خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8832 - 2026 / 9 / 18 - 09:21
المحور:
المجتمع المدني
الأمانة ليست مجرد صفة جميلة يتحلى بها الإنسان، ولا سلوكا فرديا يخص صاحبه وحده، وإنما هي إحدى القيم التي يقوم عليها المجتمع، وتستقيم بها العلاقات بين الناس. وحين تضعف الأمانة، لا تضيع الأموال وحدها، بل يبدأ معها ضياع الثقة، وتتراجع قيم الحق، ويصبح التجاوز على ما لا يملكه الإنسان أمرا يمكن تبريره أو التغاضي عنه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع ليس أن يسرق شخص ما مالا يعود إلى غيره، سواء كان مالا عاما أو خاصا، وسواء كان صاحبه غريبا أو قريبا، وإنما أن يفقد الناس شعورهم بأن السرقة والفساد أمران مرفوضان، وأن يتحول الاستيلاء على المال العام أو الخاص، وبضمنه ما جاء عن طريق الغدر أو استغلال المنصب أو العلاقة الاجتماعية والعائلية، من فعل يستحق الإدانة إلى سلوك يجد صاحبه له الأعذار والمبررات.
وبقدر تعلق الأمر بالمال العام، فإنه ليس مالا بلا صاحب، وكذلك المال الخاص ليس مباحا لمجرد أن صاحبه غائب أو عاجز عن حمايته. ويبقى المال أمانة في يد من تصل إليه، والتجاوز عليه لا يضر صاحبه وحده، وإنما يترك أثرا في المجتمع كله. وحين يصبح الطمع في المال أقوى من صوت الضمير، يفقد الإنسان شيئا من إنسانيته، ويتحول تدريجيا إلى فرد لا يرى في المجتمع سوى فرصة للحصول على ما ليس له.
منذ سنوات بقيت حكايتان في ذاكرتي، رغم أن بينهما مسافة كبيرة في الزمان والمكان. الأولى قرأتها في مقال للكاتبة العراقية إنعام كجه جي بعنوان «بحثا عن رزمة نقود في بغداد»، نشرته في صحيفة الشرق الأوسط في 2 نوفمبر 2013، أما الثانية فقرأتها قبل ذلك بأكثر من عشرين عاما في كتاب الأديب اللبناني مارون عبود «حبر على ورق»، وتحديدا في فصل منه بعنوان «لا يحولون ولا يزولون».
قصتان مختلفتان في الزمان والمكان والشخصيات، لكنهما تلتقيان عند معنى واحد: الأمانة.
تروي إنعام كجه جي قصة منتجة ومخرجة أفلام وثائقية فرنسية كانت تعمل مع قناة RT، جاءت إلى بغداد بعد دخول القوات الأمريكية إلى العراق عام 2003، لتنجز تحقيقا عن عمليات النهب التي تعرض لها المتحف العراقي.
في تلك الأيام كانت بغداد تعيش حالة من الفوضى والاضطراب، وكانت المصارف وأجهزة الصرف الآلي وبطاقات الائتمان لا تعمل بصورة طبيعية، لذلك كانت تحمل معها مبلغا قدره ستين ألف يورو نقدا، كان عليها أن تسلمه إلى دليل محلي ومصور يعملان معها.
وفي الطريق من عمان إلى بغداد، كانت تستقل سيارة أجرة قديمة، فأخذ السائق يحذرها من خطورة الطريق، وقال لها إن المنطقة مليئة بالعصابات وقطاع الطرق، واقترح عليها أن تعطيه المال ليحتفظ به خوفا من أن تتعرض للسرقة. لكنها لم تثق به، وأوهمته بأنها لا تحمل سوى مبلغ بسيط، ثم أخفت المال تحت بساط السيارة، ووضعت قدميها فوقه، وغطت رأسها بوشاح أسود.
وعندما وصلت إلى الفندق الذي كان يقيم فيه الصحفيون الأجانب في بغداد، أخفت المال خلف درج من أدراج منضدة الزينة في غرفتها، ثم خرجت.
وعندما عادت إلى الفندق، فوجئت بأن أثاث الغرفة قد تغير. فقد اختفى السرير والمنضدة البيضاء، وحل محلهما أثاث آخر بني اللون.
