أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - حين يسقط القناع... ويتكلم الزمن















المزيد.....

حين يسقط القناع... ويتكلم الزمن


خالد محمود خدر

الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 02:07
المحور: المجتمع المدني
    


هناك حقيقة لا يختلف عليها اثنان ، تتمثل في أن الزمن لا يخلق معادن الناس وإنما يكشفها. فكم من إنسان بدا في بداية الطريق مثالا للفضيلة ، ثم أسقطت الأيام عنه قناعه ، فانكشفت حقيقته ، وكم من آخر ظلمه الناس زمنا ، ثم جاءت مواقفه تنساب دون تكلف لتعكس حقيقته وتكشف جوهره.
ولعل أكثر المفارقات إثارة للدهشة أن أكثر الناس حديثا عن الصدق قد يكون أبعدهم عنه ، وأن أكثر من يرفع رايات النزاهة ومحاربة الظلم والفساد قد يكون غارقا فيه ، ونفس الشيء يمكن أن يقال عن غيرها الكثيرمن الفضائل التي يقاس عليها الناس. كم من الأشخاص بصفتهم الشخصية اوالمجتمعية او الوظيفية او غيرها يتحدثون عن المبادئ بألسنتهم في كل مناسبة ، بينما تسير أفعالهم في الاتجاه المعاكس. فالكلمات لا تكلف شيئا ، أما الأخلاق الحقيقية فتظهر في ساعة الامتحان ، فالضمائر لا تختبر بالشعارات ، وإنما بالمواقف الجادة والمسؤولة.

ولعل ما شهدناه في الأشهر الأخيرة على المستوى الرسمي او الوظيفي من انكشاف ملفات فساد الكبرى في العراق يقدم أوضح شاهد على أن الزمن لا يجامل أحدا. كم من مسؤول ملأ الد لهنيا حديثا في لقاءاته ، مع وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي ، عن حمايته للمال العام وحقوق مواطني بلده ، ثم كشفت الأيام أنه كان من أكبر الفاسدين العابثين بالمال العام وحقوق مواطني بلده ، دون خجل ولا رادع من ضمير.فليس من يرفع شعار خدمة الوطن خادما بحق لو طب نهو ، بل تجده يتخذ من ذلك سلما للوصول إلى المنصب ، فبقي الوطن عنده مجرد شعار أو وسيلة. ونفس الشيء على الصعيد المجتمعي هناك اشخاص يتصدرون المشهد لا بافعالهم الخيرة وانما بتصدرهم صدر الدواوين وكأنهم في ذلك ممثلي الضمير المجتمعي ، ولكن سرعان ما تنكشف حقيقتهم . والامر لا يقتصر على المستوى الرسمي او المجتمعي ، بل يتعداه ليشمل افراد الاسرة الواحدة ، فكم من اخ تصرف امام إخوته كناسك متعبد يبحث عن خلاص اهله من واقعهم المتعب ، ولكن الزمن يكشف انه لا يبحث الا عن استغلال إخوته لتحقيق غاياته ، وما ان يتحقق له ذلك ، حتى تجده في حل مما ادعاه في ذلك ، متذرعا في اعذار مختلفة او ناكرا لما تصرفوا معه إيجابيا إخوته. لذلك ، لا ينبغي أن نحكم على الناس بما يقولون ويرددون ، بل بما يفعلونه وتصنعه أياديهم. المواقف وحدها تمنح الكلمات قيمتها ، والزمن وحده بتغير الأحوال والظروف والمصالح ، هو القادر على امتحان صدق الناس في ما يدعونه.

إن بعض الناس يتبدلون وفق مصالحهم ، كما تتبدل أشرعة السفن مع اتجاه الريح ، فلا مبدأ يحكمهم ولا قيم تضبط مواقفهم ، وإنما تقودهم نياتهم السيئة ، سواء لمنفعة عابرة أو مكسب يرونه كبيرا. أما الرجل المبدئي ، فينطبق عليه قول الحكيم الصيني كونفوشيوس : الرجل الشريف يخجل أن تكون أقواله أعظم من أفعاله. وهو قول فيه حكمة تختصر كثيرا من الوجوه التي أتقنت فن الخطابة او الدعاية ان صح التعبير ، وجاء يوم ، أخفق هؤلاء في امتحان قيمهم الأخلاقية ومواقفهم الإنسانية امام عائلتهم او مجتمعهم أو وطنهم.

قد يستطيع الإنسان أن يخدع الناس بكلماته زمنا ، لكنه لا يستطيع أن يغير حقيقته التي جبل عليها. فالأخلاق ليست ثوبا يلبس عند الحاجة ، بل هي جوهر النفس يظهر عند أول اختبار للإنسان. أما من يعيش أسير أكاذيبه ، فإنه يراوغ ويتملق ويخون ويزرع الشك بين الناس في امور حياتهم ، لأنه يخشى مواجهة الحقيقة. وهذا ليس دليلا على القوة ، بل تعبير عن ضعف الشخصية والعجز عن تحمل المسؤولية. اما الإنسان الصادق فقد يخطئ ، لكنه يمتلك شجاعة الاعتراف بخطئه وتحمل نتائجه.

