|
|
في زمن كثرت فيه العلاقات وتشابكت أبعادها، وقل فيه فهم معانيها رسالة إلى من يبحث بمسؤولية عن الحب والزواج من جيل الشباب/الجزء الثاني/ قراءة في أسباب فشل الزواج
خالد محمود خدر
الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 07:56
المحور:
المجتمع المدني
هذا المقال يمثل امتدادا للجزء الاول من المقال الذي حمل عنوان: في زمن كثرت فيه العلاقات وتشابكت أبعادها، وقل فيه فهم معانيها ، والذي تم التوقف فيه عند معنى الحب والتمييز بينه وبين التعلق ، وبين من يثير مشاعرك ومن يصلح فعلا لأن يكون شريكا لحياتك ، وأن حسن الاختيار ليس تقليلا من شأن الحب بل حماية له.
كما يأتي هذا المقال مساهمة في تقديم رؤية حول ظاهرة اجتماعية مقلقة تتمثل في ارتفاع حالات الطلاق في العراق ، وهي ظاهرة لا يمكن اختزال أسبابها في عامل واحد ، ولا يمكن تحميل الزواج المبكر أو التسرع وحدهما مسؤوليتها. فالزواج علاقة بين إنسانين وان نجاحها أو فشلها يرتبط بما يحمله كل منهما من وعي وتوقعات وقيم وبقدرته على تحمل المسؤولية والتكيف مع واقع الحياة.
ومن هنا، فإن الحديث عن مسؤولية الرجل لا ينبغي أن يعني تجاهل مسؤولية المرأة ، كما أن الحديث عن مسؤولية المرأة لا يعني إدانتها أو تحميلها وحدها أسباب انهيار الأسرة. فالعلاقة الزوجية تقوم على طرفين ، وقد يكون الخلل من أحدهما أو من كليهما ، وقد يكون نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية أو تغيرات طرأت على نمط الحياة والعلاقات. وغالبا ما تتداخل الأسباب حتى يصبح من الصعب اختزال الانفصال في سبب واحد.
إذا كان فهم الحب ومعرفة الذات وحسن اختيار شريك الحياة تمثل خطوات أساسية في بناء علاقة زوجية ناضجة، فإن هناك خطوة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في أن تعرف متى تكون مستعدا لتحويل هذا الحب والاختيار إلى زواج وحياة مشتركة ، بمعنى ان الحب وحده قد لا يكون كافيا.
قد تحب بصدق وتجد الإنسان الذي تشعر معه بالأمان والتوافق ، لكنك قد لا تكون مستعدا بعد لتحمل مسؤولية الزواج وتبعاته. الحب شيء والقدرة على بناء حياة مشتركة شيء آخر. والزواج ليس نهاية قصة الحب كما قد تتخيله ، وإنما بداية مرحلة جديدة تختبر فيها مشاعرك أمام واقع الحياة.
من أكثر الأخطاء التي قد تقع فيها أن تعتقد أن قوة مشاعرك تعني بالضرورة قدرتك على الزواج. قد تكون مشاعرك صادقة ، لكنك لم تنضج بعد بما يكفي لفهم طبيعة الحياة الزوجية. وقد تكون شديد التعلق بشخص ، لكنك لم تتعلم بعد كيف تدير الخلاف وتصبر عليه وتتحمل المسؤولية، وكيف تقدم تنازلات متبادلة مع شريك الحياة دون أن تشعر أنك خسرت نفسك. فالزواج يحتاج إلى أكثر من قلب يحب. يحتاج إلى عقل يعرف كيف يتصرف عندما يغضب، ونفس تعرف كيف تصبر عندما تضيق الحياة، وشخصية تستطيع أن تتحمل المسؤولية عندما لا تسير الأمور كما تشتهي. ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الزواج ليس فقط: هل أحب؟ بل: هل نضجت بما يكفي لأحب وأتحمل؟
الزواج المبكر ليس المشكلة في حد ذاته، فلا تجعل العمر وحده هو المعيار. قد يتزوج الإنسان في سن صغيرة ويكون أكثر نضجا ومسؤولية من شخص أكبر منه، وقد يتزوج في سن متقدمة لكنه يدخل الزواج بعقلية غير ناضجة. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يكون الزواج أكبر من قدرة الإنسان على تحمله. عندما تدخل الحياة الزوجية وأنت لا تعرف نفسك ولا تعرف ماذا تريد، ولا تستطيع اتخاذ قرار مستقل ولا تملك القدرة على التعامل مع الاختلاف ، ولا تدرك معنى المسؤولية ، فإن زواجك يصبح أكثر عرضة للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي. فالسن قد يكون مؤشرا ، لكنه ليس المعيار الوحيد. المعيار الأهم هو: هل أصبحت قادرا على تحمل تبعات اختيارك عندما تنتهي مرحلة الانبهار ويبدأ الواقع؟
