أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتمع بالدنيا














المزيد.....

تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتمع بالدنيا


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 04:49
المحور: المجتمع المدني
    


في بداية الجزء الاول اشرت إلى عبارة نصها :الدنيا كثقيلي...
وهي عبارة بسيطة تتردد كثيرا في هذا الزمن ، على ألسنة الناس في بعشيقة وبحزاني، عبارة كتبها احد الاصدقاء في صفحته على الفيسبوك، موضحا أنها من العبارات الشعبية المتداولة في المنطقة……

و كما اشرت في الجزء الاول ، فإن أول ما يجعل الدنيا ثقيلة على الإنسان هو الإنسان نفسه ، ذلك أنه أصبح يحمل في داخله ما لم تكن الأجيال السابقة تحمله بهذا القدر من القلق والصراع. لقد تراجعت المحبة أمام الأنانية ، وأصبحت العلاقات عند الكثيرين تقاس بمدى ما تحققه من منفعة خاصة ، لا بما تمنحه من مودة وإخلاص وتعاون بين الناس.

لقد أصبحت الدنيا ثقيلة عندما فقدت القيم مكانتها في نفوس كثيرين، وحلت المصالح محل المبادئ، وأصبحت المنفعة الخاصة مقدمة على المصلحة العامة، حتى غدا الإنسان يقاس أحيانا بما يملك، لا بما يحمل من أخلاق، وبما يجمع من مال، لا بما يترك من أثر طيب.

و إذا كان الإنسان هو نقطة البداية في صناعة هذا الثقل، فإن المجتمع هو الميدان الذي تظهر فيه آثاره بوضوح. فما تحمله النفوس من قيم أو أمراض لا تبقى حبيس او رهان أصحابها، بل ينعكس على حياة الناس جميعا، وتصبح بتقدم الزمن ثقافة عامة مالوفة ومن ثم عرف مقبول وربما تتوارثه الاجيال ذلك ، إذا لم تجد من يوقفها ويبين اساسها ومخاطرها المجتمعية على الفرد والمجموع وبما يتعارض مع كل القيم.

هكذا تبدأ احيانا كثيرة رحلة الثقل الحقيقي البشر ، حين لا يبقى الطمع سلوكا فرديا، بل يتحول إلى ظاهرة مجتمعية نعم الكل ، بما لا يبقى عندها غياب الضمير حالة استثنائية، بل يصبح أمرا مألوفا يعتاد عليه الناس في عموم المجتمع حتى يكادوا لا يستنكرونه. ولنا في ذلك مقال قديم حين كان غزو القبائل العربية لبعضهم في شبه جزيرة العرب امرا مالوفا في سبيل جمع الغنائم ومن ثم تجدهم بعد هذا ينفقون ماجمعوهومن تلك الغنائم في إقامة ولاىم غداء على شرف القبيلة ، ومن هنا جاء القول عن شبح القبيلة نهال وهاب، وهذه عادة كانت متواجدة في العراق مثلا حتى نهاية الثلث الاول من القرن العشرين ، كما جاء في برنامج شهادات خاصة في لقاء اجرته الدكتور حميد عبدالله مع السيد دحام عبدالرشيد.

ولعل أخطر ما يصيب أي مجتمع أن يتحول الحسد إلى أسلوب حياة بين افرادها ، والطمع إلى وسيلة مشروعة عندهم للوصول ، فيصبح النجاح الحقيقي عند البعض هو الاستحواذ على ما ليس لهم، بعيدا عن منطق الاجتهاد والتعب في صناعة ما يستحقونه.

لقد عبرت الأديبة البروفسور كريمة الشامي المختصة في علم النفس عن هذا المعنى بدقة في مقال لها بعنوان : حين يصبح الطمع شهوة لا تشبع ، إذ تقول:
هناك طمع في المال، وطمع في السلطة، لكن أبشع الطمع أن يطمع الإنسان فيما لم يقدمه أصلا، ويطالب بما لم يكن له يد فيه ولا فضل. هنا لا نتحدث عن سوء فهم، بل عن جشع متعمد يلبس ثوب الحقوق .

إنها كلمات تختصر جانبا كبيرا من أزمة مجتمعاتنا، حيث لم يعد بعض الناس يكتفون بحقوقهم، بل تجد طمعهم يتجاوز حدود حاجتهم وقبلها استحقاقهم ، فامتدت الأيدي إلى حقوق الآخرين، ثم إلى المال العام، وكأن الأمانة أصبحت عبئا لا شرفا، والمسؤولية فرصة لكسب المال الحرام لا تكليفا لخدمة الناس.وما يتناوله الإعلام الرسمي للدولة العراقية مؤخرا حول إلقاء القبض على إعداد غير قليله من اعضاء البرلمان الحاليين والسابقين مع غيرهم من المسوؤلين الرسميين لمديريات عامة في قطاعات مختلفة يؤكد ما تناولته واشارت إليه.

