أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي















المزيد.....

كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 02:35
المحور: المجتمع المدني
    


النفاق الاجتماعي والأخلاقي من الظواهر السلبية التي تتفشى في العديد من المجتمعات، ويأتي بها بعض أفراده من المنافقون والوصوليون وأمثالهم الذين يحاولوا خلق ارضيات لهم ليرتفعوا بها و يرفعوا من شأنهم ، بما يظهرون به في وجهين مختلفين ، وجه ظاهر يتماشى مع القيم والمبادئ المعلنة ، ووجه خفي يعكس النوايا الحقيقية التي غالباً ما تتعارض مع تلك القيم.

هذا السلوك يؤدي إلى آثار سلبية متعددة على القيم والأخلاق في هذه المجتمعات عبر تشويهها وتحويلها إلى شعارات جوفاء مما يفقدها معناها وأهميتها وهذا ما يشجع على انتشار السلوكيات السلبية والأخلاقيات المزدوجة ، ذلك ان الأفراد الذين يرون أن نجاح غيرهم يتحقق من خلال الخداع والمظاهر الكاذبة قد يجدوا انفسهم في وضع يتبنون فيه نفس السلوكيات لتحقيق أهدافهم ، وبالنتيجة يتفشى الفساد في المؤسسات والمجتمع ككل. و عندما يصبح النفاق أمراً مقبولاً، تتضاءل المحاسبة ويزداد احتمال استغلال المناصب لتحقيق مصالح شخصية

الظواهر السلبية هذه إذا لم تجد من يوقفها ويعالجها ، فإنها سوف تنتشر وتتحول إلى سلوكيات وعادات دائمة يمارسها أفراد المجتمع. ومع تقادم الزمن ، تصبح هذه الظواهر جزءًا لا يتجزأ من العرف المخزون في الذاكرة الجمعية لذلك المجتمع ، وتتناقلها الأجيال على أنها جزء من الأعراف والمسلمات التي يكون المساس بها وتجاوزها من المحرمات ، وهذا ما تبان نتائجه عندما ينهيار الامن مثلا في منطقه معينه ، لتجد قطعان من هؤلاء الذين يجدون في نهب الممتلكات العامة أو الخاصة امر طبيعي وتصرف واجب ، بعد أن كانوا بالأمس حماة الديرة ودعاة الإخوة.

موضوع النفاق الاجتماعي والأخلاقي ، وان كان ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية ، ولكن ممتهنوها يحاولوا دائما أن يتسلقوا سلمها لتحقيق مبتغاهم متى ما توفرت لهم فرص ذلك ، وهي ظاهرة تطرق لها الكثير من الأدباء والمفكرين من جوانب متعددة، مسلطين الضوء على تأثيرها المدمر على الأفراد والمجتمعات.

في ادناه مقتطفات من ما أشار له قسم من الكتاب والمفكرين عند تناولهم لها.

الكاتب المصري الشهير يوسف السباعي صدرت له عام ١٩٤٩ قصة بعنوان ارض النفاق ، تناولت واقع حال المجتمع المصري ، في إطار خيالي ولكن يقترب من الواقع . قصة يمكن ان يقاس عليها واقع مجتمعات كثيرة في الشرق الاوسط.

تعالج القصة مسألة انتشار النفاق في مجتمع يفترض إن تحكمه الأخلاق، لكن الواقع يبين عكس ذلك ، إذ بات النفاق فيه مغلفا بالأخلاق حتى صار واقع هذا المجتمع مريرا ، مرفوضا وزائفا، ولذلك شبّه الكاتب الأخلاق بِسِلعة معروضة للبيع.

المقطع ادناه من القصة هذه يختصر ما اراده الكاتب :
تمشيت على ضفاف النيل ووجدت دكانا كُتِبَ على بابه : تاجر أخلاق جملة ومفرّق
دخلت فإذا بي أجد شوالات بجانب بعضها مكتوب عليها
صدق
كذب
مروءة
شجاعة
نفاق الي آخره
فاشتريت بضع غرامات شجاعة وشربتها مع كاس ماء وعدت إلى البيت
كانت حماتي تسكن معنا طردتها
انزعجت زوجتي طلقتها
اعترض الاولاد طردتهم
ونمت وحدي في البيت
في اليوم الثاني صحوت متأخرا كثيرا وبهدوء وبدون عجلة ذهبت للوظيفة استقبلني زميل وقال لماذا تأخرت والمدير يبحث عنك
دخلت إلى المدير وضربته وبعد وقت قصير كنت مطرودا من العمل
عدت للبيت
لا وظيفة
ولا زوجة
ولا اولاد
ماذا أفعل ؟
ذهبت لصاحب الدكان واشتريت قليلا من النفاق ولم يأتي المساء إلا والعائلة مجتمعة
في اليوم الثاني مبكرا لم يأخذ الموضوع أكثر من دقائق حتى عدت موظفا جديرا بالثقة
فكرت كثيرا بهذا الدكان وذهبت إليه واشتريت منه كل النفاق وأخذته فوق جسر
على النيل وأفرغته كله في النهر
فشربت منه الأمة كلها