في بداية العلاقة العاطفية قد يبدو كل شيء جميلا. الكلمات جميلة واللقاءات جميلة والرسائل تحمل فرحا خاصا ، وقد ترى في الآخر أجمل صفاته. لكن الزواج يضع حبك أمام واقع الحياة اليومية بكل تفاصيلها ومتطلباتها. هناك بيت يحتاج إلى مسؤولية، ومصاريف تحتاج إلى تدبير، واختلافات في الطباع ومعها تعب وضغوط الحياة والأهل وأحيانا أطفال وقرارات لا يمكن تأجيلها. وهنا قد تكتشف أن الصورة التي أحببتها في الطرف الآخر لم تكن او تتمثل في العراق الإنسان الذي ستعيش معه كل يوم. فالحب الذي لم يختبره الواقع قد يكون جميلا، لكن الزواج يحتاج إلى حب يستطيع أن يعيش وسط الواقع. ولهذا، لا تسأل فقط: هل أحبه؟ بل اسأل أيضا: كيف يتصرف عندما يغضب؟ كيف يتعامل مع من يختلف معه؟ هل يحترم الآخرين؟ هل يتحمل المسؤولية؟ هل يستطيع الاعتذار عندما يخطئ؟ هل يحترم خصوصيتي؟ هل يؤمن بالشراكة أم بالسيطرة؟ وكيف ينظر إلى المال والعمل والأسرة والأبناء ومستقبل الحياة؟ فهذه التفاصيل التي قد تبدو صغيرة قبل الزواج، قد تصبح بعده كبيرة جدا.
إن مسؤولية المرأة لا تقل عن مسؤولية الرجل ، ومن المهم عند الحديث عن أسباب الطلاق، ألا ننظر إلى الرجل باعتباره الطرف الذي يجب أن يكون مسؤولا دائما عن نجاح الزواج، أو إلى المرأة باعتبارها مجرد طرف ينتظر ما يقدمه الزوج. فالمرأة شريكة كاملة في بناء الأسرة ، وقراراتها وتوقعاتها وطريقة تعاملها مع الحياة الزوجية ، قد تكون مثل قرارات الرجل وتوقعاته عاملا في استقرار البيت أو اضطرابه.
قد تدخل الفتاة الزواج وهي تحمل صورة مثالية عن الحياة الزوجية ، صنعتها الأحلام أو ما شاهدته في محيطها أو في وسائل التواصل الاجتماعي. وقد تتوقع مستوى من الرفاه أو السفر أو المظاهر أو الحرية أو أسلوب الحياة لا يستطيع زوجها توفيره ، فتشعر مع الوقت بأن حياتها لم تكن كما تخيلتها. ولا يعني ذلك أن طموح المرأة أو رغبتها في حياة أفضل أمر خاطئ ، بل المشكلة تبدأ عندما تتحول التوقعات إلى شروط غير واقعية ، أو عندما يصبح ما تراه في حياة الآخرين مقياسا للحكم على حياتها الخاصة. وقد تنظر إلى أسرة أخرى ، أو إلى حياة امرأة تظهر أمامها عبر وسائل التواصل فترى لحظات مختارة من الرفاه والسفر والسعادة، ثم تقارن بها حياتها اليومية بكل ما فيها من مسؤوليات وتعب، فتشعر أنها تعيش حياة أقل مما تستحق، رغم أن الصورة التي تقارن بها حياتها ليست بالضرورة صورة الحقيقة كاملة. وقد يبدأ الأمر بمقارنة بسيطة، ثم يتحول إلى شعور بأن اختيارها كان خطأ ، وأن حياتها كان يمكن أن تكون أفضل لو أنها اختارت رجلا آخر. وهنا قد تضعف مشاعر كانت يوما قوية ، ويبدأ الحب نفسه بالتآكل، لا لأن الزوج تغير بالضرورة، وإنما لأن صورة الحياة التي كانت في مخيلتها أصبحت أقوى من الواقع الذي تعيشه. وهناك حالات نادرة لا يقاس ابدا عليها لأنها حالات شاذه مجتمعيا ، منها ان الأمر لدى بعض المتزوجات قد يصل إلى البحث سرا أو عبر وسائل الاتصال، عن علاقة أخرى تمنحها الشعور الذي افتقدته، أو توهمها بأنها تستطيع أن تعيش الحياة التي كانت تحلم بها. وهنا يصبح الطلاق، في بعض الحالات طريقا حتميا إلى علاقة جديدة كانت قد بدأت في الخفاء قبل أن ينتهي الزواج الأول. لكن هذا لا يعني أن المرأة وحدها تتحمل مسؤولية هذه الظاهرة ، فالرجل أيضا قد يقع في المقارنة ، وقد يبحث عن امرأة أخرى ، وقد يعتقد أن الحياة مع غير زوجته ستكون أكثر سعادة. فالإنسان، رجلا كان أو امرأة، قد يضعف أمام المقارنة أو الإغراء أو وهم البديل الأفضل.
