خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 22:32
المحور:
المجتمع المدني
قد لا يكون أصعب ما يواجهه الإنسان في هذه الحياة أن يخسر مالا أو يفقد منصبا أو يخذله صديق أو يتنكر له قريب . فهذه الأمور وأمثالها الكثير ، على قسوتها ، تعتبر خسارات يستطيع الزمن أن يخفف من وطأتها ، وقد يعوض الإنسان عنها بما هو خير. أما الخسارة التي لا يعوضها شيء ، فهي أن يخرج الإنسان من معاركه اليومية بقلب لم يعد يعرف الرحمة ، وروح أرهقها الحقد ونفس اعتادت الشك حتى صارت ترى الشر في كل وجه تقابلها والخيانة في كل يد تمتد اليها والمصلحة في كل ابتسامة ترسم لها.
هناك تبدأ الهزيمة الحقيقية.
فالناس لا ينتصرون علينا حين يسلبون منا شيئا من دنيانا ، وإنما ينتصرون عندما يدفعوننا إلى أن نصبح مثلهم ، فنرد الغدر بالغدر والإساءة بالإساءة والخداع بالخداع حتى ننسى من كنا قبل أن تلوثنا قسوة الأيام.
من السهل أن يكون الإنسان طيبا عندما تبتسم له الحياة ، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما يواجه الغدر ويصطدم بالجحود ويذوق مرارة الظلم ممن أحسن إليهم. هناك يقف أمام سؤال مصيري لا يجيب عنه أحد سواه:
هل أصبح نسخة ممن ظلمني ، أم أبقى وفيا للقيم والمبادئ التي آمنت بها؟
السنين لا تصنع القسوة ، وإنما تصنعها الخيبات حين يسمح لها الإنسان أن تستقر في أعماقه ، حتى تتحول إلى طبع فيه. ليصبح إثرها طريقة في التعامل والشك بالآخرين اسلوب يعتاده والانتقام مبدأ في حياته. وما أكثر الذين لم تهزمهم المصائب إلا عندما سمحوا لها أن تغير قلوبهم.
ومنذ أن خلق الإنسان ، يجد نفسه بين صوتين: صوت يدعوه إلى الخير، وآخر يهمس له بأن يرد الإساءة بالإساءة والجفاء بالجفاء والخيانة بالخيانة. وبين هذين الصوتين تتحدد قيمة الإنسان ، لا بما يربحه من الدنيا ، بل بما يحافظ عليه من نقاء روحه.
كثيرون يظنون أن القسوة قوة والمكر ذكاء والانتقام انتصار، لكن الحياة تعلم ، بعد طول تجربة ، أن هذه كلها انتصارات مؤقته لا تدوم ، بينما يبقى القلب النقي هو الانتصار الوحيد الذي لا تهزمه السنين. فالإنسان لا يقاس بما يملك ، بل بما يحمل في داخله من رحمة وطيبة وصدق ونبل.
والطيبة ليست ضعفا كما يظن البعض ، وليست سذاجة كما ينظر لها المنتفعون ، بل هي شجاعة نادرة ، لأن الإنسان يحتاج إلى قوة عظيمة كي يبقى نقيا بعد أن يذوق مرارة الخيبة والنكران والجحود ، كما يحتاج إلى إيمان عميق كي يواصل الإحسان، حتى بعدما يكتشف أن بعض الناس لا يعرفون إلا الأخذ ناكرين جميل المعروف والتضحية من أجلهم .
يظن بعض الناس أن القوة في قسوة القلب، غير أن الأيام تثبت العكس. فالصخرة قد تقاوم الريح ، لكنها لا تمنح الحياة ، أما الشجرة فتنحني للعاصفة ثم تعود لتثمر. وكذلك القلب الرحيم ، قد يتألم ، لكنه يبقى قادرا على العطاء ، بينما يعيش القلب القاسي أسير خوفه وإن بدا للناس شديدا.
إن القلب النقي يشبه النبع الذي يروي كل من يمر به. وقد تتساقط فيه أوراق الخريف ، وقد تعبر فوقه الأقدام ، لكنه لا يكف عن منح الماء. وكذلك الإنسان الشريف ، قد يخونه من أحسن إليهم و يجحد بحقه من وقف معهم ، لكنه لا يجعل خيانة الآخرين عذرا او سببا في خيانة مبادئه.
إن الحياة لا تنسى شيئا. قد لا يعود الخير من الشخص نفسه الذي أحسنت إليه ، وقد لا يأتي الجزاء في الوقت الذي تنتظره ، لكن يبقى أثر الأعمال الجليلة طويلا. فالكلمة الطيبة قد تغير حياة إنسان ، والابتسامة قد تزرع أملا في قلب أنهكه الحزن ، والرحمة التي تقدمها اليوم قد تعود إليك يوما من حيث لا تحتسب. وربما لا يكون أعظم الجزاء أن يعاملك الناس كما عاملتهم ، بل أن تبقى قادرا على النظر إلى نفسك باحترام، وأن تنام وضميرك مطمئن.
