أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل الدنيا على الإنسان يبدأ من النفس














المزيد.....

تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل الدنيا على الإنسان يبدأ من النفس


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 07:55
المحور: المجتمع المدني
    


الدنيا كثقيلي... عبارة بسيطة تتردد كثيرا في هذا الزمن ، على ألسنة الناس في منطقة بعشيقة وبحزاني في محافظة نينوى شمال العراق ، عبارة كتبها احد اصدقائي من أبنائها في صفحته على الفيسبوك، موضحا أنها من العبارات الشعبية المتداولة في المنطقة، ثم أردف قائلا:
نعم، الدنيا ثقيلة، لأنه انعدمت المحبة بين البشر، وقلت القناعة، وكثر الحسد بين الناس، وزاد الطمع في النفوس. نعم، الدنيا ثقيلة لأن الفساد استشرى في كل مكان، ولأن حجم الشر على الأرض أصبح كبيرا(انتهى الاقتباس).

ربما تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مجرد شكوى من قسوة الحياة، لكنها في حقيقتها تختصر حالة إنسانية يعيشها كثيرون، لا في العراق وحده، بل في أماكن كثيرة من هذا العالم. إنها ليست عبارة تصف الأرض، بقدر ما تصف الإنسان، ولا تتحدث عن تغير الدنيا بقدر ما تكشف حجم التغير الذي أصاب النفوس.

ولأن العبارات الشعبية كثيرا ما تختزن حكمة الشعوب وتجاربها، وجدت أن هذه العبارة تستحق الوقوف عندها، فهي ليست مجرد وصف لواقع مؤلم، وإنما سؤال كبير يفرض نفسه علينا جميعا:
هل أصبحت الدنيا ثقيلة حقا؟
أم أن الإنسان هو الذي أثقلها؟

وقبل أن أبدي وجهة نظري، أود أن أشير إلى حقيقة لا يختلف عليها اثنان؛ فالدنيا لم تتغير في جوهرها. فما زالت الشمس تشرق كل صباح، والليل يعقب النهار، والفصول تتعاقب كما كانت منذ آلاف السنين، والأرض ما زالت تمنح خيرها لمن يزرعها، والسماء ما زالت تمطر على الجميع دون تمييز.

الذي تغير هو الإنسان، أو بالأحرى بعض الإنسان، حين تراجعت في داخله قيم المحبة والرحمة والعدل، وأصبحت المصلحة تتقدم على الضمير، والمكاسب المادية أصبحت تسبق المبادئ والقيم الإنسانية ، وبدأ الطمع يتغلب على القناعة.
ولذلك، فإن ثقل الدنيا لم ولن يبدأ يوما من الأرض نفسها او كما يعبر عنه الناس في الزمن ، وإنما يبدأ من القلب. وكما تقول الحكمة القديم: نعيب زماننا والعيب فينا، ذلك ان خفة الدنيا أو ثقلها او بتعبير ادق خفة و ثقل هموم الدنيا هو انعكاس مباشر لخفة روح الإنسان أو ثقل قلبه. فحين يثقل القلب بالأحقاد، تضيق الحياة، وحين يثقل الضمير بالأنانية، يصبح كل شيء أكثر قسوة، حتى وإن بقيت الدنيا كما هي.

إن أول ما يجعل الدنيا ثقيلة على الإنسان في هذا الزمن هو الإنسان نفسه ، ذلك أنه أصبح يحمل في اعماقه ما لم تكن الأجيال السابقة تحمله بهذا القدر من القلق والصراع. لقد تراجعت المحبة أمام الأنانية، وأصبحت العلاقات عند كثيرين تقاس بما تحققه من منفعة، لا بما تمنحه من مودة وإخلاص.

