خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 09:39
المحور:
المجتمع المدني
قد تألف مكانا جلست فيه مرارا أو شجرة اعتدت أن تستظل تحت اغصانها ، حتى يصبح لهما في نفسك شيء من الحنين إليهم. فإذا كانت هذه الأشياء التي تلامسها كثيرا تترك فيك أثرا كبيرا ، فكيف بمن ألفته الروح من بني البشر وارتبط به القلب وأصبح حضوره جزءا من ذاكرتك؟
الحب من أكثر التجارب الإنسانية التي يصعب تفسيرها بالعقل وحده. قد يأتيك الحب دون موعد ودون استئذان ، وقد تبدأ حكايته من نظرة أو كلمة أو موقف عابر ، ثم يتسع في داخلك بحيث يصبح ذلك إلانسان حاضرا في تفاصيل حياتك ، حتى حين يغيب. وحين يغيب من تحب، قد يصبح أكثر حضورا في قلبك. ترى طيفه أو تتمنى أن تسعفك الصدف في أن تلتقيه في أحد الأماكن العامة في المكان او المدينة التي تعيش انت او هي فيها أو تمرون بها ، في أسواقها ومتنزهاتها وأماكنها الشهيرة ، مثلما تذكرك بها الأغاني، أو أحاديث تدور صدفة حول تفاصيل صغيرة لا يعرف الآخرون ماذا تعني لك رغم انفاسك لا شعوريا فيها. وبهذا وذاك، قد تكون بين الناس، لكن جزءا منك يظل غائبا، لأنه عالق عند شخص ترك في روحك أثرا لا يمحوه الغياب.
لكن رغم كل هذا وذاك ، فإن الحب ، رغم جمالها وضرورته ، ليس دائما دليلا على أن العلاقة صالحة للاستمرار.
وهنا تبدأ المسألة الأكثر أهمية التي تدور حول كون ما تشعر به يمثل حبا حقيقيا. فالحب يصبح أكثر جمالا حين تجد من تحب يهتم بك ويبادلك المشاعر نفسها ويشعرك أنك لست وحدك في هذه العلاقة. لكن ماذا يحدث حين تحب من لا يحبك ، حين تمنح قلبك لشخص يبتعد عنك ، بينما قد لا تلتفت إلى آخر يقف بقربك ويمنحك الحب والاهتمام والصدق.
قد لا يكون ما يحدث في بعض هذه الحالات حبا خالصا ، بل تعلقا اختلط في داخلك بالحاجة إلى إثبات ذاتك، وكأنك لا تريد الشخص بقدر ما تريد أن تنتصر أمام رفضه. فعندما يرفضك من تحبه ، لا يؤلمك غيابه وحده ، بل يؤلمك ما يتركه خلفه من أسئلة قاسية في داخلك:
هل كنت غير كاف او ينقصني شيء؟
ماذا لو بذلت أكثر او لو استطعت أن أجعله يحبني؟
صحيح المحاولات مطلوبة عند الكثير من أجل نيل الثقة والاهتمام والحب. ولكن في حالات أخرى ، قد يتحول الآخر من إنسان تحبه إلى مرآة تبحث فيها عن قيمتك. تطارده لا لأن وجوده يمنحك السلام ، وإنما لأنك تريد أن تثبت لنفسك أنك تستحق أن يختارك. وهذا أحد أخطر أشكال التعلق ، لأنك قد تهدر وقتك وكرامتك وطاقتك في محاولة الحصول على قبول لا يأتي.
الحقيقة التي تحتاج إلى أن تتعلمها مبكرا هي أن قيمتك لا تبدأ عندما يحبك الآخر ولا تنتهي عندما يرفضك كما أنك لا تصبح أكثر قيمة لأن شخصا اختارك ولا أقل قيمة لأنه لم يختارك.