يبقى عمل الخير رسالة إنسانية ، ومن يؤديها بإخلاص ونبل ، لا يسأل الطريق إلى المكافأة. قد لا يعود المعروف من اليد التي غمرتها بالإحسان ، لكنه يعود سكينة في النفس وطمأنينة في الضمير وقبلهم محبة صادقة في قلوب الناس.
ومن أجمل الحقائق التي تؤكدها التجارب أن الحياة تعيد إلى الإنسان ما يزرعه فيها. فالكلمة الطيبة لا تضيع والنية الصادقة تترك أثرها والإحسان لا يختفي بلا ثمرة ، وبالمقابل فأن الظلم لا يمضي بلا نتيجة. قد يتأخر حصاد الأفعال النبيلة ، لكنه لا يضيع ، لأن لكل كلمة صداها، ولكل موقف أثره، ولكل نية بصمتها التي تبقى في النفوس زمنا طويلا.
وفي المقابل، فإن الأذى أيضا يترك أثره. فكلمة جارحة قد تعيش في ذاكرة صاحبها سنوات ، وخيانة واحدة قد تهدم أعواما من الثقة ، وظلم صغير في نظر صاحبه قد يكون جرحا كبيرا في قلب من وقع عليه. لذلك كان الحكماء يوصون دائما بحراسة اللسان والقلب قبل حراسة ابواب البيوت ، لأن الإنسان لا يُذكر فقط بما صنعته يداه ، بل أيضا بما تركته كلماته من أثر في نفوس الآخرين.
إن الكلمات لا تموت، بل تسكن ذاكرة أصحابها. والابتسامة الصادقة قد تكون النور الوحيد في يوم إنسان أثقله الحزن ، كما أن موقفا نبيلا قد يظل حيا في الذاكرة سنوات طويلة. لذلك لا يقاس الإنسان بالأعمال العظيمة وحدها، بل أيضا بتلك التفاصيل الصغيرة التي قد يراها عابرة ، بينما يراها غيره نقطة تحول في حياته.
هناك الكثير ممن لم يخلدهم المال ولا السلطة بعد وفاتهم ، وإنما خلدتهم أخلاقهم. وما زال الناس يذكرون أصحاب المواقف النبيلة بعد رحيلهم بسنوات طويلة ، لأن الكلمة الصادقة والموقف الشريف لا يشيخان. أما الذين بنوا حياتهم على الأنانية واستغلال الآخرين ، فإنهم وإن جنو ما خططوا له ، لكنهم خسروا أعظم ما يمكن أن يملكه الإنسان وهو احترام الناس وراحة الضمير.
الحقد لا يعاقب من نكرهه بقدر ما يرهق قلوبنا نحن ويستنزف منا سلامنا الداخلي.
وكم من إنسان ظن أن انتقامه سيشفي جراحه، فاكتشف بعد سنوات أنه لم يزدها إلا اتساعا. وكم بالمقابل من إنسان سامح وهو قادر على الرد ، فوجد في العفو سلاما لم تمنحه له كل انتصارات الدنيا. فالتسامح لا يعني التنازل عن الحق ، ولا قبول الظلم، وإنما يعني ألا نسمح للظلم أن يفسد نفوسنا ، وأن نحافظ على كرامتنا دون أن نفقد إنسانيتنا.
إن الحفاظ على نقاء القلب لا يعني أن يعيش الإنسان بلا حدود وهو يكرر الثقة بمن خانها أو أن يفتح أبواب حياته لكل من أساء إليه. إن القلب النقي هو القلب الذي يحسن إلى الناس ، لكنه يتعلم من تجاربه ويحفظ كرامته ، ويعرف متى يقترب ومتى يبتعد دون أن يحمل حقدا أو رغبة في الانتقام.
كم من الناس ظن أن النجاح يقاس بما يجمعه الإنسان من مال أو سلطة أو شهرة ، غير أن الحياة تكشف مع مرور الأيام أن أعظم الثروات ليست ما نملكه ، بل ما نبقى عليه. فقد يخسر الإنسان ماله ولكن يبقى كريما ، وقد يفقد منصبه ولكن يبقى متواضعا ، وقد يخذله كثيرون ولكن يبقى وفيا لقيمه. وذلك هو الغنى الحقيقي. الفقير الحقيقي ليس من خلا جيبه وإنما من خلا قلبه من الرحمة.
إن القول هذا لا يدعو إلى تجاهل الشر أو إنكار الألم ، بل إلى ألا نجعل الشر يطفئ النور الذي في داخلنا ، وألا نسمح لقسوة الحياة أن تطفئ قدرتنا على رؤية الخير وتقديمه عندما نتمكن منه.
يلاحظ في كتابات الكثير على مواقع التواصل الاجتماعي إن عالم اليوم لا يعاني من قلة العقول بقدر ما يعاني من قلة القلوب. فالعلم يتقدم كل يوم لكن الرحمة تتراجع ، والمدن تكبر بينما تضيق النفوس ، ووسائل التواصل تزداد لكن التواصل الإنساني الصادق يقل. ولهذا أصبحت الإنسانية عملة نادرة، وأصبح القلب النقي أثمن ما يمكن أن يملكه الإنسان.
