أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس















المزيد.....

العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 20:30
المحور: المجتمع المدني
    


بداية أشير الى ان هذا المقال ليس دعوة للعودة الى الماضي، بل يمثل: دعوة لاكتشاف الاسباب التي جعلت العراق ينجح حين اراد ان ينجح. دعوة حتى يستطيع الجميع ان يبنوا مستقبله على اساس اكثر رسوخا واستقرارا.
ويبقى المقال بمثابة دعوة لاستعادة منظومة القيم والانتماء للوطن التي صنعت رجالا لا يزالون في ذاكرة الناس. فالأزمنة تتغير، لكن الصدق، والأمانة، والعدل، والا خلاص، ستظل هي القيم التي تبنى بها الاوطان، في كل زمان ومكان.

كثيرا ما يلاحظ المتابعون في صفحات التواصل الاجتماعي، او غيرها، ان العراقيين يستعيدون اليوم في ذاكرتهم ملامح مختلفة ومتنوعة من فترة العهد الملكي تحديدا مع محطات متفرقة من العهد الجمهوري، بدءا من بداياته وانتهاء بمنتصف سبعينيات القرن العشرين، عبر مقالات وتعليقات معززة بالوثائق والصور لانجازات او لشخصيات مختلفة تركت بصماتها في وطنها وفي مختلف مدنه وقصباته.
انهم بذلك لا يستذكرون مجرد سنوات مضت، او سير شخصيات كان لها حضور فاعل وتركت بصماتها في تكوين الدولة العراقية الحديثة ومؤسساتها، التي أسست وفق معايير ادارية حديثة اتسمت بالنزاهة، والحفاظ على ممتلكات الدولة وأموالها، واسهمت في تعزيز مكانة العراق وحماية مصالحه في محيطه الاقليمي. كما انهم لا يستذكرون مجرد ابنية قديمة او شوارع عتيقة فحسب، بل يستحضرون عالما كاملا من القيم والعلاقات الانسانية التي صنعت روح تلك الامكنة.

ولذلك كثيرا ما تتردد في احاديثهم عبارات مثل: زمن الطيبين، وايام العراق الجميلة، والمدينة التي فقدناها ، او شخصيات بنت العراق، وما شابه ذلك من تعبيرات.
ويقولون هذا، دون ان يعني ذلك، في رأيي وتقديري، اكثر من كونه نظرة مجتمعية تشيد بماض لم يعيشوه أكثرية ابناء هذا الجيل ، بل قرأو اوسمعوا عنه من آبائهم او اجدادهم ، ويتمنون ان يكون حاضرهم شبيها به في كثير من جوانب الحياة، مع ضرورة الاشارة الى ان مصطلح الزمن الجميل يعكس في جانب منه نظرة نسبية ويستخدمه بعضهم لغاياته الخاصة، فكل ينظر الى ماضيه بطريقته الخاصة، ووفق نظرته او رؤيته للامور ، غير ان ما يهمنا جميعا هو القاسم المشترك الذي يجمع الناس في تقييمهم لتلك المرحلة.

ولعلهم بهذه المقالات والتعليقات يستعيدون بشيء من الحنين والاسى، اريج زمن يرونه اكثر بساطة وتماسكا ودفئا. وهم في اشارتهم الى تلك العناوين يحاولوا استحضار عالم وزمن يبدو لهم جميلا وجديرا باعتماد مقومات نجاحه رغم انه عالم وزمن غادر دون عودة.

قد يتساءل البعض عن السبب في ذلك في وقت كانت الدولة العراقية في مراحل تاسيسها او نهضتها الاولى، ومع ذلك كان تاثير المتنورين علما وثقافة وادبا ومكانة اجتماعية كان كبيرا، وان الدولة بنيت على اساس ومعايير حداثية تحت وصاية عصبة الامم وإدارة انكليزية بداية وفقا لنظام مؤسسات الدولة البريطانية ، فيما تعلق بمؤسسات الدولة، بدا من المدارس والمستشفيات وبقية النظام المؤسساتي لوزارات الدولة وغيرها الكثير حكوميا ومجتمعيا من الذي يتناوله ويكتب عنه الجيل الحالي نقلا عما وصلهم من وثائقيات او صحف او احاديث كبار السن.