بدأت تبحث عن أثاث غرفتها القديمة وتسأل العاملين عنه، حتى علمت أن الأثاث القديم نقل إلى مكان قريب تمهيدا لبيعه في مزاد للأثاث المستعمل.
ذهبت إلى المكان ووجدت الأثاث، لكنها اكتشفت أن المال اختفى من خلف الدرج. سألت عن العمال الذين نقلوا الأثاث، فأرشدوها إلى سطح الفندق، حيث كان العمال يقيمون. هناك وجدت عاملة تنظيف تجلس وتشرب الشاي وتستريح على أريكة قديمة.
اصطحبتها إلى غرفتها، وهناك رفعت غطاء السرير والوسادة، فإذا بالمال موجود تحت الوسادة.
وعندما سألتها عنه، أجابتها العاملة ببساطة: الحلال لا يضيع.
تتساءل إنعام كجه جي:
ما الذي يجعل امرأة بسيطة، وسط فوضى بغداد واضطرابها، تجد في نفسها القوة التي تمنعها من أخذ ستين ألف يورو، بينما يستطيع بعض الذين وصلوا إلى مواقع المسؤولية والنفوذ أن يتعاملوا مع المال العام وكأنه غنيمة؟
وهنا لا بد أن يطرح الإنسان على نفسه سؤالا أكثر عمقا:
هل يمكن أن يصبح فساد الآخرين مبررا لفسادنا؟
وهل يجوز أن أعتدي على مال لا يخصني لأن شخصا آخر سرق مالا عاما أو أساء استخدام السلطة؟
إن المال الحرام لا يصبح حلالا لأن غيرنا سبَقنا إليه ، والظلم لا يتحول إلى عدل لأن ظالما آخر ارتكبه قبله. ففساد الآخرين لا يمنحنا رخصة للفساد، وسرقة المال العام لا تجعل سرقة المال الخاص أمرا مباحا.
وليس الحديث عن الفساد في العراق مجرد حكايات متداولة في المجالس ووسائل التواصل الاجتماعي. فقد أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية خلال السنوات الماضية عن آلاف الإجراءات والقضايا والأوامر القضائية المتعلقة بملفات الفساد، بينها أوامر قبض واستقدام بحق مسؤولين وذوي درجات خاصة، كما أعلنت عن أموال جرى الحفاظ عليها أو استردادها ضمن إجراءاتها المتعلقة بحماية المال العام.
وهذه الوقائع، وبغض النظر عن تفاصيل كل قضية ومسؤولية كل متهم، تجعل السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحا:
ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح المال أقوى من الأمانة؟
فبينما كانت امرأة بسيطة قادرة على أن تنظر إلى رزمة من المال لا تخصها وتقول: الحلال لا يضيع ، ما زال المجتمع والدولة يواجهان ملفات تتعلق بالفساد والاستيلاء على المال العام، وبعضها ما زال أمام القضاء والتحقيق.
وليس المقصود هنا أن نقارن بين الأشخاص أو الأحكام، وإنما أن نتأمل الفرق بين من يرى المال أمانة ، ومن يراه فرصة.
وهناك في موضوع المال حكاية أخرى قرأتها، كما أشرت في بداية المقال، في كتاب مارون عبود حبر على ورق ، في فصل بعنوان: لا يحولون ولا يزولون. وتدور أحداث الحكاية في لبنان في أواخر القرن التاسع عشر، عندما كان متصرفية من متصرفيات الدولة العثمانية وتابعت لولاية دمشق.
كان جد مارون عبود ، الخوري حنا ، يؤمن حاجة عائلته من المؤن كل عام من مدينة طرابلس ، وكان يفضل أن يشتريها من الحاج مصطفى، وهو رجل مسلم من أصدقائه في طرابلس.
ولم يكن اختلاف الدين بين الرجلين حاجزا أمام الصداقة الإنسانية وحسن المعاملة. كان كل واحد منهما يحترم الآخر، وتجمعهما علاقة تقوم على الثقة والمودة.
وفي أحد أيام شهر آب، وفي مناسبة عيد السيدة، انطلق أعداد من رجال قرية الخوري ، ككل سنة قبل حلول فصل الشتاء، في قافلة تحملها دوابهم ما جمعوه من محاصيل ونتاج أتعابهم.