قصة ارض النفاق هذه ، كتب مؤلفها في نهايتها مقيما لها:
قصة قد يكون فيها بعض الشطط وبعض الخيال ، ولكن يخيل إلى أن ما بها من حقائق قد طغى على ما بها من خيال ويضيف قائلا
هذا هو غرسكم ، ما فعلت يا أهل النفاق سوى أن طفت بها وعرضت على سبيل العينة بعض ما بها.. فإن رأيتموه قبيحا مشوها ، فلا تلوموني بل لوموا أنفسكم. لوموا الأصل ولا تلوموا المرآة . هذه قصتكم ، ومن كان
منكم بلا نفاق فليرجمني بحجر.

واقع حال المجتمع مع سياق ما يراد له من قبل اصحاب النفاق
عبر عنه منذ زمن بعيد الكاتب الروسي أنطون تشيخوف عندما سؤل كيف تكون المجتمعات الفاشلة؟
وكان جوابه
في المجتمعات الفاشلة ثمة ألف أحمق مقابل كل عقل راجح، وألف كلمة خرقاء إزاء كل كلمة واعية، و تظل الغالبية بلهاء على الدوام، ولها الغلبة دائماً على العاقل
فإذا رأيت الموضوعات التافهة تعلو في أحد المجتمعات على الكلام الواعي، ويتصدر التافهون المشهد، فأنت تتحدث عن مجتمع فاشل جداً

الكاتب الفرنسي جان بول سارتر اوضح في روايته الغثيان كيف أن المجتمع مليء بالنفاق والازدواجية، وكيف يعيش الأفراد في حالة من الغثيان والاشمئزاز من هذا الواقع

الكاتب البريطاني الشهير ويليام شكسبير في مسرحية يوليوس قيصر تعرض إلى موضوع النفاق والخيانة في إطار سياسي، مسلطاً الضوء على التلاعب والأكاذيب في عالم السياسة

اما المفكر والفيلسوف الكندي الان دومو في كتابه الذي يحمل عنوان نظام التفاهة ، و الذي صدر عام ٢٠١٥ ، فقد خلص فيه إلى إن التفاهة قد بسطت سلطانها على كافة أرجاء العالم ، و التافهون قد أمسكوا بمفاصل كل شيء ، ووضعوا أيديهم على كل شيء وصار لهم القول الفصل والكلمة الأخيرة في كل ما يتعلق بالخاص والعام. ، ويتصدر المشهد أصحاب المليارات ويعينهم أشخاصا يجيدون التملق والتزييف لتحقيق مصالحهم ويحملون عناوين اخرى.

ويضيف دونو :
إن إفراغ المجتمع من القيم وإقصاء الذوق الرفيع والسلوك النبيل والقويم، اصبح من أهم الأولويات لإرساء قواعد منظومة التفاهة وبسط سلطانها ، و لا غاية من وراء هذا كله إلا التمكين لناهبي ثروات الشعوب القائمين بإفقار كافة المجتمعات خدمة لمصلحة نخبة عالمية بما لها من اذرع واتباع في كل انحاء العالم.

إن دونو في تشخيصه هذا يحذر من العواقب الوخيمة المترتبة على السيطرة المحكمة للتافهين على كل المشاهد . وهو يشرح لتفصيل ذلك كيف مدت التفاهة أذرع سيطرتها في كل اتجاه وفي كل ميدان سواء كان ااقتصادي ، مالي ، اكاديمي ، تجاري ، سياسي، اعلامي ، فني.

المقاطع أعلاه تبين أنه اذا كان الأدباء يستخدموا الخيال والرمزية لكشف النقاب عن هذه الحقائق المرة، فإن الفلاسفه والمفكرين يحللوا ذلك ويطرحوه بالوثائق والارقام ليخرجوا برؤى وافكار في كيفية اصلاح ذلك.


