|
|
صناعة النخب... حين نصنع الإنسان نصنع المستقبل / مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأسرة في بناء العقول والكفاءات
خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 19:14
المحور:
قضايا ثقافية
كلما مر شعب من الشعوب بأزمة كبيرة ، ارتفعت الأصوات مطالبة بالإصلاح ، وبناء المؤسسات ، وتحسين الاقتصاد ، وتطوير التعليم. ومع أن هذه المطالب جميعا ضرورية ومهمة ، فإنها تبقى ناقصة إذا لم يسبقها سؤال أكثر أهمية ، مفاده: من الذي سيقود كل ذلك؟
الأمم والشعوب لا تنهض بالمشروعات وحدها ، مهما تنوعت وكثرت ، وإنما تنهض بمن يحسن إدارة تلك المشروعات ، من الرجال والنساء الذين يمتلكون المعرفة والخبرة والنزاهة والرؤية ، ويملكون القدرة على تطوير ما بين أيديهم وتحويله إلى منجز مستدام. ولهذا فإن أعظم استثمار تقوم به أي دولة ليس في النفط والموارد الطبيعية الاخرى المتوفرة في البلد ، ولا في الصناعة والزراعة ، ولا في الطرق والأبراج السكنية والمشروعات العمرانية ، وإنما في الإنسان الذي يستطيع أن يحول هذه الموارد إلى نهضة. إن الاستثمار الحقيقي هو في صناعة الإنسان ، وفي اكتشاف العقول والطاقات ، وإعداد النخب التي تمتلك المعرفة والحيوية والقدرة على إدارة المهمات وتطويرها باستمرار ، حتى تبلغ أفضل ما يمكن أن تكون عليه.
بداية اشير إلى أن النخبة لا تعني هنا طبقة اجتماعية مغلقة ، ولا مجموعة من أصحاب النفوذ والثروة ، وإنما تعني كل من يمتلك الخبرة والمعرفة و الكفاءة والقدرة على التأثير الإيجابي في المجتمع وتحمل المسؤولية العامة.
إن مفهوم النخبة قديم قدم المجتمعات الإنسانية ، وقد شغل الفلاسفة والمفكرين منذ زمن الفيلسوف أفلاطون ، ثم تناوله علماء الاجتماع والسياسة في العصر الحديث بوصفه مفهوما يرتبط بتوزيع القوة والمعرفة والقدرة على التأثير في المجتمع. غير أن النخبة في مفهومها الإنساني الحديث لا ينبغي أن تكون طبقة مغلقة ، وإنما طاقة متجددة تفتح أبوابها للكفاءة وتتيح انتقال الخبرة من جيل إلى آخر.
إن صناعة النخب ليست ترفا فكريا ، بل ضرورة وطنية. فالدولة التي تريد مستقبلا مختلفا لا تستطيع أن تنتظر ظهور قياداتها عندما تقع الأزمات ، لأن القائد والعالم والطبيب والمهندس والقاضي والمفكر والإداري لا يصنعون في يوم وليلة. إنهم نتاج رحلة طويلة تبدأ من الاسرة والمدرسة.
من خلال استقراء التاريخ نجد أن التحولات الكبرى لا يصنعها افراد المجتمع او الجماهير وحدها ، ولا النخب وحدها ، وإنما تحدث حين تلتقي طاقة المجتمع مع رؤية النخب وقدرتها على التنظيم والقيادة. تُعدّ صناعة النخب في أي دولة الركيزة الأساسية التي تُحدد مسارها السياسي والاقتصادي والمعرفي ، فالنخبة تمثل المطبخ الفكري والقيادي الذي يرسم مستقبل المجتمع ويقود نحو التقدم أو الركود. وتكمن أهمية صناعة النخب في قدرتها على مواجهة الأزمات بقيادات واعية ، وربط المعرفة بالإنتاج الحقيقي وبناء المؤسسات وتحويل الأفكار إلى برامج والطموحات إلى منجزات. أي أن النخبة تمثل العقل الذي يفكر فيه المجتمع والضمير الذي يوجهه ، والجسر الذي يربطه مع الدولة.
والنخبة ليست بالضرورة ان تكون صاحب منصب أو لقب أو نفوذ. إنها كل من يمتلك القدرة على التأثير الإيجابي في اتجاهات المجتمع وصناعة قراراته ، سواء كان مفكرا أو عالما أو طبيبا أو مهندسا أو سياسيا أو اقتصاديا أو إعلاميا أو قائدا مجتمعيا. وقيمة النخبة لا تقاس بموقعها الوظيفي ، وإنما بقدرتها على إنتاج الوعي ، وبناء الثقة ، وترسيخ القيم ، وتقديم الحلول ، وصناعة المستقبل.