ويمكن أن يدخل ضمن ما اشرت له ، ما غيرته كثيرا وسائل الاتصال من طبيعة العلاقات الإنسانية. ففي الماضي كانت دائرة التعارف محدودة، أما اليوم فقد أصبح الإنسان قادرا على التواصل مع أشخاص في أماكن بعيدة ، والتعرف إليهم ومتابعة حياتهم ، وربما بناء علاقة عاطفية معهم دون أن يشعر شريك الحياة بما يحدث. وهذا لا يعني أن وسائل الاتصال هي التي تهدم البيوت، وإنما قد تكشف هشاشة العلاقة وقلة الالتزام، وتمنح من يبحث عن علاقة بديلة فرصة لم تكن متاحة بهذه السهولة في الماضي. وقد يبدأ الأمر برسالة عابرة أو حديث متكرر أو صداقة تبدو بريئة ثم يتحول تدريجيا إلى تعلق عاطفي ، خصوصا عندما يجد أحد الزوجين في الطرف الآخر اهتماما أو إعجابا أو احتواء يفتقده في بيته. وهنا لا يصبح السؤال فقط: من المحطة الرجل أو المرأة؟ بل يصبح السؤال الأهم: كيف سمح أحد الزوجين لعلاقة خارج بيته أن تنمو حتى أصبحت أقوى من مسؤوليته تجاه أسرته؟ فالعلاقة البديلة لا تكون دائما نتيجة غياب الحب منذ البداية. أحيانا تبدأ الحياة الزوجية بحب حقيقي ، لكن ضعف الحوار وتراكم الخلافات والشعور بالإهمال أو البحث المستمر عن الإشباع العاطفي خارج العلاقة الزوجية ، قد يحول ذلك الحب تدريجيا إلى مسافة يصعب معها استمرار الحياة المشتركة.
ولا يمكن الحديث عن استقرار الزواج في المجتمع العراقي من دون التوقف عند مشكلة أخرى تمس شريحة واسعة من الشباب، وهي عدم توفر فرص العمل. فالشاب الذي يدخل الحياة الزوجية ، وهو بلا عمل أو بعمل غير مستقر أو بدخل لا يكفي متطلبات الحياة الأساسية ، قد يجد نفسه تحت ضغط نفسي ومادي متواصل. ومع مرور الوقت قد يتحول هذا الضغط إلى خلافات يومية بين الزوجين ، خصوصا عندما تتزايد متطلبات الحياة ، ويصبح تأمين السكن والنفقات والاحتياجات الأساسية أمرا شاقا.
وقد يبدأ أمر الخلاف بمشكلات بسيطة: تأخر في تلبية حاجة أو عجز عن توفير متطلب أو اعتماد متكرر على الأهل، ثم يتراكم الشعور بالعجز لدى الزوج ، ويقابله أحيانا شعور بالحرمان أو عدم الأمان لدى الزوجة. وهنا قد لا يكون غياب المال هو المشكلة وحده، وإنما ما يولده من مشاعر لدى الطرفين: إحساس الرجل بأنه عاجز عن أداء ما يتوقعه منه المجتمع، وشعور المرأة بأن حياتها لم تستقر كما كانت تتصور. ومن المؤلم أن يتحول الحب الذي جمعهما في البداية، تحت وطأة الضغوط المتراكمة، إلى مساحة للخلاف واللوم والعتاب. ولهذا فإن معالجة الطلاق لا ينبغي أن تكون اجتماعية وأخلاقية فقط ، بل يجب أن ترتبط أيضا بالواقع الاقتصادي للشباب، لأن توفير فرص العمل والسكن والاستقرار المادي ليس مجرد قضية اقتصادية، وإنما هو جزء من حماية الأسرة واستقرارها.