هكذا تظهر الاخلاق بمثالية زائفة عند من هم في السّر يُبطنون عكسها، وفيه تختبئ حقيقتهم ليَبرزُ النفاق في أبرز تجلياته عبر تصرفات خادعة وتقلبات في الولاءات والانتمات السياسية والمجتمعية لهؤلاء اللاهثين ابدا برخص قيمي وأخلاقي على المال و النفوذ والمواقع الرسمية مع انهم غير مؤهلين لها اكاديميا ومهنيا ومجتمعيا وسياسيا. وازدادت مرارة مشاهد النفاق وتفشي الظواهر السلبية عندما استخدم العنف من دمجوا بين االنفاق والتطرف الديني ليسخدموه ، كتجارة رخيصة ، لاستقطاب ضعاف العقل والنفس ممن هم على شاكلتهم ، لتحقيق رغباتهم واطماعهم بشتى أنواعها ، دون ان يتورعوا إن يحصدوا بها ان تطلب الامر رؤؤس الابرياء في مقابر جماعية ، و في وقت يتجاهر ويرفع هؤلاء زيفا شعارات وطنية او دينية ، تجدهم يعملون كأذرع لاجندات خارجية لا يلتقون معها الا بالمصالح الآنية ، لتبان بعدها حقيقتهم بسرعة ، والدواعش وامثالهم نموذجا لمنظومات تافهه منافقه ، عاثت في الأرض والعمران والإنسان فسادا وخرابا.

كم شهد الناس نماذج حية من هؤلاء المتلونين ، ممن اشتروا النفاق من صاحب الدكان الذي اشار له السباعي في قصته ، ليقذفوا ما في جعبتهم منه في ( نهر او انهار ) بلدانهم لينهوا به كل جميل في مجتمعاتهم. وما نهر النيل الا تعبير منمق من السباعي عن المجتمعات التي يعيشوا بين ظهرانيها. اما صاحب الدكان فليس سوى احد الذين يساهموا في صنع الازمات لاجندات خاصة ، بعد ان يتم تمكينه من الامساك بمفاصل الامور لحين وان كان بشكل غير قانوني.

ما يساعد على نشر هذه الظواهر السلبية ، ان الكثير من الناس يفضل العيش في الاوهام على معرفه الحقيقة ، لان الاولى تدغدغ عواطفه او تخدره والثانية تؤلمه وتصدمه بما لا يتحمله ويستسيغه. هكذا بات يهم الكثير أن يجدوا شخص يخدرهم ويغيب عقولهم او حتى يضحكهم بالتفاهات ، اكثر من شخص يوقضهم من واقعهم.
ومن هنا يمكن إدراك كيف تتفشى الظواهر السلبية ، ومنها النفاق .

يقول المفكر والفيلسوف نعوم تشومسكي الذي توفي قبل ايام :‏
كي تتمكن من السيطرة على شعب ، اجعله يعتقد بأنه هو سبب تخلفه وأنك قادم لتنقذه.

بروفسور دكتور خالد خدر



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب ...
- قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي ...
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...
- التلوث المائي في نهري دجلة وديالى وتداعياته على الأمن البيئي ...
- الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا
- عندما تبقى مسألة العدالة بين أفراد المجتمع مؤجلة
- واقع السدود والخزانات العراقية في الموسم المطري 2025–2026 قر ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطن ...
- نحو سياسات مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء الاصط ...
- الموسم المائي 2025–2026 في العراق وإقليم كردستان: بين الوفرة ...
- البصمة الإنسانية .. الأثر الوحيد الذي يبقى رمزا للخلود
- فرق كبير بين أن تبدو صالحا اجتماعيا أمام الناس وأن تكون واقع ...


المزيد.....




- أنصار زعيم التيار الصدري في العراق مقتدى الصدر يتظاهرون في ب ...
- مصادر تكشف لـ”الحرة” حجم المضبوطات في حملة مكافحة الفساد في ...
- إصابات واعتقالات في هجوم للمستوطنين على قرية التبنة بالقدس ا ...
- خفايا -أرنك- على الجزيرة.. كيف حولت فرنسا مستودعا إلى سجن سر ...
- إصابة فلسطينيين اثنين واعتقال 4 آخرين في هجوم لمستوطنين بالق ...
- ميدفيديف: الإجراءات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران تتعارض م ...
- هكذا يستخدم اليمين الألماني المتطرف الذكاء الاصطناعي لشيطنة ...
- مئات أحكام الإعدام والمؤبد في أكبر حملة ضد المخدرات
- ممداني: هوية الولايات المتحدة تتشكل باستمرار عبر المهاجرين إ ...
- دمشق تعلن اعتقال أحد أبرز ضباط النظام السابق وتكشف علاقته بـ ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي