أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم كله















المزيد.....

تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم كله


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 10:09
المحور: المجتمع المدني
    


في بداية الجزء الأول اشرت إلى ان عبارة : الدنيا كثقيلي... هي عبارة كتبها احد الأصدقاء في صفحته على الفيسبوك، موضحا أنها من العبارات الشعبية المتداولة في منطقته وتحمل دلالات كثيرة ……
إن أول ما يجعل الدنيا ثقيلة على الإنسان هو الإنسان نفسه ، ذلك أنه أصبح يحمل في داخله ما لم تكن الأجيال السابقة تحمله بهذا القدر من القلق والصراع. المحبة تراجعت أمام الأنانية، وأصبحت العلاقات عند الكثيرين تقاس بما تحققه من منفعة، لا بما تمنحه من مودة وإخلاص.
و إذا كان الإنسان هو نقطة البداية في صناعة هذا الثقل في دنياه ، فإن المجتمع هو الميدان الذي تظهر فيه آثاره بوضوح كما تم بيانه في الجزء الثاني ، ذلك ان ما تحمله النفوس لا يبقى اسير أصحابها، بل ينعكس على حياة الناس جميعا، ويصبح ثقافة عامة مالوفة ومقبولة مع الزمن ، وربما تتوارثه الاجيال ، إذا لم تجد من يوقفها ويبين دوافع من يتبناها.

من قراءات التاريخ في محطات كثيرة ، غيرت مجراه في مفاصل زمنية كثيرة وكبيره فيه ، واثر ما يعيشه الكثير هذه الايام ، يمكن القول ما مفاده ، ان ثقل الدنيا لا يقف عند حدود الإنسان أو المجتمع المعني فحسب ، بل يتعداه ليمتد كالنار الهشيم او كالميكروب المعدي ، ليصبح عبئا يثقل العالم بأسره ، حين تضعف القيم في النفوس، وتغيب العدالة في المجتمعات حين يتحكم في زمام امورها الرسمية او غير الرسمية من يحملوا نفسا معاديا للإنسان وكرامته وحريته ونظرته للحياة ، ليكون من الطبيعي أن ينعكس آثار ذلك على البشرية كلها.

ويزداد هذا الثقل كلما استيقظ الإنسان على أخبار الحروب والقتل والتهجير والجوع. لقد أصبح الألم خبرا يوميا، حتى كادت الإنسانية تعتاد مشاهدة المآسي، وكأن كثرة الجراح أفقدت العالم قدرته على الدهشة.

إن اتساع دائرة الشر لا يزيد الأرض ثقلا، وإنما تزيد النفوس إنهاكا. فالحروب التي لا تنتهي، والدماء التي تسيل فيها ، والكراهية التي تتوارثها الأجيال بالنتيجة ، كلها شواهد على أن الإنسان لم يعد يكتفي بإيذاء أخيه الإنسان القريب منه ، بل أصبح يهدد مستقبل البشرية نفسها.

وما أشد قسوة المشهد بفعل اعداء الحياة حين يكون الأطفال والنساء أول من يدفع ثمن صراعات لم يختاروها بل ليس لهم كما لاهلهم دور او سبب فيها ، ليجدوا بعدها انفسهم ضحايا ويلات الحروب والتهجير والأسر بل حتى السبي كما شهد العالم ذلك في سنة ٢٠١٤ عندما احتل الدواعش منطقة سنجار الايزيدية شمال العراق ، التي كانت تضم قبلها مدن صغيرة وقصبات ومجمعات سكنية متعددة كانت عامرة بالحياة، فإذا بها تتحول بين يوم وليلة إلى أنقاض، لا لأنها فقدت حجارتها، بل لأنها اصبحت تحت نيران وارهاب من تلذذوا بذبح سكانها وسبي نسائهم بسبب اختلاف هوياتهم الدينية ، ليفقد بالنتيجة الآلاف الرجال ارواحهم ويساقوا اطفالهم ونسائهم إلى السبي وينعدم الأمن تماما في تلك المنطقة ، الامن الذي كان يمنح الجميع القدرة على مواصلة الحياة. لتنزح إلى مناطق اخرى بعيدة عشرات الآلاف من العوائل التي تمكنت من النجاة من الموت وتترك ديارها التي عاشت فيها أجيالا طويلة، لا لذنب اقترفوه، وإنما لأن التعصب والكراهية لم يعودا يعترفان بحق الإنسان في الاختلاف.

إن الاختلاف بين البشر لم يكن يوما لعنة ، بل هو من أجمل سنن الحياة. فكما تتعدد ألوان الأزهار في الحديقة الواحدة يزيدها جمالا، فإن تتعدد الثقافات والأديان والقوميات في الوطن الواحد يزيدها غنى وإنسانية وثقافة محلية . وحين يتحول هذا التنوع إلى سبب للصراع، فإن الخسارة لا تصيب طرفا فحسب ، بل تصيب الوطن كله.

وهكذا يبدو العالم اليوم مثقلا بما صنعته أيدي البشر، لا بما فرضته الطبيعة. فما زالت الشمس تشرق كل يوم ، والفصول الاربعة ما زالت تدور، والنهار ما زال يعقب الليل، والأرض ما زالت تنبت خيراتها ، لكن الذي تغير هو الإنسان ليجعل الحياة أكثر قسوة حين يزرع الكراهية مكان المحبة، والعنف مكان الحوار، والطمع مكان العدالة والفساد مكان العدالة .
ومع كل هذا الثقل، لا يتوجب ان ننظر إلى الدنيا بعين اليأس وحدها. إذا لا زالت الدنيا لم تفقد نورها ، فالتاريخ علمنا أن الظلام، مهما طال، لا يستطيع أن يهزم شمعة صغيرة، وأن الخير، مهما بدا هادئا، يبقى أكثر قدرة على البقاء من الشر، لأن الشر يهدم، أما الخير فيبني.