لكن أحيانا تنجذب إلى ما يصعب الوصول إليه ، وقد يبدو المستحيل أكثر جمالا لأنه مستحيل، ويبدو البعيد أكثر قيمة لأنه بعيد. فأنت مثلا قد لا ترى الشخص المعني كما هو دائما ، وإنما قد تبني حوله صورة مثالية من خيالك ، وتحب هذه الصورة التي صنعتها أكثر مما تحب الإنسان الحقيقي.
ولهذا قد تعيش سنوات في علاقة لم تبدأ أصلا ، أو في حب لم يجد طريقه إلى الحياة. إنه ذلك الحب الذي يولد كل صباح في خيالك ويظل ناقصا في الواقع ، لكنه يحتفظ بجماله لأنه لم يدخل امتحان الحياة اليومية.
وهنا ينبغي أن تميز بين أمرين: هناك حب يسكن الذاكرة وحب يصلح للحياة.
الأول قد يكون صادقا وعميقا، وقد يظل جميلا رغم عدم اكتماله.
أما الثاني فيحتاج إلى أكثر من المشاعر ، يحتاج إلى توافق ومسؤولية وقدرة على مواجهة الحياة معا.
ليس كل من سكن قلبك يصلح بالضرورة لأن يسكن حياتك. ومن الأخطاء التي قد تقع فيها أن تظن أن التضحية من أجل الحب تعني التخلي عن نفسك ، فتتنازل مرة ، ثم مرة ، ثم تجد نفسك في النهاية قد فقدت أشياء كثيرة كنت تظن أنك تستطيع الاحتفاظ بها.
الحب لا يطلب منك أن تهين نفسك كي يبقى ، ولا يطلب منك أن تتخلى عن شخصيتك حتى تصبح مقبولا ، مثلما لا ينبغي أن يتحول إلى امتحان يومي لإثبات الولاء.
العلاقة التي تجعلك في حالة مستمرة من القلق والخوف من فقدان الآخر ليست بالضرورة تكون علاقة عميقة ، قد تكون علاقة تستنزفك، لأنك أصبحت تخشى أن تكون نفسك.
ولهذا فإن العبارة التي تصلح للحياة لا ينبغي أن تكون: سأغير نفسي حتى تحبني ، بل إن تكون : سأكون صادقا مع نفسي ، وأبحث عمن يستطيع أن يراني كما أنا ، ونبني معا ما نستطيع أن نبنيه. وإذا اضطررت إلى تصغير نفسك حتى يتسع لك مكان ما ، فقد تجد مكانا ، لكنك لم تجد انتماء.
الحب الذي لا يؤذي الروح ، ولكن العلاقة السوية لا تخلو من الاختلاف. فأنت وشريكة حياتك شخصان مختلفان ، لكل منكما تجربته وشخصيته واحتياجاته وذاكرته.
لكن الاختلاف شيء ، وتحويل العلاقة إلى صراع شيء آخر.
فحين يصبح الحب سيطرة ، قد تبدأ في مراقبة الآخر. وحين يصبح الحب امتلاكا تضيق معه مساحة الحرية.
وحين يصبح الحب ابتزازا، يصبح الخوف وسيلة للبقاء.
وحين يصبح الحب استنزافا ، تبدأ في فقدان نفسك وأنت تحاول إنقاذ العلاقة.
لذلك فإن الحب الناضج لا يقوم على سؤال:
كيف أجعل الآخر لي ، بل على سؤال: كيف نجعل وجودنا معا أكثر أمنا وطمأنينة ونضجا؟
فالحب الحقيقي لا يطفئ روح من تحب ولا يجعله يخاف من التعبير عن نفسه، ولا يجبره على الصمت حتى تستمر العلاقة.
الحب الذي يستحق أن يبقى هو الذي يساعدك ويساعد من تحب على أن تكونا أفضل ، لا الذي يجعلك أقل من نفسك.
أحيانا يكون الرحيل مؤلما، لكنه ضروري.
وقد تتمسك بعلاقة لأنك تخاف الوحدة ، لا لأنك سعيد فيها.