تتكون النخبة الحقيقية حين تجتمع المعرفة مع التربية ، والكفاءة مع الأخلاق ، والتخصص مع سعة الأفق ، والخبرة مع الشعور بالمسؤولية ، والقدرة على اتخاذ القرار مع القدرة على تحمل نتائجه. ولهذا نقرأ في كتب التاريخ عن علماء كبار لم يكونوا بالضرورة صالحين للقيادة ، وعن قادة ناجحين لم يكونوا الأكثر تفوقا في الدراسة ، لكنهم امتلكوا الحكمة وبعد النظر والقدرة على قراءة الواقع وفهم الناس واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. فالتفوق العلمي مهم ، لكنه وحده لا يصنع قائدا ، كما أن المنصب لا يصنع نخبة.
إن الامم لا تنهض الأمم بالصدفة ، ولا تتعثر من فراغ. فالتجارب الإنسانية تكشف أن وراء كل مشروع حضاري ناجح نخبا واعية أدركت طبيعة المرحلة وأحسنت قراءة الواقع وامتلكت القدرة على تحويل الأفكار إلى مؤسسات ، والطموحات إلى برامج والإرادة إلى منجزات. في المقابل ، فإن انهيار كثير من الدول لم يكن سببه ضعف الموارد أو قلة الإمكانات ، وإنما عجز النخب التي تصدرت المشهد عن أداء رسالتها أو انشغالها بمصالحها الخاصة على حساب المصلحة العامة.
وهنا ينبغي التمييز بين النخبة التي تبني الدولة والنخبة التي تستنزف الدولة. فليست كل نخبة مؤهلة بالضرورة لقيادة المجتمع ، وليس كل من امتلك النفوذ أو وصل إلى موقع القرار يمثل نخبة حقيقية. النخبة الحقيقية هي التي ترى المنصب مسؤولية لا امتيازا والسلطة أمانة لا غنيمة والاختلاف وسيلة للتكامل لا ذريعة للإقصاء.
هناك خطأ كبير تقع فيه كثير من الدول والمجتمعات ، وهو أنها لا تبدأ في البحث عن النخب إلا عندما تقع الأزمات ، وعندها تريد إعدادها بصورة عاجلة. بينما يتطلب إعداد النخب القيادية عملية طويلة تحتاج إلى التعليم والقراءة والتجربة والاحتكاك بالحياة والعمل والممارسة. إن إعداد طبيب متميز وقاض عادل ومهندس كفء وعالم كبير وقائد إداري ناجح ومفكر مؤثر ، يحتاج إلى رحلة طويلة قد تمتد عقدين من الزمن أو أكثر. ولذلك فإن الدولة أو الشعب الذي يريد مستقبلا واعدا ينبغي أن يبدأ في إعداد قياداته بدأ من مدارسه ، لا من أزماته. وهذا بكون بالبحث مبكرا عن الموهوبين ، وأن يمنحهم تعليما نوعيا ومرّبين كبارا وبيئة تشجع على التفكير ، وتجارب عملية وثقافة واسعة ، وفرص حقيقية لإثبات قدراتهم قبل أن يمنحهم المناصب والمسؤوليات. ومن هنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل شعب من الشعوب ليس فقط: من يحكم اليوم؟ بل السؤال الأهم: من الذي نعده اليوم ليقود الوطن بعد عشرين عاما؟ فالشعوب التي تعرف الإجابة عن هذا السؤال تكتب مستقبلها بيدها ، أما الشعوب التي تؤجل الإجابة أو تتجاهلها ، فإنها تترك مستقبلها للمجهول ، أو للصدفة في أحسن الأحوال. وقد أثبتت التجارب العالمية ، من شرق آسيا إلى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ، أن النهضة لم تبدأ بالثروات وحدها ، وإنما بدأت بالإنسان ، وبالتعليم ، وتأهيل الكفاءات ، وبناء المؤسسات ، وإعلاء قيمة العلم والعمل والانضباط ، وربط المعرفة بالإنتاج. وفي المقابل ، فإن كثيرا من الدول الغنية بالموارد بقيت تعاني من أزمات التنمية ، لأن نخبها أخفقت في إدارة تلك الموارد ، أو حولتها إلى وسيلة لتعزيز النفوذ الشخصي والسياسي بدلا من توظيفها في خدمة المجتمع.
