظ على احترامه لذاته

ليست المشكلة في حب الخير، بل في تحويله إلى عرض أمام الناس يريد المعني منه تحقيق غاية له بالتظاهر بمساعدة المعوزين وتلميع صورته أمام الناس ، وليس فرضه عمل الخير بمعناه الفعلي ، بدليل قيام الكثير ممن نهبوا الكثير من المال العام بتقديم مساعدات بسيطة للفقراء أمام الإعلام او التظاهر بنقل معاناتهم او معالجتها في اقرب فرصة تلي تحقيق مبتغاه في حملة انتخابية او ما شابه

في زمن تتضخم فيه الصورة وتختصر القيم في مشاهد سريعة، يصبح من السهل أن يظهر المرء الفضيلة، و لكن من الصعب أن يعيشها. فأن يبدو صالحا يعني أن يجعل نظرة الآخرين مرآته الاساسية، وأن يقيس أفعاله بمدى ما يحققه من قبول اجتماعي. وهنا تتحول الاخلاق إلى أداء، والعمل الإنساني إلى رسالة موجهة للعامة .
يمكن ملاحظة ذلك في تفاصيل الحياة اليومية، فقد نجد موظفا يحرص على اظهار التزامه أمام مديره، لكنه يتهاون حين يغيب الرقيب. وقد نجد شخصا ينشر صورا لتبرعاته على وسائل التواصل، بينما يتعامل بغلظة مع اقرب الناس إليه. او نجد أبا يحدث الآخرين عن أهمية التربية بالحوار، لكنه في بيته لا يعرف سوى الاوامر. في كل هذه الامثلة تبدو الصورة لامعة، لكن الجوهر هش.

في المقابل، يكون طريق الإنسان الصالح فعلا هو طريق لا تسلط عليه الاضواء. قد يكون ذلك في أم تسهر على راحة اسرتها دون أن تنتظر شكرا من احد ، أو في شاب يعيد محفظة وجدها في الطريق دون أن يخبر أحدا بعفته ونزاهته النابعة من ضميره الحي ، أو نجد ذلك في موظف لا يرضى لنفسه أن يرتشي او طالبا يرفض الغش رغم قدرته عليه لأن ضميره لا يقبل بذلك .وقد نجده في انسان يوزع المعونات على الفقراء دون أن يخبر أحدا حتى أفراد عائلته. هذه كلها بالمجمل أفعالا لا تنشر، لكنها تبني داخل صاحبها صلابة اخلاقية متينة حقيقية.

القيمة ليست في ما يرى، بل في ما يعاش. قد ينجح الإنسان في اقناع المجتمع بصورته، لكنه لا يستطيع الهروب من لحظة الصمت حين يواجه نفسه. في تلك اللحظة تتكشف الفروق بين الادعاء والحقيقة. وحين تتقدم الصورة على الجوهر، ينقلب ميزان القيم، فيصبح الخير وسيلة للقبول لا غاية في ذاته.
لذلك فإن صلاح الروح يقاس بما نفعله حين لا يرانا أحد، كان يقاس بالامتناع عن الخطأ حين تتوافر اسبابه، وبالاستقامة حين تغيب الرقابة. كم من شخص يلتزم بالقانون خوفا من العقوبة، لكنه لا يتردد في تجاوزه إذا ظن أنه لن يكتشف؟ وكم من آخر يحافظ على الامانة في ابسط التفاصيل لأنه يرى في نفسه شاهدا كافيا؟

يكمن الخطر في السعي إلى الظهور بمظهر الأخيار أنه يشبع الأنا ويضعف الضمير. فالإطراء يمنح شعورا سريعا بالرضا، لكنه قد يغطي على خلل عميق. ومع الوقت، يتعود الإنسان لعب الدور حتى ينسى الفرق بين شخصيته الحقيقية وصورته المعروضة.

الكذب على الذات ليس مجرد تبرير عابر، بل هو بناء قصة مريحة يختبئ فيها المرء من حقيقته. قد يقنع المرء نفسه بأنه عادل، بينما هو في قرارة ذاته يعلم أنه يميز بين الناس وفق مصلحته. وقد يكرر آخر أنه مظلوم دائما ليتجنب الاعتراف بأخطائه. لكن الحقيقة تبقى كامنة في الداخل.
لهذا يكون النقد مؤلما حين يقترب من نقطة ينكرها الإنسان في انفس. الكلمة الخارجية لا تجرح لأنها قاسية فحسب، بل لأنها تمس شيئا نعرفه ونخشى مواجهته. أما من يصالح نفسه ويعترف بضعفه قبل قوته، فإنه يستقبل النقد بهدوء اكبر، لأنه لا يدافع عن صورة وهمية، بل يتعامل مع حقيقة يدركها