وقد تظن أن فقدان شخص يعني فقدان قيمتك أو مستقبلك أو قدرتك على الحب مرة أخرى.
لكن الحياة تعلمك أن بعض الأبواب التي تغلق في وجهك لم تكن أبوابك أصلا. فليس كل من أحببت كان مقدرا له أن يكمل معك الطريق. وليس كل من ابتعد عنك قد ظلمك.
أحيانا يكون الافضل لك هو أن تتوقف عن طرق باب لا يفتح. فإذا كنت تحب نفسك ، فلا تطارد إلى ما لا نهاية شخصا اختار الغياب ، ولا تحول الرفض إلى معركة ، ولا تجعل حياتك رهينة لجواب قد لا يأتي.
وهنا تصل إلى واحدة من أصعب مراحل النضج العاطفي:
أن تعرف الفرق بين من يثير مشاعرك ومن يصلح لحياتك.
قد يلفت انتباهك شخص لأنه مختلف أو غامض أو بعيد أو يصعب الوصول إليه.
وقد تشعر تجاهه بانجذاب شديد.
لكن الانجذاب لا يخبرك دائما إن كان هذا الإنسان قادرا على أن يكون شريكا صالحا.
فالشريك الذي يصلح لحياتك ليس بالضرورة يكون الأكثر إثارة لمخيلتك ، وإنما الأكثر قدرة على مشاركتك الواقع.
الذي يصلح لحياتك هو من تستطيع أن تختلف معه دون أن تخاف ، وتتعب أمامه دون أن تخجل ، وتنجح بجواره دون أن يشعر بالتهديد ، وتفشل دون أن تشعر أنك فقدت قيمتك ، وان تكون نفسك دون أن تخشى أن يتركك.
وهذا هو الفرق بين الحب الذي يملأ اللحظة ، والحب الذي يستطيع أن يعبر السنوات.
رغم أن الحب ليس اختيارا ، بل قد يأتي في لحظة دون أن تدري كيف اقتحم قلبك ، ولكن يمكن القول عموما أنه قبل أن تسأل من أحب او تستمر في هذا الحب ، ربما عليك أن تسأل:
من أنا وماذا أريد من الحياة ، وما الذي لا أستطيع أن أتنازل عنه؟
فإذا كنت لا تعرف نفسك ، فقد تختار شريكة حياتك بناء على الانبهار أو ضغط المجتمع أو الخوف من الوحدة أو المظهر أو المال أو مجرد الانجذاب. أما إذا عرفت نفسك ، فإنك تصبح أكثر قدرة على اختيار من يناسبك. وهنا لا يعود الحب مجرد حادثة عاطفية ، وإنما يصبح بداية لقرار واع.
الزواج والعلاقة الطويلة لا يعيشان على الشوق وحده. إنهما يحتاجان إلى احترام متبادل ونضج وصدق وقدرة على الحوار مع توافق في القيم والشعور بالأمان، مصحوبا بإرادة حقيقية في أن تواجه أنت وشريكة حياتك الحياة معا.
لهذا فإن حسن الاختيار ليس تقليلا من شأن الحب ، بل هو حماية له. ولا شك في أن الجمال قد يكون بداية الحكاية ، وقد تجذبك ملامح إنسانة أو عيناها أو ابتسامتها أو حضورها.
لكن الجمال الذي تراه العين قد يتغير مع الزمن ، أما الجمال الذي تكتشفه الروح فيمكن أن يزداد.
قد تصبح المرأة التي أحببتها أجمل في عينيك لأنها كانت رحيمة حين تعبت، وصادقة حين كان يمكنها الكذب ، وفية حين كان يمكنها الرحيل. وقد يصبح وجهها مرتبطا في ذاكرتك بكل لحظة شعرت فيها بالأمان.
لهذا فإن الحب لا يرى الجمال بالعين وحدها. إنه يرى في الإنسان شيئا يتجاوز ملامحه ، يرى روحه وطريقته في التعامل ودفء حضوره وقدرته على أن يجعل الحياة أقل قسوة.