ولنا في اليابان مثال واضح. فقد خرجت من الحرب العالمية الثانية مدمرة ، وكانت مدنها قد تعرضت لدمار واسع واقتصادها في حالة انهيار ، ومواردها الطبيعية محدودة. لكنها أدركت أن رأس مالها الأهم هو الإنسان. ولذلك استثمرت بصورة واسعة في التعليم والتدريب والبحث العلمي والصناعة ، وربطت المعرفة بالإنتاج ، وبنت مؤسسات قادرة على تحويل تلك الطاقات إلى قوة اقتصادية وصناعية كبرى.
وهكذا لم تكن النهضة اليابانية نتيجة وفرة الموارد الطبيعية ، وإنما نتيجة حسن استثمار المورد الأكثر أهمية ، وهو الإنسان. وهنا يبرز سؤال مهم: هل تصنع الجامعات النخب؟ الجواب: ليس بالضرورة. فالجامعة تمنح المعرفة والتخصص ، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة القائد. فالقيادة تحتاج إلى شخصية تتعلم من المعرفة ، وتختبرها في الحياة ، وتكتسب الخبرة وتفهم المجتمع ، وتتحمل المسؤولية وتتعلم من الخطأ ، وتمتلك القدرة على اتخاذ القرار.
ولهذا فإن صناعة النخبة تبدأ من الأسرة وتتفتح في المدرسة وتتبلور في الجامعة ، وتنضج بالتجربة والممارسة وتجد طريقها إلى التأثير من خلال مؤسسات تحترم الكفاءة. فالأسرة تكتشف الموهبة وتزرع القيم، والمدرسة تصقل الشخصية، والجامعة تبني التخصص، والمؤسسات تمنح الفرصة ، والمجتمع يختبر القدرة على التأثير.
تأخذ النخب اشكالا مختلفة. إن النخب الثقافية تصنع الوعي وتحارب الجهل ، وتعيد تشكيل منظومة القيم وتحافظ على الهوية دون انغلاق ، وتنفتح على العالم دون ذوبان. وهي ايضا من تنتج المعرفة وتؤسس لمجتمع يحترم العقل ويقدر العلم ، ويجعل الحوار بديلا عن الصراع والبرهان بديلا عن التعصب. أما النخب الاجتماعية ، فهي التي تحافظ على تماسك المجتمع ، وتنشر ثقافة التعاون والتكافل ، وتخفف من حدة الانقسامات ، وتسهم في معالجة المشكلات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى أزمات سياسية أو أمنية. والمجتمع الذي يمتلك قيادات اجتماعية حكيمة يكون أكثر قدرة على احتواء الخلافات وأقل عرضة للانقسام ، لأن هذه النخب تؤدي دورا مهما في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وتأتي النخب السياسية في مقدمة القوى المؤثرة في استقرار الدول ، لأنها تتولى إدارة الشأن العام وصياغة السياسات ، وتوزيع الموارد وبناء المؤسسات. وعندما تتحلى هذه النخب بالكفاءة والنزاهة وبعد النظر ، تتحول الدولة إلى بيئة جاذبة للاستثمار ومحفزة للإبداع وقادرة على تحقيق التنمية. أما إذا غلبت المصالح الشخصية ، وسيطرت عقلية الإقصاء ، وضعفت الكفاءة وتحولت الدولة إلى مجال للمحاصصة والعلاقات الشخصية ، فإنها تدخل في دوامة من الأزمات مهما امتلكت من ثروات وإمكانات.
وهنا تبرز مسؤولية التعليم بصورة خاصة. فالمشكلة لا تكمن في عدد الجامعات والشهادات وحدها ، وإنما في نوعية التعليم وفي قدرته على اكتشاف الموهبة ، وتنمية التفكير النقدي وربط التخصص بحاجات المجتمع ، وتحويل المعرفة إلى إنتاج. إن كثرة حملة الشهادات لا تعني بالضرورة كثرة الكفاءات ، كما أن زيادة أعداد الجامعات لا تعني تلقائيا صناعة أجيال قادرة على قيادة التنمية. إن المطلوب هو تعليم ينتج الإنسان القادر على التفكير والعمل والإبداع ، وليس فقط الإنسان القادر على الحصول على شهادة.
