خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 09:21
المحور:
المجتمع المدني
الحب الحقيقي لا يشترى بالمال ، ولا يقاس بما يملكه الإنسان ، بل بما يقدمه من صدق ووفاء واحتواء حين تتغير ظروف الحياة. إن حسن الاختيار في شريك الحياة ليس قرارا عابرا ، بل هو بداية لصناعة حياة مشتركة يمكن أن تصبح أجمل وأكثر استقرارا وأمانا حين يقوم الاختيار على معرفة الإنسان نفسه ، لا على ما يملكه أو ما يبدو عليه.
قد يبدو الحب في بدايته شعورا جميلا لا يحتاج إلى تفسير ، إذ تكفي نظرة أو كلمة أو لقاء ، ليشعر الإنسان أنه وجد الشخص الذي كان يبحث عنه. لكن البدايات لا تكشف دائما حقيقة المشاعر ، فالأيام وحدها قادرة على أن تضع الحب أمام اختباره الحقيقي.
في الظروف الاعتيادية ، حين تكون الحياة ميسرة ولا تثقل الإنسان بالمسؤوليات والضغوط ، يستطيع كثيرون أن يقولوا لمن الهمهم العواطف والمشاعر الجميلة : أحبك. لكن الحب لا تثبته الكلمات في الأوقات والظروف الاعتيادية التي لا يترتب عليها أية التزامات ، وإنما تكشفه المواقف حين تضيق الحياة وتتغير الظروف ، وتزداد المسؤوليات وتظهر الحاجة إلى الصبر والتضحية والتفاهم. عندها لا يعود البقاء إلى جانب من يحب الإنسان أمرا سهلا ، لأن المعدن الحقيقي للمشاعر تظهر على حقيقتها. فالحب العابر يبحث عن راحته حين تتغير الظروف ، أما الحب الحقيقي فيبحث عن الإنسان الذي أحبه ، ويظل قريبا منه حين يحتاج إلى السند أكثر من أي وقت مضى.
لذلك فإن حسن اختيار شريك الحياة لا ينبغي أن يقوم على المال أو المظهر أو الانبهار اللحظي بالجمال والممتلكات ، بل على الأخلاق والاحترام والنضج والقدرة على تحمل المسؤولية. وهنا يطرح نفسه سؤال أكثر عمقا:
هل سيبقى هذا الإنسان إلى جانبي حين تتغير الحياة ، أم أن حبه مرتبط فقط بالأيام الجميلة؟
فالحب الحقيقي ليس أن يجد الإنسان من يحبه حين تكون الحياة سهلة ، وإنما أن يجد من يختاره مرة أخرى حين تصبح الحياة صعبة. وعندما يجتمع الحب الصادق مع حسن الاختيار ، لا يصبح الزواج مجرد علاقة بين شخصين ، بل يصبح شراكة في مواجهة الحياة وتحمل ظروفها وتحدياتها ، ليتم حينها صناعة مستقبل يزداد قوة وجمالا كلما اشتدت الرياح.
عندها يفهم الإنسان أن الحب الحقيقي ليس مجرد إعجاب أو انجذاب ، ولا كلمات جميلة تقال في لحظات العاطفة ، بل شعور ينضج مع الزمن ويتحول إلى مسؤولية ووفاء واحترام ، وإلى قدرة على الوقوف إلى جانب الآخر عندما لا تسير ظروف ووقائع الحياة كما يتمنيان. وهنا قد يصل الحب في أصدق حالاته إلى أن يصبح الإنسان الذي يُكّن له حبا وطنا ، لا لأنه يعيش مع ذلك الشخص في بيت جميل ، وإنما لأنه يمنحنه الأمان والانتماء ، حتى عندما تضيق به الأمكنة.
في زمن أصبحت فيه المادة حاضرة بقوة في حياة الشباب تحديدا ، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل يستطيع المال أن يصنع الحب أو يشتري قلب الإنسان؟
قد يتصور بعض الشباب أن ما يملكونه ، أو ما تملكه عائلاتهم من أموال وعقارات ومكانة اجتماعية ، يمكن أن يمنحهم القدرة على الفوز بالفتاة التي يريدونها. وفي المقابل ، قد تنظر بعض الشابات إلى المال والممتلكات باعتبارها المعيار الأهم في اختيار شريك الحياة. ولا يمكن ، بالطبع ، إنكار أهمية الاستقرار المادي ، فالزواج مسؤولية والأسرة تحتاج إلى حياة كريمة ، لتكون وفقها القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية أمر مهم لاستقرار الأسرة.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال من وسيلة إلى معيار ، ومن عنصر من عناصر الاستقرار إلى مقياس لقيمة الإنسان.