كان الخوري حنا على بغلته حين وصل إلى دكان الحاج مصطفى في مدينة طرابلس. وكان المشهد لافتا، رجال بلحاهم وطرابيشهم وعمائمهم يرون حاجا من طرابلس وكاهنا مارونيا من الجبل يتعانقان.
بعدها دخل الخوري حنا ضيفا مكرما عند الحاج مصطفى، وأقام في منزله، وكان كل واحد منهما يصلي صلاته بطريقته الخاصة. بعد مرور اياما اشترى الخوري وبقية رجاله الضيعة حاجات عاىلاتهم من المؤونة ، عادت القافلة إلى الجبل.
بعد عودته إلى بيته، اكتشف الخوري أن كيس المال قد فقد منه، وكان يحتوي على مبلغ كبير من المال وليرات ذهبية. شعرت زوجته بالقلق، لأن المال كان يمثل حصيلة سنة كاملة من التعب والعمل، وأخذ الخوري حنا يحاول أن يتذكر أين يمكن أن يكون قد ترك الكيس.
لكن زوجته كانت أكثر قلقا منه، فطمأنها وقال لها ما معناه إن المال الحلال لا يضيع.
ومضت الأيام، ثم شهر، ثم شهر آخر، ولم يظهر المال.
جاء موسم الزيتون، واستمرت الحياة. وفي أحد الأيام، وبينما كان الخوري حنا في الكنيسة، رأى رجلا يعتمر غطاء للرأس. وبعد انتهاء القداس، تقدم الرجل منه وعرّف بنفسه، وقال إنه جاء من طرف الحاج مصطفى ليعيد إليه الأمانة.
كان الكيس هو نفسه، وفيه المال وليرات الذهب.
عاد المال إلى صاحبه بعد نحو شهرين، وشكرت زوجة الخوري حنا الحاج مصطفى قائلة: يسلم دين لحيتك يا حاج مصطفى! ، وهنا قال لها الخوري :الم اقل لك لا تقلقي ، ان المال الحلال لا يضيع.
أما الرجل الذي حمل الأمانة ، فلم يقبل مكافأة من الخوري حنا ، وقال إن أجره أخذه من الحاج مصطفى ولا يستطيع أن يأخذ حتى فلسا. كما رفض الطعام، لأن الحاج مصطفى كان قد أعطاه حاجته. كان يرى أن مهمته انتهت بإيصال الأمانة إلى صاحبها، ولم يكن يرى في ذلك فرصة للحصول على شيء آخر.
هكذا عاد المال إلى صاحبه، وعادت معه الثقة بالإنسان.
ثم تأتي خلاصة مارون عبود البليغة:
العلة في البشر لا في الدين.
إنهما بحق قصتان ومعنى واحد. وما يجمعهما ليس المال وحده، ولا اختلاف الأديان أو الأزمنة أو الأماكن ، وإنما الإنسان عندما يكون أمام اختبار حقيقي.
امرأة بسيطة في بغداد وجدت أمامها ستين ألف يورو، ولم تكن بحاجة إلى فلسفة طويلة لتعرف ماذا تفعل.
ورجل الدين الحاج مصطفى وبعده رجل في لبنان حمل أمانة المال مسافة طويلة، ولم ير في وصوله إلى صاحبه فرصة للحصول على مكافأة.
وفي الحالتين كان هناك شيء أقوى من الحاجة، وأقوى من الفوضى، وأقوى من إغراء المال، إنه الضمير.
وهنا تصبح عبارة:الحلال لا يضيع ، أكبر من كونها جملة قيلت في موقف عابر. إنها تعبير عن إيمان عميق بأن ما ليس لك لا يصبح لك لمجرد أنك استطعت الوصول إليه ، وأن الأمانة لا تحتاج دائما إلى مراقب يقف فوق رأس الإنسان ، لأن الرقيب الحقيقي هو ما يسكن داخله وهو الضمير.