في العراق بصورة خاصة ، تبدو هذه القضية أكثر أهمية ، لأن المستقبل يحتاج إلى نخبة متنوعة من العلماء والمهندسين والأطباء والقضاة والمعلمين والفنيين والإداريين والمفكرين ورواد الأعمال ، ممن يستطيعون التعامل مع تحديات قضايا المياه والطاقة والصناعة والزراعة والتعليم والإدارة والتكنولوجيا. إن العراق لا تنقصه الموارد وحدها ، ولا العقول وحدها ، وإنما يحتاج إلى منظومة قادرة على اكتشاف هذه العقول وتأهيلها ومنحها الفرصة ، ثم وضعها في المكان الذي تستطيع أن تقدم فيه أفضل ما لديها.
لابد هنا من القول ، إنه لا يمكن أن يكون مستقبل التعليم في العراق قائما على التوسع المستمر في أعداد الجامعات وحملة الشهادات فقط ، بينما تعاني قطاعات الإنتاج والخدمات من نقص في الكفاءات الفنية والتقنية والمهنية ، بل اضيف انه حتى قطاعات الإنتاج من معامل ومصانع لم تعد كما كانت عددا ونوعية حتى في زمن العهد الملكي ، لان اغلب ما كان موجودا في القطاع العام تعرض الى التفكيك والنهب وبات العراقيين يستوردون كل شيء ، بضمنه ما كان يصدرونه قبل سبعون عاما.
الدولة التي تريد بناء اقتصاد منتج تحتاج الطبيب والمهندس والعالم ، لكنها تحتاج أيضا إلى الفني والتقني والحرفي الماهر وقبلهم إلى معامل ومصانع لاحتوائهم سواء في القطاع العام او الخاص. ان التنمية الحديثة لا تقوم على الشهادات وحدها ، وإنما على منظومة متكاملة من المعرفة والمهارة. نخبة متنوعة من العلماء والمهندسين والأطباء والقضاة والمعلمين والفنيين والإداريين والمفكرين ورواد الأعمال ، ممن يستطيعون التعامل مع تحديات الماء والطاقة والصناعة والزراعة والتعليم والإدارة والتكنولوجيا. ولكن من غير المنطقي أن يستمر المجتمع في زيادة أعداد الخريجين الجامعيين من دون أن يرافق ذلك تطوير نوعية التعليم ، أو توفير فرص حقيقية للعمل أو إعادة الاعتبار إلى التعليم التقني والمهني. إن العراق يحتاج إلى طبيب كفء ، لكنه يحتاج أيضا إلى ممرض محترف ، وإلى مهندس ، وإلى فني يستطيع تشغيل وصيانة المنظومات التي يبنيها المهندس ، وإلى معلم جيد ، وإلى إداري يعرف كيف يدير المؤسسة.
كما أنه لا يكون من الحكمة أن يكون طموحنا الوطني هو زيادة أعداد حملة الشهادات الجامعية فقط ، بينما تتكدس أعداد الخريجين وتبقى قطاعات الإنتاج والخدمات بحاجة إلى فنيين وتقنيين ومهارات وسطية عالية الكفاءة. فالمجتمع المتقدم لا يقاس بعدد الشهادات التي يمنحها ، وإنما بقدرته على توزيع التعليم والكفاءات وفقا لحاجات التنمية.
التنمية لا يصنعها تخصص واحد ، ولا طبقة واحدة ، وإنما تصنعها منظومة متكاملة من الكفاءات. كما إن النهضة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود نخب تمتلك استقلالية القرار وعمق المعرفة ونزاهة السلوك والقدرة على استيعاب التحولات العالمية دون التفريط في الثوابت.
