أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - حين يرى الإنسان الآخرين بعيني نفسه يكون حكيما















المزيد.....

حين يرى الإنسان الآخرين بعيني نفسه يكون حكيما


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 08:25
المحور: المجتمع المدني
    


من أكثر ما تكشفه التجارب البشرية ، أن اختلاف الناس لا يكمن في الأفعال وحدها ، بل في الطريقة التي يفسرون بها تلك الأفعال. فليس هناك إنسان يراه الجميع بالصورة نفسها ، لأن كل واحد ينظر إليه من نافذة تختلف عن نافذة غيره ، تحمل معها خبراته ومخاوفه وآماله وأحكامه المسبقة. ولهذا قد يكون الإنسان نفسه محل تقدير كبير عند شخص، ومحل تحفظ عند آخر، بينما يراه ثالث بصورة مختلفة تماما. وليس معنى ذلك أن شخصيته تتبدل مع كل من يلقاه، وإنما لأن كل شخص يرى الآخرين ليس كما هم، بل كما هو في داخله، أي إنه حين ينظر إلى أي شخص يضيف من داخله إلى واقع ذلك الشخص شيئا من ذاته قبل أن يصدر حكمه.

في كثير من الأحيان، لا يرى الإنسان الآخرين كما هم ، بل كما هو في داخله. من كان مطمئنا رأى في وجوه الناس طمأنينة، ومن كان مثقلا بالشك قرأ في أبسط الكلمات ملامح تهديد. وهكذا تصبح أفعال ذوي القلوب الطيبة مرايا، لا تعكسهم، بل تعكس من ينظر إليها.
ولهذا فإن كثيرا من الأحكام التي نصدرها على الآخرين لا تعبر عن حقيقتهم بقدر ما تعبر عن طريقتنا في رؤية العالم. فالإنسان لا ينظر بعينيه فقط، بل ينظر أيضا بقلبه وذاكرته وتجربته وما يختزنه من مشاعر قديمة.

ولهذا السبب قد يسيء بعض الناس فهم المواقف النبيلة أو يفسروا حسن النية على أنه ضعف، أو يعدوا الصراحة وقاحة أو إساءة، أو يروا في الصمت تكبرا، بينما قد يكون لكل موقف تفسير مختلف تماما لو نظروا إليه بعيدا عن أحكامهم السابقة.

كم من يد امتدت بصدق ، فظن أنها تمتد لمصلحة.
وكم من يد ضحت بسخاء ناسية نفسها، ففسر ذلك على أنه واجب فقط، وكم من كلمة خرجت من قلب طيب، فحملت ما لم تقصده، ليس لأن مصدرها أخطأ أو يخطئ دائما، بل لأن القلوب التي استقبلتها لم تكن على حال واحدة.
ويشير علم النفس إلى أن الإنسان قد يسقط على الآخرين بعض ما يرفض الاعتراف به في نفسه، فيرى فيهم العيوب التي يخشى مواجهتها داخله. وهنا تصبح المشكلة ليست في الواقع، بل في العدسة التي يرى بها الواقع.

ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته بالكذب على الذات، وهو ليس مجرد قول غير صحيح، بل عملية نفسية أكثر تعقيدا، يبني فيها الإنسان رواية مريحة يقنع بها نفسه، حتى يحافظ على الصورة التي يريد أن يراها عن ذاته. فقد يقنع نفسه بأنه مظلوم في كل موقف، وأن الآخرين هم سبب كل ما يمر به، لأن الاعتراف بجزء من المسؤولية يتطلب شجاعة قد لا يمتلكها. وقد يكرر آخر أمام الناس أنه لا يخطئ أبدا، بينما يخفي في أعماقه خوفا عميقا من مواجهة حقيقة نفسه.

ولذلك فإن بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة، بل يبحثون عما يؤكد ما يؤمنون به مسبقا. فهم لا ينصتون ليفهموا، وإنما ينصتون ليلتقطوا من الكلام ما يوافق أحكامهم السابقة، ويتركون كل ما يخالفها.
وقد يحدث ذلك في خلاف عائلي أو في بيئة العمل أو بين الأصدقاء، إذ يدخل أحدهم حوارا ما وقد حسم النتيجة قبل أن يبدأ النقاش، فلا يعود الهدف الوصول إلى الحقيقة، وإنما الانتصار للرأي الذي تبناه منذ البداية.
ولهذا يكون النقد مؤلما عند بعض الناس لا لأنه قاس، بل لأنه يقترب من منطقة يحاولون إخفاءها عن أنفسهم. فالكلمة قد توقظ حقيقة ظلوا يؤجلون الاعتراف بهاى، ولذلك تكون مقاومتها أيسر عليهم من مواجهة ذواتهم.