إن ما أحدثته الهجرة من تغير في ظروف بعض الأسر وعلاقاتها قد ترك أثرا كبيرا في العلاقة الزوجية. فقد ينتقل الزوج إلى دولة أوروبية أو إلى بيئة اجتماعية مختلفة أو تنتقل الأسرة كلها إلى مجتمع جديد أكثر انفتاحا في العلاقات بين الرجل والمرأة. والهجرة في حد ذاتها ليست سببا للطلاق، بل قد تكون فرصة لبداية أفضل وحياة أكثر استقرارا. لكن تغير البيئة الاجتماعية قد يضع العلاقة الزوجية أمام اختبارات جديدة ، خصوصا إذا لم يكن الزوجان متفقين على حدود العلاقة مع الآخرين أو على طبيعة الحياة الجديدة أو على القيم التي يريدان الحفاظ عليها داخل الأسرة. وقد يجد بعض الرجال أو النساء أنفسهم في بيئة جديدة تتسع فيها دائرة العلاقات والصداقات، وتختلف فيها الحدود الاجتماعية عما اعتادوا عليه. وإذا كانت العلاقة الزوجية ضعيفة أو تعاني أصلا من مشكلات متراكمة، فقد يدخل أحد الطرفين في علاقة جديدة تنتهي أحيانا إلى القطيعة مع الزوج أو الزوجة، وقد تمتد آثارها إلى الأطفال والأسرة كلها. وهنا أيضا لا ينبغي أن نحول الظاهرة إلى اتهام للمرأة أو للرجل، لأن الظروف نفسها قد تفتح أبوابا أمام الطرفين، وما يحسم الأمر في النهاية هو مقدار الالتزام والوعي والقدرة على حماية العلاقة الزوجية.
وفي المقابل، هناك سلوكيات يمارسها بعض المتزوجين من الرجال والنساء يمكن أن تكون سببا مباشرا في انهيار الحياة الزوجية، فقد لا يهتم بعض الرجال باستقرار أسرهم، فيسمحون بإقامة علاقات خارج إطار الرباط الزوجي ، وقد تبدأ هذه العلاقة بمحاولات تقرب تبدو في ظاهرها مجاملة أو اهتماما، ثم تتطور تدريجيا إلى تعلق عاطفي، خصوصا إذا وجدت المرأة نفسها أمام شخص يمنحها اهتماما افتقدته أو يعدها بحياة مختلفة.
لكن المسؤولية الأخلاقية هنا يجب أن تكون واضحة: استدراج الإنسان إلى علاقة غير مشروعة لا يصبح أمرا مقبولا لمجرد أن الطرف الآخر استجاب له ، كما أن الدخول في علاقة خارج الزواج يمثل خرقا للثقة التي يقوم عليها الزواج. وعندما تكتشف الزوجة أن زوجها أقام علاقات مع نساء أخريات، فقد تشعر بأن الثقة التي بنت عليها حياتها قد انهارت، وقد تختار الطلاق لأنها لم تعد ترى في استمرار العلاقة ما يحفظ كرامتها وأمانها النفسي. والشيء نفسه ينطبق على الرجل ، فإذا دخلت زوجته في علاقة خارج الزواج، فقد يرى أن استمرار الحياة المشتركة أصبح بالغ الصعوبة بعد انهيار الثقة.
لكن من المهم هنا ألا يتم التعامل مع الخيانة باعتبارها مجرد فضيحة اجتماعية، بل باعتبارها مشكلة يمكن أحيانا اكتشاف بوادرها ومعالجتها قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار. واذا وجدت المرأة أن الرجل الذي اختارته شريكا لحياتها لم يحترم العهد الذي جمعهما ، فقد تجد في الطلاق في هذه الحالة تعبيرا عن رفضها الاستمرار في علاقة فقدت فيها الثقة والاحترام ، وليس مجرد رد فعل على علاقة عابرة.
إن تربية الشباب قبل الزواج على احترام المرأة وكرامتها، وعلى أن الزواج ليس امتلاكا للآخر وإنما مسؤولية وشراكة، قد تكون أكثر أهمية من معالجة نتائج المشكلة بعد وقوعها.