إن العالم اليوم لا يحترم المجتمعات التي تستهلك ثرواتها فقط ، وإنما يحترم المجتمعات التي تنتج المعرفة وتطور مؤسساتها وتستثمر في الإنسان ، وتجعل الكفاءة معيارا للتقدم بعيدا عن الانتماءات الضيقة والعلاقات الشخصية. ومن هنا يمكن فهم أن مسؤولية النخب ليست إدارة الحاضر فقط ، وإنما صناعة المستقبل. فهي مطالبة بإعادة بناء منظومة القيم ، وإحياء ثقافة العمل والإتقان ، وترسيخ سيادة القانون ، وتعزيز المشاركة المجتمعية ، وربط التعليم بالبحث العلمي ، والاقتصاد بالإنتاج ، والسياسة بالمصلحة الوطنية. كما أنها مطالبة بإشاعة ثقافة الحوار ، واحترام الاختلاف ونبذ خطاب الكراهية ، لأن المجتمعات المنقسمة لا تستطيع أن تبني مشروعا حضاريا مستقرا. إن غياب الآليات السليمة لصناعة النخبة يؤدي إلى أزمات هيكلية في الدولة ، لهذا نجد أن احتكار مجموعة محدودة مواقع التأثير ، يعمل على غلق الأبواب أمام الكفاءات الجديدة ، مما يتسبب بحصول فجوة وعي مع الشارع ، عندما تتحول النخبة إلى برج معزول عن هموم المواطنين العاديين ، مما يفقدها مشروعيتها الشعبية . ومع مرور الزمن ، يلاحظ انه حتى النخب الناشئة، و بسبب غياب تكافؤ الفرص أو الفساد في بلادهم ، لا تجد غير الهجرة الى دول أخرى التي سرعان ما تحضنهم كنخب جاهزة ، وهذا يقودنا إلى القول ، ان المشكلة ليست في أن تمتلك الدولة أفرادا موهوبين ، وإنما في أن نمتلك نظاما قادرا على اكتشاف الموهبة وصقلها ومنحها الفرصة ووضعها في المكان الذي تستطيع فيه أن تخدم المجتمع. عموما تعتمد الدول في إنتاج قياداتها على قنوات رسمية وغير رسمية ، تختلف كفاءتها باختلاف قوة الدولة ومؤسساتها. وتساهم في ذلك المؤسسات السيادية والمؤسسات التعليمية الكبرى (الجامعات النخبوية) في الدول المتقدمة ، كما تعد مراكز الفكر والأبحاث بمثابة المراكز الحاضنة الفكرية للنخب الرفيعة، حيث يتم اختبار الأفكار وصقل مهارات المستشارين والخبراء قبل دفعهم إلى مراكز صناعة القرار . كما تمثل الحركات السياسية والمجتمع المدني الميدان العملي لفرز القيادات الشابة وتدريبها على الخطابة، التفاوض، وإدارة الأزمات. كلمة أخيرة: إن الأمم لا تقاس بما تمتلكه من ثروات طبيعية ، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على تحويل تلك الثروات إلى حضارة ، والأزمات إلى فرص ، والتحديات إلى مشاريع للنهوض. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا نملك اليوم؟ بل: ماذا نعد من الإنسان ليصنع لنا غدا؟ فحين ترتقي النخب يرتقي المجتمع ، وحين تضعف النخب يضعف المشروع الوطني. والنخب الصالحة لا تصنع مستقبل الدولة وحدها ، بل تصنع قدرة المجتمع على مواجهة أزماته وتحويل إمكاناته إلى إنجاز ، وثرواته إلى تنمية ، واختلافاته إلى تنوع ، وأحلام أجياله إلى واقع. فصناعة النخب ليست صناعة أفراد ، وإنما صناعة مستقبل وطن بأكمله. أن الدولة التي تترك صناعة نخبها للمصادفة أو للمصالح الضيقة، ترهن مستقبلها للمجهول. أما الدول الرائدة، فهي التي تحول صناعة القادة إلى استراتيجية أمن وطني طويلة المدى، تؤمن بأن الاستثمار في عقول الصفوة اي النخبة هو الضمانة الوحيدة لاستدامة الاستقرار والتنمية.
إن صناعة النخب تبدا من الأسرة ، وتنمو في المدرسة ، وتتبلور في الجامعة ، وتنضج بالتجربة والممارسة ، ثم تحتاج إلى دولة ومؤسسات ومجتمع يؤمنون بتكافؤ الفرص ويضعون الكفاءة في المكان الذي تستحقه. ويحتاج العراق إلى المزيد من أصحاب الكفاءة والرؤية والقدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج ، والأفكار إلى مشاريع ، والموارد إلى تنمية ، والتحديات إلى فرص. فالثروة التي لا تديرها عقول كفوءة يمكن أن تتحول إلى عبء ، والشهادة التي لا تتحول إلى معرفة وإبداع تبقى ورقة ، والمؤسسة التي لا تحترم الكفاءة تفقد قدرتها على صناعة المستقبل. إن الأمم لا تبني مستقبلها بما تملكه اليوم فقط ، وإنما بما تعده من عقول قادرة على قيادة الغد. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: من يقودنا اليوم؟ بل: من نعده ليقودنا بعد عشرين عاما؟ وحين تصبح الإجابة عن هذا السؤال جزءا من استراتيجية الدولة وثقافة المجتمع ، تتحول صناعة النخب من استجابة مؤقتة للأزمات إلى مشروع وطني مستدام. فصناعة النخب ليست صناعة أفراد فحسب ، وإنما صناعة قدرة وطن بأكمله على أن ينهض ويستمر ويتقدم.