الأمانة لا تتعلق بالمال وحده. لكنها تبدأ من المال ولا تنتهي عنده. الأمانة تعني أن تحافظ على مال غيرك ، لكنها تعني أيضا أن تحافظ على حق غيرك ، وأن تحترم كرامته، وألا تستغل ضعفه، وألا تستخدم موقعك الوظيفي أو المجتمعي أو أي موقع او اعتبار آخر لتحقيق منفعة شخصية ، وألا تجعل السلطة او الفرصة التي اتيحت لك او فرضتها بقوتك وسيلة للاستحواذ على ما ليس لك.
الأمانة في معناها الأوسع هي أن يعرف الإنسان أن ما بين يديه ليس كله ملكا له. المنصب أمانة، والسلطة أمانة، والكلمة أمانة، والشهادة أمانة، والمسؤولية أمانة، والجيرة امانة وقبل ذلك كله الوطن أمانة.
ومن هنا يمكن أن تصبح الأمانة جسرا يصل بين قصة المال الضائع في بغداد وكيس المال الذي عاد إلى الخوري حنا في لبنان، وبين قضية أكبر تتعلق بعلاقة الإنسان بالآخر وبالوطن الذي يعيش فيه.
إذا كان من الأمانة أن ترد إلى الإنسان ماله ، فإنه من الأمانة أيضا أن تحفظ له حقه في الكرامة والأمان والانتماء.
وهنا يصبح الحديث عن مكونات المجتمع العراقي امتدادا طبيعيا لفكرة المقال ، وليس خروجا عنها.
لم يكن العراق ، كنموذج من دول المنطقة ، يوما مجتمعا من لون واحد. عاش فيه المسلم والمسيحي والإيزيدي والصابئي المندائي وغيرهم، وعاش فيه العربي والكردي والتركماني والسرياني والآشوري والكلداني والأرمني وغيرهم، وكانت هذه المكونات جزءا من تاريخه وثقافته ومدنه وذاكرته.
لكن في العقدين الأخيرين تقريبا شهدا تراجعا كبيرا في الوجود المسيحي والإيزيدي والصابئي نتيجة الإرهاب والعنف والتهجير والهجرة، وهي وقائع تركت أثرا عميقا في البنية الاجتماعية والتاريخية للعراق.
وتبقى قضية الإيزيديين الذين لم يتمكنوا من العودة إلى مناطقهم الأصلية حاضرة، كما تبقى قضية المفقودين والنازحين والهجرة الجماعية للمسيحيين والإيزيديين وغيرهما من المكونات، شاهدا على حجم ما أصاب المجتمع العراقي من جراح خلال العقود الماضية.
وهنا يمكن أن نعود إلى السؤال نفسه: ما معنى الأمانة إذا أخذناها بمعناها الإنساني الواسع؟
هل الأمانة هي أن نحافظ على مال الإنسان فقط، ثم لا نهتم إذا فقد أولاده وزوجته وبيته وأرضه أو شعوره بأنه جزء من وطنه؟
أليس من الأمانة أيضا أن نحافظ على حق الإنسان في أن يعيش في المكان الذي ولد فيه آمنا كريما ، وأن يشعر بأن اختلاف دينه أو قوميته لا يجعله أقل انتماء إلى وطنه؟.
إن حماية المكونات العراقية ليست منّة من أحد، ولا فضلا تمنحه الأكثرية للأقلية، وإنما هي جزء من معنى المواطنة نفسها. فالوطن الذي يحافظ على جميع أبنائه يحافظ على تاريخه وذاكرته وتنوعه، والوطن الذي يفقد مكوناته يفقد جزءا من ذاكرته.
ومن هنا فإن مسؤولية المجتمع والدولة لا تقوم على حماية الآخرين بوصفهم ضعفاء، وإنما على ترسيخ ثقافة المواطنة التي تجعل حقوق الجميع محفوظة بالقانون وبالوعي وبالسلوك الاجتماعي.
وكما نقول إن المال أمانة لا يجوز التجاوز عليه، فإن الإنسان أيضا أمانة، وحقه في الحياة والكرامة والانتماء ليس أقل قيمة من ماله.