صحيح أن المال لا يصنع الحب ولا يضمن السعادة، وأنه لا ينبغي أن تختار شريك حياتك بناء على الثروة والمظاهر. لكن الزواج يحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار والقدرة على تحمل النفقات الأساسية. فالمشكلة ليست في أن تكون فقيرا، وإنما في أن تدخل الزواج دون خطة واستعداد وإدراك لما تتطلبه الحياة.
وقد يكون الضغط الاقتصادي من أكثر العوامل التي تختبر العلاقة الزوجية. فقلة المال قد تزيد الخلافات وتضاعف الاعتماد على الأهل وتفتح الباب أمام التدخلات ، وقد تجعل أحد الطرفين يشعر بأنه يتحمل أكثر مما يستطيع. ولهذا فإن الاستعداد للزواج لا يعني أن تكون ثريا، وإنما أن تكون قادرا على تحمل مسؤوليتك ومدركا لواقعك ولديك استعداد لبناء حياتك خطوة بعد أخرى.
قد لا يكون سبب الانهيار فقرا أو غياب الحب، وإنما توقعات لم يكن الطرفان قادرين على تحقيقها. قد تتوقع الزوجة زوجا أكثر ثراء أو أكثر اهتماما أو أكثر رومانسية أو أكثر قدرة على تحقيق أحلامها. وقد يتوقع الزوج زوجة تتفرغ له ولبيتهصصص أو تتصرف بالطريقة التي يريدها، أو تتخلى عن بعض طموحاتها أو علاقاتها أو استقلالها. وعندما لا تتحقق هذه التوقعات يبدأ كل طرف بالشعور بأنه تعرض للخداع رغم أن المشكلة قد تكون أنه لم يتحدث بوضوح قبل الزواج عن شكل الحياة التي يريدها. ولهذا فإن الزواج يحتاج إلى الصراحة قبل أن يحتاج إلى الاحتفال. يجب أن يعرف الطرفان ماذا يريد كل منهما من الحياة، وكيف ينظر إلى العمل والمال والسكن والأبناء والعلاقة مع الأهل والخصوصية والحرية والمسؤوليات وحدود العلاقات مع الآخرين.
يمكن أن تكون الأمور التي تخجل من مناقشتها قبل الزواج قد تصبح أكثر الأشياء إثارة للخلاف بعده.
قد يبدو الأمر محيرا عندما نرى زوجين ارتبطا بعد علاقة عاطفية طويلة ثم ينتهي زواجهما بعد أشهر قليلة. لكن مدة العلاقة السابقة لا تعني بالضرورة عمق المعرفة. فقد يعيش شخصان فترة طويلة في عالم الرسائل واللقاءات والمشاعر الجميلة، ثم يكتشفان بعد الزواج أن الحياة المشتركة شيء مختلف تماما. قبل الزواج، يمكن لكل طرف أن يختار الوقت الذي يظهر فيه بأفضل صورة. أما بعد الزواج، فتظهر العادات والطباع والغضب والغيرة والإنفاق وطريقة التعامل مع الأهل ومستوى المسؤولية والقدرة على تحمل الضغط.
ولهذا قد لا يكون الزواج قد قتل الحب ، وإنما كشف أن الحب وحده لم يكن كافيا لبناء حياة مشتركة.
ومن الأخطاء التي قد تقع فيها بعض الزيجات أن ينظر الزوجان إلى إنجاب الأطفال على أنه وسيلة لإصلاح العلاقة. لكن الطفل لا ينبغي أن يأتي إلى الحياة ليكون حلا لمشكلة بين زوجين. فالطفل يحتاج إلى بيت يشعر فيه بالأمان وإلى أبوين قادرين على التعاون ، لا إلى علاقة يحاول أصحابها إنقاذها بوجوده. وعندما يفشل الزواج، فإن آثار الانفصال لا تتوقف دائما عند الزوجين، بل قد تمتد إلى الأبناء الذين يجدون أنفسهم ضائعين أمام واقع لم يختاروه. ولهذا فإن قرار الزواج يحتاج إلى وعي لا يحمي الزوجين فقط ، بل يحمي أيضا الأسرة التي قد تولد من هذا القرار.