فلا تجعل نجاحك سببا للغرور، ولا فشلك سببا للقسوة، ولا ظلم الناس مبررا لظلمهم، ولا جحودهم عذرا لأن تجحد من أحسن إليك. ازرع الخير لأنه خير، لا لأنه سيعود إليك، وقل الكلمة الطيبة لأنها تشبهك، لا لأنها تحقق لك منفعة. واجعل الصدق أسلوب حياة، لا فضيلة موسمية، لأن الإنسان ينسجم مع نفسه حين يعيش بوجه واحد، وقلب واحد، وضمير واحد.
إن أجمل ما يملكه الإنسان ليس ما يضعه في خزائنه، بل ما يتركه في قلوب الناس. فرب كلمة طيبة كانت سببا في بعث الأمل في نفس يائسة، ورب موقف كريم أعاد الثقة إلى قلب كاد يفقد إيمانه بالخير. وما يزرعه الإنسان في النفوس لا يضيع، وإن غاب أثره حينًا، لأن الحياة تحفظ لكل فعل بصمته، ولكل كلمة صداها، ولكل نية أثرها.
قد لا نستطيع أن نغير العالم كله ، لكننا نستطيع أن نمنع العالم من أن يغير أجمل ما فينا. وقد لا نستطيع أن نمنع القسوة من أن تمر بحياتنا ، لكننا نستطيع أن نمنعها من أن تستقر في قلوبنا. وتبقى المعركة الحقيقية ليست مع الآخرين ، بل مع ذلك الجزء في داخلنا الذي قد تدفعه الخيبات إلى التخلي عن الرحمة أو يغريه الألم بأن يصبح صورة أخرى ممن أساؤوا إليه.
لذلك يجب أن نحافظ على قلوبنا وسط هذا العالم المتغير ،
فإذا ضاع القلب ، لم يبق من الإنسان إلا اسمه ، وإن بقي القلب نقيا بقي الإنسان حيا في ذاكرة الناس حتى بعد أن يغيب جسده تحت تراب الأرض.
ما أحرى بكل انسان أن يكون صادقا ويحتفظ بقلب نقي وضمير مطمئن ، ولا يجعل قسوة الأيام تنتزع منه أجمل ما فيه.
وما اجمل بكل انسان ان يزرع الكلمة الطيبة ويخلص النية ، ويجعل الخير عادة لا ينتظر منها مقابلا. فالاعمار قصيرة، ولا يبقى منها بعد الرحيل غير الأثر الذي يتركه في القلوب ، والرحمة التي يمنحها للناس.
أجمل الميراث ليس بيتا ولا مالا ولا لقبا ، بل دعوة صادقة من قلب أحبك لأنك كنت صادقا معه ورحيما به ونبيلا في حضورك وغيابك.
تلك هي الثروة التي لا تبلى، والأثر الذي لا تمحوه السنون ، والإنسانية التي تستحق أن نحافظ عليها مهما قست الحياة، ومهما تغير العالم من حولنا.
وليس لي إلا أن أقول أخيرا:
هنيئا إلى كل من أنهكته الحياة ولم يسمح لها أن تنتزع منه إنسانيته.
هنيئا إلى كل من خرج من الخسارة أكثر رحمة ، ومن الألم أكثر حكمة ومن الخيبات أكثر نقاء.
نعم هنيئا ،
لأن أجمل ما في الإنسان ليس ما يملكه ، بل ما يحافظ عليه في قلبه ، وأن يكون له قلب ظل إنسانا حتى طوال عمره.
ب. د. خالد خدر
المصادر المعتمدة:
1- عبد الستار إبراهيم ، علم النفس الإيجابي ، القاهرة ، مصر ، مكتبة الأنجلو المصرية ،2008 .
2- محمد عقوني ، التنمية البشرية وتطوير الذات.
3- إبراهيم الفقي ، قوة التحكم في الذات ، القاهرة، مصر ، دار الراية ، 2008.
4- موفق بن محمد السنوسي ، مالك يخبرك به أحد ، نسخة الكترونية متوفرة في مكتبة النور، 2025.
5- علي الوردي ، الأخلاق: الضائع من الموارد الخلقية. بغداد، العراق: مطبعة الحكومة ، 1970.
6- عبد الكريم بكار ، تجديد الوعي. دمشق، سوريا ، دار القلم ، 2007.
7- علي الوردي ، شخصية الفرد العراقي: بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث. بغداد، العراق: مطبعة الحكومة ، 1965.
8- علي حسين الوردي، الأخلاق: الضائع من الموارد الخلقية.
9- مدني صالح ، هذا هو الإنسان. بغداد، العراق: دار الشؤون الثقافية العامة ، 1988.
10- مدني صالح ، مقالات فلسفية. بغداد، العراق: دار الشؤون الثقافية العامة.
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