ب. د. خالد خدر
المصادر المعتمدة:
1- خليل أحمد خليل، النخبة: كيف يتشكل قادة المستقبل؟ 2- مجموعة باحثين (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات). النخب السياسية في العالم العربي: دراسة في آليات التشكل والتغيير. 3- عبد القادر جغلول ، مفهوم النخبة: دراسة في الفكر السوسيولوجي والسياسي المعاصر.
4- هباس الحربي ، صناعة النخب ، مجلة الفيصل ، نوفمبر 1, 2024 | مقالات https://www.alfaisalmag.com/%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AE%D8%A8/
5- احمد عمرو ، صناعة النخب ، المركز العربي للدّراسات الإنسانيّة بالقاهرة، https://www.rawahel.org/articles/%D8%B5%D9%86%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8F%D8%AE%D8%A8-512
6-المركز الديمقراطي العربي ، النخبة وتأثيرها في تكوين واستقرار المجتمعات وتشكيل نسق الحكم والفكر ، 27 يناير 2016 https://democraticac.de/?p=26489
7- اسماء سكر ، النخب و سي ناعمة الوعي ، https://iraqination.net/archives/4559
8- حسن الحضري ، النخب الجديدة وأثرها في التدهور المجتمعي، 2021
https://caus.org.lb/%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%91%D9%8F%D8%AE%D9%8E%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%88%D8%A3%D8%AB%D8%B1%D9%87%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D9%87%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84/ الجديدة وأثرها في التدهور المجتمعي
9- ضياء حامد القواسمي، اين النخب. https://www.aljazeera.net/blogs/2024/9/10/%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AE%D8%A8
10- عبير حسين ، النخب مفهومها ومسؤولياتها. https://syriainside.com/articles/215-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AE%D8%A8%D8%A9-%D9%85%D9%81%D9%87%D9%88%D9%85%D9%87%D8%A7-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%A4%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%AA%D9%87%D8%A7
11- صفحة الاديب حمودي عبد محسن، مقال يوم 2026/8/16
https://www.facebook.com/share/19Nk4raV7g/
12- https://www.facebook.com/61557480158496/posts/122269977452249338/?app=fbl
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين يسقط القناع... ويتكلم الزمن
-
لا تسمح للعالم أن يسرق قلبك
-
حين يرى الإنسان الآخرين بعيني نفسه يكون حكيما
-
بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقد
...
-
انكسار القلب…. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ال
...
-
انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا
...
-
انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا
...
-
تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم
...
-
تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتم
...
-
تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل
...
-
العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس
-
حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث
...
-
حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث
...
-
حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة
...
-
كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
-
الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب
...
-
قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي
...
-
حين يصبح الإنسان وقودا للحروب: الوجع العراقي الذي لا ينتهي
-
حين يلتقي الإبداع بالنقد: رواية ألقوش في ليال طوال في قراءة
...
-
قراءة في رواية القوش في ليال طوال للروائي الكبير حمودي عبد م
...
المزيد.....
-
الولايات المتحدة تعيد إلى مصر 48 قطعة أثرية عمرها آلاف السني
...
-
بوتين: روسيا لن تتسامح مع تبني كييف للنازية الجديدة كأساس لأ
...
-
كاتس يهاجم المعارضة الإسرائيلية على خلفية ضرب قاعدة -أبو الظ
...
-
الدفاع الروسية: تدمير 1120 مسيرة معادية خلال يوم وإصابة رادا
...
-
سفير تركيا في دمشق: رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب ينهض الاس
...
-
تقرير: قائد الجيش الباكستاني يحمل رسائل أمريكية لطهران
-
الولايات المتحدة.. حريق غابات ضخم في ولاية نيفادا
-
إيران تعلن طرد دبلوماسيين فرنسيين وتتهمهما بالتدخل في شؤونها
...
-
مقاطعة زابوروجيه.. مدفع هاوتزر الروسي -D-30- يدمر مواقع أوكر
...
-
مقاتلة -سو-35- الروسية تنفذ مهمات قتالية في محيط منطقة العمل
...
المزيد.....
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
-
الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين
/ فؤاد عايش
-
أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية
/ محمود الفرعوني
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|