أما الإنسان الذي يصالح نفسه ويعترف بنقاط ضعفه كما يعترف بنقاط قوته، فإنه يصبح أكثر هدوءا أمام النقد ، لأنه لا يدافع عن صورة مثالية صنعها لنفسه ، بل يتعامل مع حقيقة يعرفها ويسعى إلى تطويرها.

ومن علامات النضج ، أن يدرك الإنسان أن ليس كل سوء فهم يحتاج إلى تفسير، وليس كل اتهام يستحق الدفاع ، وليس كل رأي ملزما بأن يغير وفقه مسار حياته. فهناك معارك يربحها الإنسان بمجرد أن يقرر ألا يخوضها ، لأن كرامته أثمن من أن تستنزف في إقناع من لا يريد أن يقتنع. فالوقت الذي يضيع في مراقبة تأويلات الآخرين وملاحقتها أولى أن يستثمر في بناء النفس ورعاية العلاقات الصادقة التي تقوم على الثقة والاحترام المتبادل. أما الذين أصروا أو يصرون على رؤية صورة لا تشبه الحقيقة، فلن تغيرهم كثرة التبريرات، لأن المشكلة لم تكن يوما في وضوح الحقيقة، بل في استعدادهم لرؤيتها.

إن السلام الداخلي للإنسان لا يتحقق عندما ينجح في إقناع الجميع بحقيقته، وإنما عندما يصبح هو واضحا أمام نفسه. فآراء الآخرين تتغير، وانطباعاتهم تتبدل، وقد يبني بعضهم صورا عنه لا تشبهه ، لكن ذلك الإنسان يبقى مسؤولا أولا عن الصورة التي يحملها عن ذاته أمام ضميره.
بالمقابل، ليس من الحكمة أن يقضي الإنسان عمره في تصحيح كل فكرة خاطئة عنه، لأن بعض الناس لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن الصورة التي تناسب قناعاتهم. وقد يكون الصمت في بعض المواقف أكثر صدقا من كثرة التبرير، لأن الأفعال المتراكمة مع الزمن أقدر على كشف الإنسان من الكلمات التي يدافع بها عن نفسه.
فالإنسان الذي يعيش وفقا لمبادئه لا يحتاج دائما إلى أن يشرح أو يوضح نفسه، لأن قيمه تظهر في طريقة تعامله، وفي مواقفه، وفي أثره الذي يتركه في حياة الآخرين. وقد ينسى الناس كلمات قيلت لهم أو مواقف مرت بهم، لكنهم غالبا لا ينسون الشعور الذي تركه إنسان ما في نفوسهم، من حيث هل منحهم طمأنينة أم أثقلهم بألم، أو هل كان حضوره مصدر خير أم عبئا عليهم.

وهنا تظهر قيمة البصمة الإنسانية ، فليس أعظم ما يملكه الإنسان عدد الذين عرفهم ، ولا مقدار ما جمعه من إعجاب وتقدير الآخرين ، وإنما الأثر الطيب الذي يبقى بعد غيابه. فالكلمة الصادقة والموقف النبيل والمساعدة التي قدمت بإخلاص، قد تستمر في ذاكرة الآخرين أكثر من أشياء كثيرة يظن الإنسان أنها هي التي تصنع قيمته.

إن المحافظة على هذه البصمة لا تعني أن يهمل الإنسان نفسه. فكما يحتاج الآخرون إلى الراحة والرحمة، فإن نفسه أيضا تحتاج إليهما. وكما نغفر للآخرين أخطاءهم، ينبغي أن يتعلم كيف يعامل نفسه بإنصاف ، فلا يحملها مسؤولية كل سوء فهم ، ولا يعاقبها أو يؤنبها لأنها اختارت موقفا خيرا في عالم لا يقابل الخير دائما بمواقف كهذه.