فالمال قد يجذب الأنظار ويوفر الراحة ، لكنه لا يستطيع شراء قلب صادق ، ولا صناعة وفاء ، ولا ضمان استمرار علاقة عندما تأتي أول عاصفة.
يمكن للمال أن يشتري بيتا ، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يجعله دافئا. ويمكن للمال أن يوفر أجمل ما يتمناه الإنسان ، لكنه قد لا يستطيع أن يمنح ذلك الإنسان شريكا يحترمه حين يختلف معه ويسنده حين يضعف ، ويحفظ كرامته في غيابه ، ويبقى إلى جانبه عندما تتغير الظروف.
من هنا تصبح مسؤولية الشاب والشابة في اختيار شريك الحياة أكبر من مجرد البحث عما يملكه الآخر من مال وممتلكات ، إلى البحث عما يملكه في داخله من محبة واحترام ونضج وصدق ومسؤولية.
فالزواج ليس صفقة بين ثروة ومظهر ، وإنما اختيار لإنسان سيشاركه أجمل أيام الحياة وأصعبها. ولذلك ينبغي أن تكون الأسئلة الأهم:
هل هذا الإنسان صادق؟
هل يتحمل المسؤولية؟
هل يحترم الآخر؟
هل يعرف معنى الوفاء؟
هل أستطيع أن أشعر معه بالأمان؟
وهل سيبقى إلى جانبي إذا تغيرت الظروف؟
إن حسن الاختيار لا يعني أن يبحث الإنسان عمن يملك أكثر ، بل عن الإنسان الذي يستحق أن يشاركه ما يملك ، وما قد يملكه ، وما قد يفقده أيضا.
الثروة قد تزيد أو تنقص ، والعقارات قد تباع أو تضيع والمكانة الاجتماعية قد تتغير ، وحتى الجمال الذي يجذب الآخر في البداية يتغير مع مرور السنوات. أما الشخصية والخلق والاحترام والمسؤولية والوفاء ، فهي التي تظهر قيمتها الحقيقية عندما تبدأ الحياة المشتركة في كشف وجوهها المختلفة.
ولعل السؤال الأكثر نضجا الذي يمكن أن يطرحه الشاب أو الشابة قبل اختيار شريك الحياة هو:
لو تغيرت ظروف هذا الإنسان غدا وبقي منه شخصه فقط ، هل سأظل أختاره؟
إذا كانت الإجابة نعم ، فربما يكون الاختيار هنا قد تجاوز المال والمظاهر ووصل إلى الإنسان نفسه.
من بين القصص التي قرأتها على مواقع التواصل الاجتماعي واستوقفتني لما تحمله من دلالة إنسانية ، قصة شاب تونسي وشابة أوكرانية ، رأيت فيها تجسيدا لمعنى أن يصبح الإنسان وطنا لمن يحب. وكانت هذه القصة ، بما تحمله من مفارقات ومواقف إنسانية ، من الأسباب التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال.
سافر الشاب التونسي إلى إيطاليا بحثا عن حياة أفضل ، لكنه واجه ظروفا صعبة ، ولم يجد الدعم الذي كان يتوقعه من شقيقته المقيمة هناك. وفي غربته التقى شابة أوكرانية وقفت إلى جانبه ، وساعدته ماديا ومعنويا في وقت كان بأمس الحاجة فيه إلى من يسانده.
ثم تعرض لمشكلة أعادته إلى تونس.
كان يمكن أن تنتهي الحكاية عند ذلك الحد ، لكن بعد نحو عام جاءت الشابة الأوكرانية إلى تونس وتزوجته ، واختارت أن تبدأ معه حياة جديدة ، رغم اختلاف البلد واللغة والثقافة والظروف.
لكن الحياة لم تكن سهلة مع كلاهما. فالشابة واجهت مضايقات داخل أسرته ، وتعرضت لمواقف قاسية وصلت ، بحسب ما ورد في القصة المتداولة ، إلى الاعتداء عليها من قبل شقيقة زوجها الثانية ، ثم تبع ذلك سرقة بعض حاجاتها وأموالها. ومع ذلك لم تتخل عن الرجل الذي اختارته.
وتفاقمت الخلافات العائلية ، وانتهى الأمر بطرد الزوجين من المنزل.
وسرعان ما وجد الشاب نفسه بلا بيت يأويه ولا مكان يسكن فيه أو يلجأ إليه. وفي مثل هذه الظروف قد يكون الرحيل بالنسبة إلى الزوجة الغربية التربية الغريبة عن هذا المحيط أسهل من البقاء ، وقد تبدو الحياة معها أقوى من الحب.