إن أخطر الناس ليس من يختلف معك ، بل من يخون ثقتك وهو يتظاهر بالإخلاص ، ويطعنك وهو يبتسم في وجهك. وقد ينجح الغدر ويمرر الكذب في خداع الناس زمنا ، لكنهما يعجز عن خداعهم زمنا طويلا. فالصدق لا يعرف إلا طريقا واحدا ، لأنه يعبر عن الوجه الوحيد للحقيقة ، أما الكذب فيتشعب إلى طرق لا تنتهي ، إذ يحتاج في كل كذبة إلى كذبة آخرى تحميه ، حتى يصبح صاحبه سجينا لأكاذيبه. ومن هنا يمكن ان ندرك بعمق قول مارك توين : إذا قلت الحقيقة ، فلن تضطر إلى تذكر شيء. ذلك لأن الحقيقة تنساب من تلقاء نفسها ، كما ينساب الماء العذب من نبع صاف. ومن يقول الحقيقة لا يحتاج إلى ذاكرة قوية ، لأن الحقيقة ثابتة ولها وجه واحد ، أما الكذب فله أوجه متعددة ، فيظل يطارد صاحبه في تناقضاته وتقلباته.

ليس الخطر أن يكذب الإنسان مرة ، فكل البشر يخطئون بسبب او بدون سبب ، وإنما الخطر أن يتحول الكذب إلى طبع والخداع إلى منهج والغدر إلى وسيلة ، حتى تصبح الخيانة مهارة والتملق والكذب أسلوب حياة ، ليغدو الضمير عبئا يحاول صاحبه التخلص منه.
كثيرا ما تجد المنافق يتزين بالفضيلة ، لأنه يدرك أن الناس لا تحترم إلا الفضيلة ، فيرتدي قناعها ، إلى ان تكتشف حقيقته و يحين موعد سقوطه.

لذلك ، لا ينبغي أن ينشغل الإنسان كثيرا بمن يجيدون ارتداء الأقنعة ، فالعمر أقصر من أن يهدر في مطاردة الزيف ، والحياة أعدل من أن تترك الكذب منتصرا إلى الأبد. فالوجوه قد تتغير والمصالح قد تتبدل ، لكن الحقيقة تبقى ثابتة كما اشرت ، لأنها لا تملك إلا وجها واحدا ، و بينما يظل الكذب يبحث عن ألف قناع يخفي به ضعفه ، لابد ان يأتي اليوم الذي يعجز فيه عن الاختباء.

كلمة أخيرة
النفوس الضعيفة تبحث عن عيوب غيرها لتخفي عيوبها ، ولكنها تنسى أن كل من يقلل من شأن غيره ، خاصة عندما يكون ذلك غير مطلوبا منه ، لا يكون بالضرورة أقوى منه ، ومرد ذلك قد يكون منزعجا من حضوره أو من صدقه أو من أثره بين الناس. أما النفوس الواثقة من نفسها ومن مواقفها ، فهي لا تنشغل بإسقاط الآخرين ، لأنها تدرك أن السماء تتسع لكل النجوم ، وأن الضوء لا يحارب الضوء ، بل يزداد به العالم إشراقا.

مع مرور الأيام ، تسقط الأقنعة وتتكلم المواقف ويعود كل إنسان إلى حجمه الحقيقي. ويبقى الزمن أعدل القضاة لا يصنع الحقائق ، بل يكشفها ، ولا يغير معادن البشر بل يعريها.
من يحاول إطفاء نور الآخرين ، لن يزداد نورا ، لأن القيمة الحقيقية لا تبنى على التقليل من قدر الناس وقيمتها ، ولا يرتفع الإنسان بإسقاط من حوله ، وإنما يسمو بعلمه وأخلاقه وإنجازاته. هكذا تجد الذين اعتادوا النفاق وتبديل الوجوه بحسب المصالح ، يظنون أن تشويه صورة الآخرين يخفي حقيقتهم ، لكن الحقيقة لا يحجبها الغبار والنور لا تطفئه الكلمات ، وتبقى المواقف الايجابية البناءة سيدة المواقف امام الناس والزمن.

ب. د. خالد خدر



#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا تسمح للعالم أن يسرق قلبك
- حين يرى الإنسان الآخرين بعيني نفسه يكون حكيما
- بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقد ...
- انكسار القلب…. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ال ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتم ...
- تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل ...
- العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث ...
- حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة ...
- كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
- الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب ...
- قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي ...
- حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
- حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة ...
- قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م ...
- خطط إنشاء 40 سدا جديدا في العراق: هل تكفي لمواجهة التحديات ا ...


المزيد.....




- العراق: اعتقال رئيس حزب الجماهير الوطنية بتهم فساد في بغداد ...
- العراق.. اعتقال زعيم حزب بشبهة الفساد (صورة)
- آلاف الأشخاص يتظاهرون بشرق ألمانيا للمطالبة باستقالة الحكومة ...
- الحوثيون يشنون هجوماً جديداً على مأرب، والأمم المتحدة تحذر م ...
- 100 دولار لكل عائد.. الأمم المتحدة تشجع السوريين على العودة ...
- اليونيسف تتحرك بشأن موظف متهم بالتجسس لصالح إسرائيل
- مندوب كوبا لدى الأمم المتحدة: الولايات المتحدة تمهد الطريق ل ...
- منارة لحرية الصحافة تتراجع.. كيف خسرت كوستاريكا استثنائيتها ...
- -اليونيسف- توقف موظفا رفيعا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل
- الخارجية الروسية: لا نستبعد إمكانية ظهور مرشحين جدد لمنصب ال ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - خالد محمود خدر - حين يسقط القناع... ويتكلم الزمن