ولم تعد القناعة ذلك الكنز الذي يمنح الإنسان راحة النفس، بل حل محلها سباق لا ينتهي نحو المزيد. حتى أصبح الغني يخشى الفقر أكثر مما يخشاه الفقير، وأصبح امتلاك الأشياء غاية، بعد أن كان وسيلة لحياة كريمة.
وعندما تضعف القناعة، يفتح الطمع أبوابه، فلا يعود الإنسان يكتفي بما يستحق، بل يبدأ بالنظر إلى ما في أيدي الآخرين. وهنا يتحول الحسد من شعور عابر إلى مرض يستهلك النفس قبل أن يؤذي غيرها.
ولعل أبلغ وصف للحاسد أنه لا يتألم بسبب نقص ما عنده، وإنما بسبب اكتمال ما عند غيره. فكلما رأى نجاحا أو نعمة عند سواه، شعر أن الدنيا قد ظلمته، مع أن المشكلة لم تكن في الدنيا، وإنما في قلبه الذي لم يعد يعرف معنى الرضا.

ومن هنا تبدأ الدنيا بالثقل، لأن النفوس التي فقدت الرضا لا تستطيع أن ترى القناعة او الرضا بما تملك، بل تنشغل دائما بما يملكه الآخرون.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أصبحت الابتسامة أقل حضورا، والكلمة الطيبة أقل تداولا، والعطاء عند بعض الناس ينتظر مقابلا، حتى غدت كثير من العلاقات أشبه بعقود مصالح أكثر من كونها روابط إنسانية.

إن الإنسان حين يفقد الرحمة، لا يؤذي الآخرين وحدهم، بل يحمل ثقلا هائلا في قلبه . فالقلب الممتلئ بالكراهية أثقل بكثير من القلب الممتلئ بالمحبة، والضمير الذي يعتاد الظلم يفقد تدريجيا قدرته على الشعور براحة النفس.
ولذلك، فإن الدنيا لا تصبح ثقيلة لأن الأيام تغيرت، بل لأن الإنسان أثقل قلبه بما لا يحتمل من أنانية وطمع وحسد.

ولعل جبران خليل جبران كان يدرك هذه الحقيقة عندما قال إن المحبة لا تعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها. وكأن خلاص الإنسان يبدأ عندما يدرك أن قيمة الحياة ليست بما يجمع او يملك ، وإنما بما يمنح، وأن القلب الممتلئ بالمحبة أخف حملا من القلب المثقل بالأحقاد.

ياتي المقال كدعوة صادقة للتصالح مع الذات والعودة إلى القيم الإنسانية البسيطة كحل أول وأساسي لمواجهة قسوة الحياة الحديثة. ولذلك يمكن القول إن أول طريق للإنسان لتخفيف ثقل الدنيا يبدأ من الإنسان نفسه، لأن إصلاح القلب هو الخطوة الأولى في إصلاح الحياة.

البروفسور الدكتور خالد خدر



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة ...
- كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
- الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب ...
- قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي ...
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...
- التلوث المائي في نهري دجلة وديالى وتداعياته على الأمن البيئي ...
- الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا
- عندما تبقى مسألة العدالة بين أفراد المجتمع مؤجلة
- واقع السدود والخزانات العراقية في الموسم المطري 2025–2026 قر ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...


المزيد.....




- تمهيد قانوني إسرائيلي لإنشاء سجون محاطة بالتماسيح لاحتجاز ال ...
- حملة ترمب لترحيل المهاجرين تعيد تشكيل الشرطة وتثير مخاوف حقو ...
- -تمساح النيل- لحراسة الأسرى الفلسطينيين.. قرار إسرائيلي يمهد ...
- ولاية أمريكية تستعد لتنفيذ حكمي إعدام في يوم واحد لأول مرة م ...
- شهادات في محاكمة مفتي سوريا السابق تكشف تمويل مجموعات مسلحة ...
- تعديل قانوني يمهد لـ-سجن التماسيح- في إسرائيل وبن غفير يتوعد ...
- بينها العفو الدولية ورايتس ووتش...منظمات حقوقية تدعو الاتحاد ...
- إيران تتهم أمريكا بارتكاب -جرائم حرب-.. وهذا ما قالته عن هجم ...
- وفيات المهاجرين تفضح انتهاكات مراكز الاحتجاز الأمريكية المتص ...
- بقائي: الذين لا يكفون عن التشدق بحقوق الإنسان، لكنهم يتجاهلو ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل الدنيا على الإنسان يبدأ من النفس