من الناحية النفسية، حين تبنى صورة الذات على انكار داخلي، يحتاج صاحبها إلى حمايتها باستمرار، فتغدو ردود افعاله حادة، ويبالغ في الدفاع عن نفسه، لأن أي ملاحظة تبدو تهديدا للبناء الذي شيده. أما الصدق مع الذات، فبرغم قسوته احيانا، يمنح استقرارا عميقا، إنه لا يمنع الالم، لكنه يمنع تضخمه

هكذا يبقى الخير الحقيقي لا يحتاج إلى اعلانا عن نفسه ، ولا يخشى أن يبقى مجهولا. نعم ، قد لا يكافأ فورا، وقد لا يلاحظ، لكنه يترك اثره في داخل النفس البشرية قبل خارجها. وفي النهاية، ليست المسألة كيف يرانا الناس، بل كيف نرى انفسنا حين ينصرف الجميع.

ما اجمل ان يكون كل منا انسانا صالحا حتى في غياب الشهود، فهناك دائما شاهد لا يغيب هو ضميره.
وهكذا نجد أن الصدق مع النفس هو أمرا ضروريا لبنائها وارتقائها وسموها ، لأن الزيف، سواء كان أمام الناس كما يحذر تولستوي، أو أمام الذات كما ينبه دوستويفسكي، هو اصل التعاسة الاخلاقية للفرد ، ويزداد الأمر تعاسة عندما يتحول ذلك إلى عادة مجتمعية متداولة يكون معها خراب البلدان وانهيار المجتمعات .



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في رتابة الحياة اليومية بوصفها مؤشرا على الاستقرار الن ...
- بمناسبة حلول العام الجديد 2026
- قراءة اجتماعية في جذور التربية العائلية وإخفاقاتها / الجزء ا ...
- قراءة اجتماعية في جذور التربية العائلية وإخفاقاتها / الجزء ا ...
- قراءة اجتماعية في جذور التربية العائلية وإخفاقاتها / الجزء ا ...
- ثقافة الحوار والاختلاف: أساس التماسك الاجتماعي في زمن الإنتر ...
- إدارة التنوع واحترام الاختلاف: مقاربة في التعايش المجتمعي وب ...
- ادارة التنوع واحترام الاختلاف: مقاربة في التعايش المجتمعي وب ...
- أزرع نفسك في الارض التي تليق بك وتزهر إمكاناتك
- تأملات في معنى الوجود الإنساني: الحياة ليست طريقا إلى الموت ...
- العراق على حافة الفقر المائي/ الجزء الثالث : ملامح الاتفاقية ...
- العراق على حافة الفقر المائي الجزء الثاني ملف التفاوض في الع ...
- العراق على حافة الفقر المائي: العوامل الإقليمية والخيارات ال ...
- تأملات في حياة الإنسان : حين يصبح الفقدان او الخسارة طريقا ا ...
- قراءة في مشروع زكي نجيب محمود لاعادة بناء العقل العربي
- بمناسبة الحملة الانتخابية لانتخابات مجلس النواب العراقي 2025 ...
- اهمية ترسيخ الهوية الوطنية والتعايش السلمي في بناء ونهضة الع ...
- القطار الذي لا ينتظر أحدا: تأملات في سفر الحياة
- الخيانة الكبرى للنفس تكون حين يتم جعلها ضحية من أجل إرضاء ال ...
- عندما تسقط الاقنعة: دروس في الوفاء والخذلان


المزيد.....




- صحيفة: الجيش الأمريكي استخدم الذكاء الاصطناعي في اعتقال مادو ...
- ترمب يكشف مزيدا من التفاصيل عن السلاح السري المستخدم في اعتق ...
- المغرب.. تعويضات مالية وخطة لإغاثة المتضررين من فيضانات الشم ...
- الأمم المتحدة تتهم -الدعم السريع- بارتكاب جرائم حرب في الفاش ...
- عملية استخبارية في صحراء الأنبار تنتهي باعتقال مجهز داعش الع ...
- غوارديولا يدافع عن المهاجرين ردا على تصريحات مالك مانشستر يو ...
- الأمم المتحدة تتهم الدعم السريع بارتكاب -جرائم حرب- في الفاش ...
- رئيس نادي الأسير الفلسطيني: بن جفير ينكل الأسرى داخل سجون ال ...
- لازاريني: التخلي عن الأونروا سيخلق فجوة سوداء مثل العراق بعد ...
- مفوض أممي: انتهاكات الدعم السريع بالفاشر تصل لمستوى جرائم حر ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - فرق كبير بين أن تبدو صالحا اجتماعيا أمام الناس وأن تكون واقعا هكذا في حقيقتك الداخلية