وربما تزداد قيمة القصتين لأنهما جاءتا من قلمين ينتميان إلى بيئتين مسيحيتين مختلفتين. إنعام كجه جي، الكاتبة والصحفية العراقية من مدينة الموصل، التي قرأت لها منذ النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي،مقالات كثيرة في إحدى الصحف العراقية عندما كنت طالبا في جامعة الموصل ، ومقالاتها كانت وقتها تتناول ما يتصل بالإنسان والمكان والتحولات التي عاشها العراق. جعلت الدكتورة انعام كجه جي من قصة رزمة المال في بغداد السؤال الحقيقي ليس: أين اختفى المال؟
بل: هل ما زال الإنسان قادرا على أن يكون أمينا حين تتاح له فرصة الخيانة؟.
أما مارون عبود، الكاتب اللبناني الماروني القادم من بيئة جبل لبنان، فقد ترك في كتاباته صورا كثيرة من المجتمع اللبناني القديم، ومن العلاقات الإنسانية التي تجاوزت الاختلاف الديني والطائفي.
وفي حكايته عن جده الخوري حنا والحاج مصطفى، لم يكن الدين هو الحاجز بين الإنسان وأخيه، بل كان الإنسان هو الذي يقرر كيف يتعامل مع الآخر.
ولهذا تبدو عبارة مارون عبود: العلة في البشر لا في الدين.، امتدادا طبيعيا لعبارة العاملة البغدادية: الحلال لا يضيع.
القصة الأولى تقول إن الأمانة لا تحتاج إلى قوة أو منصب، والثانية تقول إن اختلاف الدين لا يمنع الإنسان من أن يكون أمينا. وبين العبارتين يظهر الإنسان، وهو الذي يختار في النهاية بين الأمانة والخيانة وبين حفظ الحق والاعتداء عليه.
و قد يكون أهم ما يبقى من القصتين أن الإنسان لا يحتاج إلى أن يكون غنيا أو متعلما أو صاحب منصب حتى يكون أمينا.
المرأة التي وجدت عشرات الآلاف من اليوروات لم تكن صاحبة منصب، والرجل الذي حمل كيس المال إلى الخوري حنا لم يكن يبحث عن شهرة أو مكافأة، والحاج مصطفى لم يجعل اختلاف الدين حاجزا أمام الثقة.
كان يكفيهم شيء واحد: أن يعرفوا أن المال ليس لهم.
وهذا هو جوهر الأمانة.
أن تعرف أين ينتهي حقك وأين يبدأ حق الآخر.
وأن تعرف أن حاجتك لا تمنحك حقا في مال غيرك، وأن فساد الآخرين لا يمنحك مبررا للفساد، وأن اختلاف الإنسان معك في الدين أو القومية أو الثقافة لا يسقط حقه في الكرامة والمواطنة.
ومن هنا فإن الحديث عن المال الحلال يقودنا، في النهاية، إلى معنى أوسع بكثير من المال. فالمال أمانة، والمنصب أمانة، والسلطة أمانة، والكلمة أمانة، وحقوق الناس أمانة، والجيرة أمانة، والوطن أمانة.
وإذا أردنا مجتمعا أكثر عدلا واستقرارا ، فإن الأمر لا يبدأ دائما من القوانين والعقوبات، على أهميتها، وإنما يبدأ أيضا من الإنسان نفسه ، من تلك اللحظة التي يقف فيها أمام ما ليس له ، ثم يقول في داخله:
هذا ليس لي.
حينها فقط يصبح للقانون سند من الضمير، وللمجتمع أساس من الثقة، وللوطن معنى يتجاوز الحدود والجغرافيا.
إن أجمل خلاصة يمكن أن نصل إليها بعد كل هذا، هي أن الإنسان يستطيع أن يخسر المال ويستعيده ، لكنه إذا خسر ضميره فقد شيئا يصعب استعادته. لذلك تبقى العبارة البسيطة التي قالتها تلك المرأة في بغداد تختصر الكثير مما أردنا قوله:
الحلال لا يضيع.
ويبقى إلى جانبها قول مارون عبود:
العلة في البشر لا في الدين.
وبين العبارتين مساحة واسعة من الحقيقة، مفادها أن الإنسان هو من يمنح القيم معناها حين يحفظ الأمانة، وهو من يفقدها حين يسخر الدين أو السلطة أو المال لخدمة أطماعه.
فالضمير حين يكون حاضرا، يعرف الإنسان أن ما ليس له لا يصبح له، مهما كانت قدرته على الوصول إليه.
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