وتبقى تلك العبارات، التي يتم تداولها في ما اشرت له، لا تعبر عن حنين الى الماضي، بقدر ما تعبر عن توق الى منظومة مؤسساتية واجتماعية ما زالت تسكن الذاكرة. ولعل المتابع لما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي او في المقالات والمذكرات الشخصية يلاحظ ان معظم ما يكتب عن تلك الفترة لا يركز على الموسسات الحكومية او الشخصيات العامة فحسب، وإنما يتجاوز ذلك ليتحدث عن تفاصيل الحياة اليومية وقتها ، عن المدرسة، والمعلم، والموظف الحكومي والجار، والسوق، والمقهى، والشارع، والناس البسطاء الذين كانوا يصنعون الحياة بمعانيها قبل ان يصنعوها بمظاهرها.

كانت المدينة في العراق آنذاك اكثر من مجرد مكان للسكن، بل كانت ان صح التعبير مدرسة مفتوحة للحياة. ففي ازقتها واسواقها ومدارسها ومقاهيها ومجالسها نشأت وتربت اجيال حملت معها شعورا عميقا بالانتماء الى المجتمع والوطن. ولم تكن بغداد وبقية مدن العراق الصغيرة والكبيرة مجرد مدن في بلد واحد، بل صفحات من كتاب واحد، اختلفت لهجاته وتنوعت ثقافاته، غير ان روحه بقيت عراقية جامعة.

لم تكن المدينة تقاس بكثرة مبانيها، بل بما تضمه من مواطنين يعرفون كيف يعيشون معا. وكانت قيمة الانسان تستمد من خلقه واستقامته وعلمه اكثر مما تستمد من ماله او منصبه. لذلك بقيت اسماء الكثير من المعلمين والاطباء والقضاة والمهندسين وغيرهم من رجال الدولة والمجتمع راسخة في ذاكرة الناس تتناقلها الاجيال، لانهم تركوا اثرا في النفوس قبل ان يتركوا اثرا في سجلات الدولة وارشيفها.

كانت المدرسة تحتل مكانة خاصة في وجدان المجتمع، اذ لم تكن مؤسسة تربوية فحسب، بل كانت منبعا للقيم قبل ان تكون مصنعا للمعرفة. وكان المعلم يحظى باحترام كبير، حتى ان كثيرا من الآباء كانوا يرونه شريكا في تربية ابنائهم، وكانت زيارته لبيت احد طلابه مناسبة يعتز بها اهل الدار.

اما المقاهي والمنتديات الشعبية، فلم تكن اماكن للترفيه فقط، بل كانت احيانا كثيرة فضاءات لتبادل المعرفة والحوار الثقافي والسياسي العام، مثل مقهى الزهاوي او الرصافي التي كان يجلس فيها الموظف الى جانب الفلاح، والتاجر الى جانب المعلم، ورجل الدين الى جانب المثقف، يتناقشون في شؤون الادب والسياسة واحوال المجتمع، ويختلفون في الرأي دون ان يتحول اختلافهم الى خصومة دائمة. وكان الجميع يدرك، بفطرة المجتمع وخبرته، ان الحقيقة لا يحتكرها احد، وان الكلمة الهادئة اقرب الى الاقناع من الصوت المرتفع.

كانت العلاقات الاجتماعية اكثر دفئا واتساعا مما هي في هذا الزمان. فالجيرة لم تكن مجرد تقارب في دور السكن، بل كانت رابطة انسانية تقوم على التعاون والثقة. وكان الناس يتقاسمون افراحهم واحزانهم بل واحيانا موائد غدائهم او عشائهم دون النظر لهوية احدهم الخاصة، وكان الفرد منهم يشعر ان المجتمع من حوله يشكل شبكة امان اخلاقية قبل ان يكون اطارا اجتماعيا. وكان الطفل يكبر وهو يشعر ان المحلة كلها تعرفه، وان كل كبير في المحلة يرى نفسه مسؤولا عن توجيهه وحمايته ويتعامل معه من منطلق الابوة او العمومة المسؤولة، وعندما يصاب بمرض كان الكل يسال عنه ويتابعه.

كما عرفت المدن العراقية صورا مشرقة من التعايش بين مختلف المكونات الدينية والمذهبية والقومية. ففي الاسواق والاحياء السكنية والدوائر والمدارس، كانت العلاقات الانسانية والعمل المشترك يجمعان الناس على اختلاف انتماءاتهم الدينية والاثنوغرافية. ولم يكن القادم الى مدينة جديدة، تبعد عن محل سكنه الاصلية مئات الكيلومترات، يقاس باسمه او مذهبه او قوميته بقدر ما يقاس باخلاقه وكفاءته ودوره في خدمة المجتمع عموما، ولذلك كان يجد نفسه ضيفا عزيزا على الكل ومحل تقدير واحترام من الكل، الامر الذي كان يجعل من تعيينه في تلك المدينة او المنطقة النائية فرصة للتعرف على جوانب جميلة من عموم بلده.