إن اللطف مع النفس ليس أنانية ، بل ضرورة، لأن الإنسان الذي يستنزف نفسه في محاولة إرضاء الجميع قد يصل إلى مرحلة يفقد فيها القدرة على العطاء. أما الإنسان المتوازنو، فإنه يدرك أن محبة الآخرين لا ينبغي أن تكون على حساب احترامه لذاته وحقها عليه ، وأن التضحية الحقيقية لا تعني إلغاء الإنسان لنفسه.

إن القلب ليس مكانا لكل عابر، وليس كل من اقترب يستحق أن يعرف أو يسكن أعماقه. هناك فرق بين أن يكون الإنسان محبا وبين أن يكون متاحا للجميع ، وبين أن يكون متسامحا وبين أن يسمح بتكرار الأذى بحقه. فالحكمة لا تطلب من الإنسان أن يغلق قلبهى، بل أن يضع له بابا يعرف متى يفتحه ومتى يحميه.
إن أجمل ما تعلمنا إياه الخيبات ليس أن نتوقف عن الحبو، وإنما أن نحب بوعي أكبر. فهي لا تعلمنا القسوةو، بل تعلمنا التمييز ، ولا تدعونا إلى فقدان الثقة ، بل إلى منحها لمن يعرف قيمتها.

القلب النقي ليس قلبا لم يعرف المعانات و الألم ، بل قلب عانى وعرف معنى الألم ، لكنه لم يسمح لهذا الالم بأن يحوله إلى قسوة. والقلب النقي لا يعني أنه قلب لم يخذله أحد، بل هو قلب مر بتجارب كثيرة في حياته ، لكنه اختار رغم ذلك أن يبقى إنسانا.

كلمة أخيرة:
ليست القضية كيف يرانا الناس ، لأن لكل إنسان مرآته الخاصة التي يرى من خلالها الآخرين. القضية الأعمق هي كيف نرى أنفسنا حين نختلي بها، وحين تهدأ الأصوات من حولنا، يبقى معنا شاهد واحد لا يغيب عنا، هو ضميرنا.
فحين يكون الإنسان صادقا مع ذاته يصبح أكثر قدرة على قبول الحياة كما هي ، دون أن ينتظر من أحد أن يفهمه، ولا يسمح لسوء فهم الآخرين أن يغير جوهره.

ويتجسد المعنى الحقيقي للحكمة في أن نحمي قلوبنا دون أن نفقدها ، وأن نبقى طيبين دون أن نكون ضعفاء مرتاحين للجميع. ويبقى القلب الذي تحرسه الحكمة ، قادرا على المحبة التي تشكل القوة الهادئة التي لا يراها الجميع ، لكنها تصنع أجمل ما في الإنسان.



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقد ...
- انكسار القلب…. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ال ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل ...
- العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة ...
- كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
- الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب ...
- قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي ...
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...
- التلوث المائي في نهري دجلة وديالى وتداعياته على الأمن البيئي ...
- الطيبة التي لا تحرسها الحدود: كيف تُساء قراءة النوايا


المزيد.....




- إسبانيا تندد بالرد -الأناني- لبعض دول الاتحاد الأوروبي على أ ...
- رويترز: الجوع والعداء يجبران مئات المهاجرين على مغادرة سبتة ...
- السودان.. -يونيسف- تحذّر من -كارثة هائلة تتفاقم- في الأبيّض ...
- تداعيات أزمة الهجرة تتكشف بعد عودة آلاف المهاجرين غير النظام ...
- سوريا: اعتقال ثلاثة أشقاء متورطين في مجزرة تصفية 15 معتقلاً ...
- هدوء حذر في سبتة بعد عودة آلاف المهاجرين واجتماع أوروبي طارئ ...
- إسبانيا تنصب حاجزا عائما عند حدودها مع المغرب لوقف تدفق المه ...
- عريضة دولية للإفراج عن الغنوشي والسجناء السياسيين في تونس
- إسبانيا تعلن عودة عشرات الآلاف من المهاجرين من سبتة إلى المغ ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام 3 أشخاص وتكشف ما أُدينوا به


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - حين يرى الإنسان الآخرين بعيني نفسه يكون حكيما