وما تزال في هذه الدنيا قلوب تنبض بالمحبة ، وأيد تمتد بالعطاء، وأشخاص يؤمنون بأن الكلمة الطيبة قد تغير حياة إنسان، وأن موقفا نبيلا قد يعيد الأمل إلى قلب أوشك أن ينكسر.
فوجود إنسان صادق قد يبدد ثقلا تعجز عن رفعه خطب طويلة، وابتسامة مخلصة قد تكون أبلغ من كلمات كثيرة، وعمل صالح صغير قد يترك أثرا يبقى في الذاكرة زمنا أطول من أعظم الإنجازات المادية.

ولذلك، فإن التشاؤم ليس قدرا، لأن الخير لا يزال موجودا، وإن كان أقل ضجيجا من الشر. وما دام هناك من يغرس شجرة، أو يمسح دمعة، أو ينصف مظلوما، أو يواسي منكسر القلب، هكذا فإن الدنيا ما زالت تحتفظ بخيط من نور يقاوم كل هذا الظلام.
ولعل الأديب الفرنسي ألبير كامو لخص هذه الحقيقة حين قال: في أعماق الشتاء، أدركت أن في داخلي صيفا لا يقهر. وهي عبارة تذكرنا بأن الإنسان قادر دائما على مقاومة قسوة الواقع، متى ما تمسك بالأمل، ولم يسمح للظلام أن يسكن قلبه.

أما الاديب الكبير جبران خليل جبران، فقد رأى أن المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها، وكأنه يريد أن يقول إن الإنسان لا يخفف ثقل الدنيا بما يجمعه من مال أو سلطة، وإنما بما يمنحه من رحمة ومحبة وعدل.
ولذلك، فإن إصلاح الدنيا لا يبدأ من تغيير الأرض، وإنما من تغيير الإنسان. فالأرض ستبقى كما خلقت ، ولكنها تصبح أخف حين تسكنها قلوب رحيمة محبة الحياة ، وأثقل حين تستوطنها الكراهية والجشع.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه ليس: لماذا أصبحت الدنيا ثقيلة؟
بل :
كم أضفنا نحن إلى هذا الثقل؟
كم مرة قصرنا في كلمة طيبة كان يمكن أن نقولها؟
وكم مرة سكتنا عن ظلم كان ينبغي أن نرفضه؟
وكم مرة قدمنا مصلحتنا على ضميرنا؟
وكم مرة ظننا أن ما نأخذه من الدنيا سيبقى لنا أكثر مما نتركه فيها من أثر؟

فالدنيا ليست سجنا بطبيعتها، وإنما يثقلها الإنسان حين يزرع فيها الظلم والكراهية والطمع، ويخففها حين ينشر المحبة والعدل والرحمة.

إن كل يد تمتد لمساعدة محتاج، وكل قلب يعفو عند المقدرة، وكل مسؤول يصون الأمانة، وكل معلم يزرع قيما، وكل طبيب يخلص في أداء رسالته، وكل مهندس يبني بإخلاص، وكل إنسان يجعل من موقعه مساحة للخير... إنما يشارك في تخفيف هذا الثقل الذي نشعر به جميعا.

وهكذا تبقى عبارة ( الدنيا ثقيلة ) أكثر من مجرد تعبير شعبي؛ إنها دعوة صادقة لمراجعة الذات، وتذكير بأن الدنيا لم تكن هي التي تغيرت، بل إن الإنسان هو الذي تغير حين جعلها أثقل عندما ابتعد عن قيم الحياة الكبرى.

لذلك ، ذا أردنا أن تصبح الدنيا أخف، فلنبدأ من حيث يبدأ كل إصلاح ، من الإنسان، ومن ضميره، ومن قلبه.

البروفيسور الدكتور خالد خدر



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل ...
- العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة ...
- كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
- الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب ...
- قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي ...
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...
- التلوث المائي في نهري دجلة وديالى وتداعياته على الأمن البيئي ...
- الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا
- عندما تبقى مسألة العدالة بين أفراد المجتمع مؤجلة
- واقع السدود والخزانات العراقية في الموسم المطري 2025–2026 قر ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...


المزيد.....




- -تواطؤ في الانتهاكات بحق المهاجرين-.. منظمات حقوقية تطالب ال ...
- مخاوف من تسليمه لإسرائيل.. مجلس العلماء الإندونيسي يطلب توضي ...
- عضو بمنظمة التحرير الفلسطينية: نطالب بدعم عربي عاجل لإنقاذ ا ...
- رغم مذكرة الاعتقال بحقه من لاهاي ـ ميرتس يريد دعوة نتنياهو! ...
- الجامعة العربية: لا تهاون في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين ...
- مرصد عراقي يكشف خللاً خطيراً في تشخيص ضحايا الاتجار بالبشر
- 47 منظمة تتهم الاتحاد الأوروبي بالتورط في انتهاكات جسيمة ضد ...
- توقيت وأسباب اعتقال أندرو تيت وشقيقه في ميامي بأمريكا.. ماذا ...
- إسرائيل ترد على تهديد ممداني بتوقيف نتنياهو خلال الجمعية الع ...
- ممداني يواجه غضبا إسرائيليا بعد تمسكه بتعهده باعتقال نتنياهو ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم كله