وربما يكون الحب الناضج هو أن تصل إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى إثبات شيء للآخر، ولا تحتاج إلى مطاردته كي تتأكد أنه يحبك ، ولا تحتاج إلى التضحية بكرامتك كي لا تخسره ، ولا تحتاج إلى مراقبته كي تطمئن ، ولا تحتاج إلى تغيير نفسك كي تستحق وجودك في حياته.
جميل ان تحب دون ان تفقد نفسك ، وان تعطي دون أن تستنزف ، وان تشتاق دون تذل نفسك ، وان تختلف دون أن تؤذي ، واخيرا ان تقترب دون أن تمتلك.
جميل ان تبقى مع الآخر لأنكما تختاران بعضكما ، لا لأن أحدكما يخاف من الوحدة. وهنا فقط يصبح الحب أكثر من مجرد شعور ، يصبح وعي ومسؤولية وشراكة إنسانية.
وفي النهاية ، يمكن القول ان الحب ليس أن تجد شخصا لا تستطيع العيش بدونه ، فهذه قد تكون صورة من صور التعلق.
الحب الأجمل أن تجد إنسانا تستطيع أن تعيش معه دون أن تفقد نفسك.
أن تجد من يترك في روحك أثرا جميلا ، لا جرحا دائما.
من يمنحك الأمان ، لا القلق.
من يحترم حضورك كما يحترم غيابك.
من يعرف أن الحب ليس امتلاكا والوفاء ليس سجنا ، وأن العطاء لا يعني إلغاء الذات.
فليس كل من أحببت كان نصيبك ، وليس كل من فقدت كان خسارة ، وليس كل من تطارده هو من يستحق أن تبني معه حياتك.
وأحيانا يكون أعظم ما تفعله من أجل قلبك أن تتوقف عن الركض خلف من لا يحمل لك نفس مشاعرك و يعود ذلك ببساطة إلى أنه اما مشغول بمستقبله بطريقة أخرى ، اولعله ليس أهلا لمشاعرك ولا يستحقها لأنه مثلك يركض دون ان تدري خلف غيرك ، وعندها تزداد المسافة مضاعفة بينكما. وهنا عندما تلتفت إلى نفسك تكتشف أن قيمتك كانت موجودة قبل الحب وأن كرامتك يتوجب أن لا تكون ثمنا للحصول عليه. فالحب الحقيقي لا يجعلك تسأل كل يوم:
هل أنا كاف ، بل يجعلك تشعر ببساطة أنت محبوب كما هو أنت ، وأنت آمن كما هو أنت، وأنت قادر على أن تكون نفسك دون خوف.
وعندما يصل الحب إلى هذه المساحة، لا يعود مجرد انجذاب بين رجل وامرأة….
بل يصبح لقاء روحين عرف كل منهما قيمة الآخر، وعرف في الوقت نفسه قيمة نفسه.
وربما هنا يبدأ سؤال آخر لا يقل أهمية عن سؤال الحب والاختيار:
ماذا يحدث عندما تقرر أن تحول هذا الحب إلى حياة مشتركة؟ فأن تعرف من تحب وأن تعرف من يصلح لأن يكون شريكا لحياتك لا يعني بالضرورة أنك أصبحت مستعدا للزواج. فالزواج ليس امتدادا للمشاعر وحدها ، وإنما انتقال من عالم العاطفة وإلى عالم المسؤولية ، وانتقال من لحظة الاختيار إلى اختبار القدرة على بناء حياة مشتركة.
ولهذا فإن حسن الاختيار لا يكتمل إلا بالاجابة على سؤال آخر:
هل انت مستعد فعلا للزواج أم انت تتعجل قرارا أكبر من نضجك وقدرتك على تحمله؟
ومن هنا تبدأ حكاية أخرى...
حين يسبق قرار الزواج مقياسا لنضج الإنسان.
وهذا ما يكون موضوع مقال لاحق مكمل.
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