عندما ننظر إلى هذه الحالات مجتمعة ، نكتشف أن الطلاق غالبا لا يولد في لحظة واحدة. قد يبدأ بضيق اقتصادي، ثم يأتي الإهمال، ثم تتراكم الخلافات، ثم تبدأ المقارنة، ثم تتدخل الأسرة، أو تظهر علاقة خارج الزواج، أو تتغير نظرة أحد الطرفين إلى الآخر، حتى يصل الزوجان إلى مرحلة يصبح فيها الطلاق نتيجة لمسار طويل من التراكمات. ولهذا فإن البحث عن سبب واحد للطلاق قد يقودنا إلى نتيجة ناقصة. فليس كل طلاق سببه الزواج المبكر وليس كل طلاق سببه الفقر وليس كل طلاق سببه المرأة وليس كل طلاق سببه الرجل. إنها شبكة من العوامل المتداخلة، بعضها يتعلق بالإنسان نفسه ، وبعضها بالعلاقة الزوجية ، وبعضها بالأسرة، وبعضها بالاقتصاد، وبعضها بالتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية التي يعيشها المجتمع.
والحل يبدأ عندما نتعامل مع هذه الظاهرة بهذه الصورة المركبة، لا عندما يبحث عن طرف واحد يحمل مسؤولية كل شيء.
ليس من العدل أن نضع كل حالات الطلاق في سلة واحدة. فبعض العلاقات تصبح مؤذية أو مستحيلة الاستمرار، وقد يكون الانفصال في بعض الحالات أرحم من استمرار حياة تقوم على العنف أو الإهانة أو فقدان الأمان. لكن ما يستحق التأمل هو أن بعض حالات الانفصال ربما كان يمكن تجنبها لو جاء الزواج بعد نضج أكبر، واختيار أكثر وعيا، واستعداد أفضل للمسؤولية، وتوقعات أكثر واقعية، وقدرة أكبر على الحوار والتكيف. وتكشف الأرقام حجم الظاهرة في العراق؛ فقد سجلت المحاكم العراقية، باستثناء إقليم كردستان، أكثر من 34,699 حالة طلاق خلال النصف الأول من عام 2026، مقابل 71,528 حالة خلال عام 2025 كاملا. وخلف كل رقم من هذه الأرقام إنسان، وبيت، وذاكرة، وربما أطفال.
ولهذا لا ينبغي أن نتعامل مع الطلاق كرقم فقط بل كقصة اجتماعية وإنسانية تستحق أن نتأمل أسبابها قبل أن نكتفي برؤية نتائجها.
وهنا تبرز أهمية المرشدين والمرشدات الاجتماعيين ، ليس بعد وقوع الطلاق فقط ، وإنما قبل أن يصل الزواج إلى مرحلة الانهيار. فوجود جهة متخصصة تستطيع الاستماع إلى الزوج أو الزوجة عندما تبدأ المشكلة، قد يساعد في اكتشاف أسبابها مبكرا: هل المشكلة اقتصادية ام هي نتيجة إهمال عاطفي. هل هناك تدخل من الأهل؟ هل هناك علاقة خارج الزواج؟ هل هناك سوء فهم؟ هل هناك توقعات غير واقعية؟ أم أن العلاقة وصلت فعلا إلى مرحلة يصعب معها الاستمرار؟
إن كثيرا من الأزواج لا يحتاجون في البداية إلى محكمة، وإنما إلى شخص متخصص يساعدهما على فهم ما يحدث بينهما ويعلمهما كيف يتحاوران ويعبران عن احتياجاتهما، وكيف يتعاملان مع الخلاف قبل أن يتحول إلى خصومة دائمة.
ولهذا فإن تفعيل دور الإرشاد الأسري والاجتماعي في الجامعات والمحاكم ومؤسسات الدولة، وتوفير مراكز متخصصة يسهل الوصول إليها، يمكن أن يكون جزءا من الحل في مواجهة ارتفاع حالات الطلاق.
كلمة أخيرة إلى الشباب: لا تدخلوا الزواج بحثا عن حياة مثالية ولا تظنوا أن الحب وحده قادر على أن يحمي بيتا من تقلبات الحياة. اختاروا شريك حياتكم بوعي واعرفوا أنفسكم أولا وتحدثوا بصدق عن أحلامكم وتوقعاتكم وقدرتكم على تحمل المسؤولية.
لا تجعلوا المال والمظاهر، ولا ما ترونه في حياة الآخرين، مقياسا لسعادتكم. ولا تسمحوا لوسائل التواصل أو لعلاقة عابرة أن تهدم بيتا بني على الثقة والحب. وتذكروا أن الزواج ليس امتلاكا للآخر، بل شراكة تقوم على الاحترام والوفاء والحوار والتسامح.