عندما يصل المجتمع وبعض مؤسسات الدولة إلى هذه المرحلة، لا يعود الفساد مجرد مخالفة للقانون، بل يتحول إلى مرض يصيب الضمير قبل أن يصيب مؤسسات الدولة. فهو يبدأ بانهيار القيم ، ثم يمتد إلى الإدارة، والاقتصاد، والتعليم، والقضاء، وكل مفاصل الحياة، حتى تصبح الثقة بين الناس أول ضحاياه.

وما أقسى أن يشعر الإنسان الشريف بأنه غريب في وطنه، لأن الصدق أصبح استثناء، ونهب المال العام أصبح بطولة، والعدل أمنية مؤجلة والنزاهة مغيبة او غائبة ، بينما يتباهى الفاسدين بما جمعوه من مال ونفوذ، وكأن نهب المال العام إنجاز يستحق الفخر والحديث عنه بتبختر في المناسبات المجتمعية.

ولا يقل خطورة عن الفساد ضعف تطبيق القانون، لأن القانون حين يخضع للنفوذ، يفقد هيبته، وحين تصبح المصالح أقوى من العدالة، يشعر المواطن أن ميزان الإنصاف قد اختل، وأن الحقوق لم تعد تصان بالقانون، بل بقوة أصحابها.

وهنا تتحقق أخطر صور الثقل، لأن المجتمع الذي تهتز فيه الثقة، ويضعف فيه العدل، يصبح مثقلا بالخوف والشك. لقد سبق نبه عالم الاجتماع العراقي الكبير البروفيسور علي الوردي إلى هذه الحقيقة منذ زمن غير قليل ، حين رأى أن الإنسان يحمل في داخله صراعا دائما بين قيمه ومصالحه، وأن الحضارة لا تنهض بالقوانين وحدها، بل بتربية الضمير. فإذا غاب الضمير، بقي القانون عاجزا عن صناعة مجتمع عادل.

ولهذا، فإن بناء الأوطان لا يبدأ بالإسمنت والحجر وحدهما، بل يبدأ ببناء الإنسان. فكم من أمم كانت محدودة الإمكانات، لكنها امتلكت الضمير فنهضت، وكم من دول امتلكت الثروات، لكنها فقدت الأخلاق، فتعثرت رغم ما لديها من إمكانات.

وحيثما يحضر الظلم، يرحل الأمن، وتضعف الثقة، ويغدو العيش ثقيلا. فالمجتمع لا ينهار يوم تهدم مبانيه، وإنما يوم تهدم منظومته الأخلاقية، ويصبح الضمير صامتا أمام الظلم، والحق أسيرا للمصالح، والفساد سلوكا يجد من يبرره بدلا من أن يجد من يحاسبه.

ومن هنا، فإن ثقل الدنيا لا تصنعه الظروف وحدها، وإنما يصنعه مجتمع يتخلى تدريجيا عن قيم العدل والرحمة والنزاهة، حتى يصبح الإنسان فيه غريبا بين أهله، ويغدو البحث عن الحق رحلة شاقة في زمن كثرت فيه الأقنعة، وقل فيه من يملك شجاعة الوقوف إلى جانب الحقيقة.



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل ...
- العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة ...
- كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
- الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب ...
- قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي ...
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...
- التلوث المائي في نهري دجلة وديالى وتداعياته على الأمن البيئي ...
- الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا
- عندما تبقى مسألة العدالة بين أفراد المجتمع مؤجلة
- واقع السدود والخزانات العراقية في الموسم المطري 2025–2026 قر ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...
- نحو سياسة وإدارة مائية ذكية في العراق باستخدام تقنيات الذكاء ...


المزيد.....




- -طابور الموت-.. هل تدفع بريطانيا طالبي اللجوء لإنهاء حياتهم؟ ...
- مجلس النواب يدرج تقرير مكافحة الفساد وسبعة قوانين على جدول أ ...
- باكستان تصعد حملة ترحيل اللاجئين الأفغان بهدم المنازل وتشديد ...
- طريق العودة الشائك: مأساة اللاجئين السودانيين بين تعقيدات ال ...
- -ما وراء الخبر- يناقش وفاة عشرات الأسرى في سجون إسرائيل دون ...
- لماذا تمارس إسرائيل سادية واضحة ضد الأسرى الفلسطينيين؟
- مفوضية اللاجئين: عودة 829 سوريا من ليبيا إلى بلادهم ضمن برنا ...
- مدير الإغاثة الطبية في غزة: الاحتلال يكثف هجماته ويستهدف جنا ...
- حركة الأحرار الفلسطينية: ندعو المجتمع الدولي والمؤسسات الحقو ...
- لجان المقاومة في فلسطين: العدو الصهيوني يواصل إرتكاب جرائم ا ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتمع بالدنيا