أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة الجزء الاول














المزيد.....

حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة الجزء الاول


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 02:54
المحور: المجتمع المدني
    


قبل أن يبدأ نهاره، جلس الرجل على حافة سريره كعادته. لم يكن ينقصه النوم، بل كانت تثقل روحه يقظةٌ طويلة من الذكريات المؤلمة وهو يتحسر على راتبه الشهري وهو يسلمه بالنهاية لمن بنت دار لابنها موعدة له ان تعيده حال اكتمال الدار ليبدأ هو ببناء داره. مدَّ يده إلى نافذة غرفته في داره المستأجرة، فرأى الشمس تشرق كما تشرق كل يوم، لكن شيئًا في داخله كان لا يزال غارقًا في ليلٍ لم ينتهِ.

كان هذا حاله كل صباح، حتى غدت السنوات تتشابه في عينيه؛ شروقٌ في الخارج، وعتمةٌ و احتراق وترتيب ضمير في الداخل لانه تسبب في ان تعيش عائلته تحت رحمه سنين الحصار في دار ايجار.
وفي كل يوم، كانت تلك الوجوه الغادرة نفسها تتسلل إلى ذاكرته، والمواقف نفسها، والوعود التي لم تُوفَ. يستعيد أيامًا منح فيها ثقته، وقلبه، وماله، ووقته لمن ظنهم أقرب الناس إليه، فإذا بالإحسان يُقابل بالجحود، والوفاء بالغدر، والإخلاص بالاستغلال ونكران الحق.

لم يكن ما يؤلمه خسارة اتعاب عمره وحدها، بل مرارة أن يكون ذلك كله قد جاء على يد أقرب الناس إليه. فقد سلّم، بوعودٍ قطعوها له مرارًا، كل ما حصل عليه هو وزوجته لأكثر من عشر سنوات من العمل الوظيفي ، على أمل أن يعيدوه إليه بعد مدة قصيرة بالطريقة التي تعاهدوا معه عليها . لكن الوعد مضى، وضاع المال، وبقيت الذكرى تثقل قلبه كلما أطل صباح جديد.

ولم تكن خسارته مجرد أرقام أو مدخرات، بل كانت سنواتٍ طويلة من التعب، والكفاح، والأحلام التي ذهبت هباءً، بما فيها من بناء دار لعائلته ، حتى أصبح يشعر أن تلك السنوات الضائعة ما زالت تعيش معه في كل صباح.
كان يستيقظ كل يوم، لا ليبدأ حياة جديدة، بل ليعيد محاكمة نفسه. يلوم طيبته، ويعاتب ثقته ويؤنبه ضميره ، ويتساءل: هل أخطأت حين أحسنت الظن بمن لا يستحق وحرمت عاىلته بما يتوجب على كل رب عائلة ان يقوم به؟ حتى أصبح الماضي الثقيل أول ضيف يدخل عقله كل صباح، قبل أن يطرق الأمل بابه.

ومرت السنوات، وهو يعيش دوامة أن الذين ظلموه هم سبب شقائه، إلى أن أدرك او تدخلت مشيئة السماء ذات صباح متأخر، ليدرك حقيقة لم يكن قد انتبه إليها من قبل.
لقد أخذوا منه سنواتٍ من التعب، وأخذوا شقاء عمره الذي لن يعود طالما عقدوا العزم على نكرانه ، لكن عليه ان يمنعهم من ان يعودوا قادرين ثانية على أن يأخذوا يومه الجديد مهما كان حاله فيه ، ليبقى عزائه انه كان صادق النية ، نقي السريرة. وفي تلك اللحظة، بدأ يدرك أن أشد ما كان يؤذيه لم يكن ما فعله الآخرون به من دمار لمستقبل عاىلته فحسب ، بل حديثه المتواصل مع نفسه عنهم. فقد كان، من حيث لا يشعر، بعد ان ادرك ان ذاك يمنحهم حق الإقامة في ذاكرته، ويفتح لهم أبواب كل صباح، حتى غدوا شركاء مغرضون في تعكير مزاجه، وقراراته، ونظرته إلى الحياة.
وهنا قال لنفسه وان كان بعد فوات الاوان :
يكفيني ما سببوه هؤلاء النكرة لي من أذى. أما ما بقي من عمري، فلن أجعلهم شركاء فيه. وإذا لم أستطع أن أغيّر ما حدث بالأمس، فإنني أستطيع أن أمنع الأمس من أن يسرق يومي، ولن أجعل من طريقة تفكيري تكمل ما بدأه الآخرون من إساءة إليّ.
ومنذ ذلك الصباح، وان كانت الحياة لم تتغير من حوله كثيرًا، لكن شيئًا عظيمًا تغير في داخله. لقد تغيرت اللغة التي كان يخاطب بها نفسه، وتغير الحوار الذي كان يدور في أعماقه، ومن هنا بدأت رحلته الحقيقية نحو السلام الداخلي.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده:
هل يستطيع الإنسان حقًا أن يترك الأمس خلفه، لا إعفاء لمن سبب له الاذى له ، بل إيمانًا بأن السماء لا تنسى حقًا ولا تُضيع عدلًا، وما عليه الا أن يمضي نحو يومه الجديد وهو يدرك أن الكلمات التي يخاطب بها نفسه هي التي ترسم ملامح حياته القادمة؟
اما ما خاطب به نفسه من كلمات فذلك حديث الجزء الثاني.



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
- الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب ...
- قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي ...
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...
- التلوث المائي في نهري دجلة وديالى وتداعياته على الأمن البيئي ...
- الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا
- عندما تبقى مسألة العدالة بين أفراد المجتمع مؤجلة
- واقع السدود والخزانات العراقية في الموسم المطري 2025–2026 قر ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء الاصطن ...
- نحو سياسات مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء الاصط ...
- الموسم المائي 2025–2026 في العراق وإقليم كردستان: بين الوفرة ...
- البصمة الإنسانية .. الأثر الوحيد الذي يبقى رمزا للخلود


المزيد.....




- انتشار أمني داخل المنطقة الخضراء تزامناً مع أنباء عن اعتقالا ...
- العراق.. انتشار قوات خاصة داخل المنطقة الخضراء وسط بغداد وأن ...
- قلق بين المهاجرين في جنوب أفريقيا مع اقتراب مهلة 30 يونيو
- الضفة.. 3 إصابات و3 اعتقالات باعتداءات إسرائيلية على 5 محافظ ...
- حركة أمل: يجب متابعة المفاوضات غير المباشرة لحل القضايا العا ...
- قيادة الجيش اللبناني: أمام ما يواجهه لبنان من تحديات استثنائ ...
- الاحتلال يصعد اقتحاماته في رام الله: 21 ألف حالة اعتقال منذ ...
- صربيا.. مئات الآلاف يتظاهرون في بلغراد دعما لسياسات الرئيس ف ...
- على نهج كندا.. بريطانيا تطرح فتح مسارات قانونية لاستقبال طال ...
- عندما تصبح العنصرية -واقعاً شبه يومي- للمسلمين في ألمانيا


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة الجزء الاول