إذا واجهتكم الخلافات، فلا تجعلوا أول ما تفكرون فيه هو الانفصال. امنحوا الحوار فرصة، واستعينوا بأهل الخبرة والاختصاص قبل أن تتسع الفجوة بينكم. وفي المقابل، لا تجعلوا الخوف من الطلاق سببا للاستمرار في علاقة يسودها العنف أو الإهانة أو فقدان الأمان.
تزوجوا عندما تكونون مستعدين لأن تكونوا شركاء في حياة إنسان آخر، لا عندما تشعرون فقط بأنكم وجدتم من تحبون. فالحب قد يكون أجمل بداية للزواج، لكنه لا يكفي وحده لاستمراره. احفظوا الحب بالوعي، واحفظوا الزواج بالمسؤولية، واحفظوا الأسرة بالحوار والاحترام. فالحياة الزوجية لا تصنعها لحظة حب، وإنما تصنعها مواقف كثيرة يختار فيها اثنان أن يكون كل منهما سندا للآخر.
#خالد_محمود_خدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
في زمن كثرت فيه العلاقات وتشابكت أبعادها ، وقل فيه فهم معاني
...
-
يصبح الحب وطنا بعد الزواج حين يتم إختيار الإنسان قبل المال و
...
-
صناعة النخب... حين نصنع الإنسان نصنع المستقبل / مسؤولية مشتر
...
-
حين يسقط القناع... ويتكلم الزمن
-
لا تسمح للعالم أن يسرق قلبك
-
حين يرى الإنسان الآخرين بعيني نفسه يكون حكيما
-
بين براءة البدايات وحكمة الحدود: كيف نحمي قلوبنا دون أن نفقد
...
-
انكسار القلب…. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ال
...
-
انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا
...
-
انكسار القلب …. حين يقود الوفاء وايثار الغير إلى الخذلان / ا
...
-
تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثالث : عندما يثقل العالم
...
-
تنهيدة الأرض وأثقال البشر / الجزء الثاني / عندما يثقل المجتم
...
-
تنهيدة الأرض وأثقال البشر/ الجزء الاول: أول طريق لتخفيف ثقل
...
-
العراق الذي يسكن الذاكرة …. دولة المؤسسات كما يرويها الناس
-
حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث
...
-
حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة/ الجزء الث
...
-
حديثُ الإنسان مع نفسه... بدايةُ الطريق إلى الحياة
...
-
كيف السبيل لوطن معافى من النفاق الاجتماعي
-
الرافدين من الجفاف إلى الفيضان: أزمة ادارة المياه المشتركة ب
...
-
قراءة سريعة في واقع الأمن المائي العراقي والتحديات المستقبلي
...
المزيد.....
-
المكتب الإعلامي الحكومي بغزة: تصريحات الاحتلال الداعية للتهج
...
-
السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن -حدا- وتكشف كيف قتل زوج
...
-
الأمم المتحدة تتهم إسرائيل بتهجير 33 ألف فلسطيني من الضفة ال
...
-
تقدم أوروبي بشأن إقامة -مركز عودة- للمهاجرين خارج التكتل
-
تونس: اعتقال الصحفي محمد اليوسفي قبيل مشاركته في برنامج حول
...
-
إنصافاً لأفريقيا.. الأمم المتحدة تعتمد خريطة أكثر دقة للكرة
...
-
الأمم المتحدة تعتمد قرارا لتعديل خرائط العالم... وحجم أفريقي
...
-
خريطة جديدة للعالم.. الأمم المتحدة تصحح تشوهات عمرها قرون
-
الاحتلال الإسرائيلي يصيب طفلا ويقصف منازل النازحين.. خروقات
...
-
الأمم المتحدة: الأرض ستتجاوز عتبة الاحتباس الحراري الخطيرة ب
...
المزيد.....
-
مدرسة غامضة
/ فؤاد أحمد عايش
-
أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال
...
/ موافق محمد
-
بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ
/ علي أسعد وطفة
-
مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية
/ علي أسعد وطفة
-
العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد
/ علي أسعد وطفة
-
الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي
...
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن
...
/ حمه الهمامي
-
تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار
/ زهير الخويلدي
-
منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس
...
/ رامي نصرالله
المزيد.....
|