لكنها مع كل ذلك بقيت معه.
كانت تنام حيث ينام ، وتذهب معه في الصباح إلى مكان عمله وتواجه معه قسوة الأيام ، وكأنها تقول له إن الحب ليس بيتا من جدران ، وإنما إنسان يقف إلى جانبك حين تسقط عنك كل أشكال الأمان.
والأكثر تأثيرا في القصة أنه عندما استضافتها إحدى البرامج التلفزيونية ، سألها المذيع عن سبب تحملها لكل هذه الصعوبات.
لم تتحدث طويلا ، ولم تبحث عن كلمات كبيرة.
قالت ببساطة:
I love him.
أنا أحبه.
عندها لم يتمالك الشاب نفسه وانهمرت دموعه. ربما لأنه شعر بأنه عاجز عن أن يوفر لها حتى أبسط ما تحتاج إليه ، بيتا آمنا.
فنظرت إليه وقالت:
I m your home when you don t have a home.
أنا منزلك عندما لا يكون لديك منزل.
في هذه الجملة القصيرة اختصرت المرأة معنى عميقا للحب.
فالبيت قد يمنح الإنسان سقفا ، لكن الحب يمنحه الأمان. وقد يعيش الإنسان في أجمل البيوت وهو يشعر بالغربة ، بينما يشعر بالدفء في أبسط مكان عندما يكون إلى جانب من يحب.
وهنا تتجلى قيمة حسن الاختيار التي أشرت إليها في بداية المقال. فهذه المرأة ، كما تروي القصة ، لم تختر الرجل بسبب ما يملك ، بل اختارت الإنسان نفسه أو الإنسان فيه ، واختارت أن تواجه معه ما لا تعرفه عن ما يواجهه في المستقبل ، في بلد وثقافة ومحيط لم تكن تعرفه او تعيشه من قبل.
قد لا تكمن قيمة هذه القصة في ظروفها الاستثنائية وحدها ، وإنما في السؤال الذي تتركه خلفها:
ماذا يبقى بين شخصين عندما تتغير كل الأشياء التي أحاطت بحبهما؟
المال قد يزيد أو ينقص. البيت قد يتغير. العمل قد يضيع. المكانة الاجتماعية قد تتبدل. وحتى الظروف التي تبدو مستقرة اليوم قد تنقلب غدا.
لكن الإنسان الذي يتم اختياره شريكا للحياة هو الذي سيبقى عندما تتغير الأشياء.
ولهذا ، فإن الحب الحقيقي لا يقاس بما يستطيع الإنسان أن يقدمه لمن يحب في أيام الرخاء او الصفاء ، وإنما بما يبقى في قلبه من وفاء عندما تأتي أيام الشدة.
إنها رسالة ، تستحق أن يتوقف عندها شباب هذا الجيل وشاباته. رسالة مفادها ، لا تجعلوا المال وحده معيارا للحب أو محددا واحدا للزواج ، ولا تجعلوا المظاهر بديلا عن معرفة الإنسان الذي ستشاركونه العمر.
اختاروا من يحترمكم ومن يتحمل المسؤولية ، ومن يمنحكم الأمان ومن تستطيعون أن تواجهوا معه الحياة عندما تصبح قاسية.
نعم ، قد تشتري الثروة بيتا كبيرا ، لكنها لا تصنع أسرة سعيدة بالضرورة. وقد يبدأ شخصان حياتهما بإمكانات محدودة ، لكنهما يبنيان معا بيتا لا تستطيع الثروة وحدها أن تشتري مثله ، بيتا يقوم على المودة والاحترام والتعاون والوفاء.
وفي النهاية ، ربما لا يكون السؤال الأهم لكل شاب أو شابة:
كم يملك من أختاره؟
ولا:
ماذا سأحصل عليه من هذا الزواج؟
بل:
من هو الإنسان الذي سأختاره إذا تغير كل ما يملكه ، وبقي هو؟
هناك فقط سيعرف كل منهما إن كان قد اختار المال أم اختار الإنسان.
وربما لهذا يصبح من يختاره الإنسان كشريك للحياة وطنا له ، ليس لأنه يمنحه مكانا يعيش فيه ، بل لأنه يمنحه مكانا يشعر فيه أنه ينتمي له ، وأنه ليس وحده في معارك الحياة.
فأحيانا يكون الحب هو البيت الذي يحمله الإنسان معه ، حتى عندما يفقد كل البيوت.
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