ولكن لابد من الاشارة ، ان تلك المرحلة لم تكن تمثل مدينة فاضلة خالية من المشكلات، فقد عرفت الفقر وارتفاع نسب الامية والتفاوت في مستويات التنمية بين الافراد او بين سكان المدن والارياف. غير ان النظام المؤسسي للدولة والمنظومة المجتمعية كانت تمتلك وتتمسك بمنظومة قيم عامة تساعده على مواجهة تلك التحديات، وتجعل احترام القانون والامانة والاستقامة قيما يعتز بها الناس، وتمنحهم شعورا بان للمجتمع بوصلة اخلاقية تهديه في المنعطفات الصعبة.

لقد مرت على العراق بعد ذلك عقود مثقلة بالحروب والازمات والحصار الاقتصادي والارهاب والانقسامات، فتغيرت وجوه المدن وحتى القرى والارياف، كما تغيرت وجوه الكثير من البشر تحت وطأة الالم والمعاناة والفساد لتتبدل انماط العيش، ويتراجع تطبيق بعض القيم التي كانت تمنح المجتمع توازنه، لذلك بقيت صورة تلك المدن القديمة حية في الوجدان، لا لانها كانت خالية من الاخطاء، بل لانها مثلت زمنا كان العلم فيه موضع احترام، والكلمة مسؤولة، والاختلاف مقبولا، والانسان يقدر لما يقدمه من خلق وعلم وعمل.

لقد اثبتت تلك العقود ان بناء الانسان يسبق بناء العمران، وان المدرسة والمكتبة والمقهى والاسرة والشارع يمكن ان تتحول جميعها الى مؤسسات تصنع الوعي والنهضة. فالحضارة لا تبدأ من الحجر، بل من الابداع في الفكر، ولا تبلغ المدينة ذروة تحضرها بكثرة عماراتها السكنية ولا من اتساع شوارعها، بل تبلغ ذلك حين يصبح احترام المواطن جزءا من ثقافتها اليومية، وحين تتحول المعرفة الى شرف، والنزاهة الى قيمة، والتعايش الى اسلوب حياة.

ولعل هذه هي الرسالة الاجمل التي ما زالت تلك المدن تهمس بها الى الاجيال الجديدة، رسالة مفادها ان العمران يمكن ان يبنى في سنوات، اما الانسان فلا يبنيه الا زمن طويل من التربية والثقافة والقيم.
وحين ينهض الانسان، تنهض المدينة او القصبة معه، وبنهضة مدنه وقصباته، يصبح الوطن كله اكثر قدرة على صناعة مستقبله.

البروفيسور الدكتور خالد خدر



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة ...
- كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
- الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب ...
- قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي ...
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...
- التلوث المائي في نهري دجلة وديالى وتداعياته على الأمن البيئي ...
- الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا
- عندما تبقى مسألة العدالة بين أفراد المجتمع مؤجلة
- واقع السدود والخزانات العراقية في الموسم المطري 2025–2026 قر ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطن ...


المزيد.....




- مئات أحكام الإعدام والمؤبد في أكبر حملة ضد المخدرات
- ممداني: هوية الولايات المتحدة تتشكل باستمرار عبر المهاجرين إ ...
- دمشق تعلن اعتقال أحد أبرز ضباط النظام السابق وتكشف علاقته بـ ...
- الأمم المتحدة تحذر من كارثة جديدة تتكشف في مدينة الأبيض السو ...
- دعوات لتوسيع حملة مكافحة الفساد وتطبيق -من أين لك هذا؟-
- جنوب أفريقيا: احتجاجات مناهضة للمهاجرين
- السودان: الأمم المتحدة تنذر بـ-كارثة- تحدق بمدينة الأبيض إحد ...
- وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر ...
- العراق: آلاف من أتباع الصدر يتظاهرون دعما لمسيرة الحكومة في ...
- السودان.. مفوضية اللاجئين تأسف لاستهداف شاحنة تحمل موادا إغا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس