أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموات .














المزيد.....

مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموات .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8839 - 2026 / 9 / 25 - 19:46
المحور: الادب والفن
    


يعز على المندلاوي الجميل الا ان يبوح , وهاهو يفيض علينا بما أسماه لحظة وجد , فيكتب (( ياكمرة عمري من اتهل , يطك ويورد الصندل )) , وهو بيت من الشعر الشعبي العراقي الدافئ , والذي يُعبّر عن شدة الحب والاشتياق , ثم يشرح لنا ان الصندل خشب جاف وقوي ولا يمكن ان ينبت فيه ورد بتاتا , والمقصود ينبت ويُزهر الصخر, وهو كناية عن بث الحياة والأمل في أشد الأشياء قسوة وجفافاً بمجرد إطلالة الحبيب - الذي يُشبهه الشاعر بالقمير أو القمر الصغير لشدة جماله - فتأملوا عمق لواعجه .

تكتنز هذه اللحظة الوجدانية بأبعاد جمالية وإنسانية شفيفة , إذ يستدعي المندلاوي العاطفة من أقصى جفاف المحيط لتورق حباً ورجاءً , إن البيت الغنائي العراقي الأصيل (( يا كمرة عمري من اتهل.. يطك ويورد الصندل )) , ليس مجرد تعبير عابر عن اللوعة والاشتياق , بل هو تكثيف فلسفي لطاقة الحب وقدرته الخارقة على تحويل القفر إلى جنة غنّاء.

في هذا النص , ينسج الشاعر من المفردات العراقية الدافئة دلالات عميقة , فاستخدام تصغير القمر (( كُمرة )) يتجاوز الوصف الشكلي ليكون استدعاءً للأنس والضياء في أعتم الليالي , وكأن الحبيب هو المصدر الوحيد للدفء والاهتداء , أما صورة (( الصندل )) ذلك الخشب الجاف الأملس الصلب الذي اقتُطع من شجرته وماتت فيه أسباب الحياة البيولوجية , فتتحول على يد الشاعر إلى رمزيّة استعارية مجازية , إذ يستحيل على الخشب الميت أن يورق أو ينبت وردًا , إلا أن (( إطلالة )) الحبيب وتجلّيه يكسران قوانين الطبيعة الجافة , لتسري الحياة في الجماد , ويتفتح الصندل زهرًا وعطرًا.

إن هذا المعنى ينقلنا إلى عمق (( اللوعة )) التي يكابدها المحب , فهو لا يرى في الحبيب مجرد شخص يشاركه لحظاته , بل يراه إكسيراً للوجود , وإشارة شروق تتكسر عليها قسوة الأيام وجفاف الظروف , إنها الاستعارة الأبلغ للبث الحيوي والأمل , فإذا كان بمقدور هذا العشق أن يُخرج الورد من الخشب اليابس والصخر الجلمود , فكيف له ألا يبرئ روحاً أنهكها الشوق والحنين ؟ هكذا يفيض النص بوجدٍ عذب , يُعيد تعريف الحب بوصفه قوة حيوية قادرة على بعث الحياة في أشد الأشياء صلابة وقسوة.

تتجلّى في هذه اللحظة الوجدانية الباذخة سطوة العاطفة حين تتجاوز حدود التعبير التقليدي لتصبح قوةً كونية قادرة على إعادة تشكيل الواقع وبعث الحياة في مواتها , إن النص الذي يجود به المندلاوي ليس مجرد بضعة كلمات يُغلفها الشوق , بل هو وثيقة عشقية تُسجل لحظة تجلٍّ روحي مكتملة الأركان , يُرفع فيها الحجاب عن لواعج الصدر , فيفيض القلب بما لا يستطيع كتمانه.

رمزيّة (( الكُمرة )) والأنس في ظلمة الروح عندما يستدعي الشاعر مفردة (( كُمرة )) بلهجته العراقية المترعة بالدفء , فإنه ينزل القمر من سماء الفلك البعيدة ليجعله ملكاً خاصاً لعمره , وتصغير القمر هنا لا يقلل من شأنه , بل هو (( تصغير تملُّك وتدليل وتأنيس )) , فالقمر الكبير يضيء العالم أجمع , أما (( كُمرة العمر )) فهي الضياء الخالص الذي يتسلل إلى أزقة الروح المظلمة ليقهر وحشتها , إن فعل الإهلال (( من اتهل )) , يحمل في طياته معنى البدايات , والولادة الجديدة , والبشرى التي ينتظرها المحب كما ينتظر الصائم هلال العيد , وكأن الحياة قبيل هذا الإهلال لم تكن سوى عدماً أو انتظاراتٍ مضنية.

ثم نأتي الى معجزة الصندل , وانكسار قوانين المادة أمام طاقة الحب , حيث تصل الصورة أوج بَلاغتها وعمقها الفلسفي في شطر البيت الثاني (( يطك ويورد الصندل )) , وهنا تكمن الذروة الإبداعية , فالصندل ليس مجرد نبات , بل هو خشب يُعرف بصلابته وملاسته , خشباً جافاً قُطِع من أصوله وجُفِّف ليُستخرج منه العطر , أي أنه جمادٌ مفارقٌ للحياة العضوية تماماً , وفي قوانين الطبيعة والمادة , فإن إيراق الخشب الميت أو تفتّح الورد على أليافه اليابسة هو من سابع المستحيلات.

لكن العشق في منظور الشاعر لا يخضع لقوانين المادة , بل هو كيمياء روحية تُعيد صياغة الوجود , إن إطلالة الحبيب تفعل بالجماد ما لا تفعل به أمطار الربيع , فالماء يُحيي الأرض الحية , أما الحب فيُحيي الميت والجامد , ومفردة (( يطك )) الشعبية تحمل في صوتها زقزقة انشلاق الخشب وانبثاق الحياة منه رغماً عن قسوته , ليأتي بعدها فعل (( يورد )) ليخلع على الصندل الصلب أرقّ وأجمل ما في الطبيعة , الورد والعطر, وهي كناية شفيفة عن تحول القسوة إلى رقة , والجفاف إلى إيراق , والعدم إلى وجود بمجرد محاذاة وجه الحبيب.

إن الشرح الذي يقدمه المندلاوي يفتح لنا نافذة على صراع اللوعة والأمل , وحجم المعاناة الشفيفة التي يكابدها , فكي يحتاج الإنسان إلى (( معجزة )) تفليق الصندل وإبراز الورد منه , لا بد أنه يمر بلحظات جفاف وقسوة تزن جبالاً من الصخر , هنا يتصافح الأمل مع أعتى درجات اللوعة , فالحبيب ليس مجرد شخص يُشتاق إليه , بل هو (( إكسير الحياة )) و(( المنقذ الروحي )) , وبدون هذا الإهلال , يظل العمر خشباً جافاً لا نفع فيه ولا عطر, حتى إذا ما أطلّ , سَرَت المودة والبهجة في كل عرقٍ كان يظن أنه مات تماماً.

هكذا يختزل البيت الشعري العراقي فلسفة كاملة في الحب , إنه ليس مجرد مشاعر متبادلة , بل هو طاقة خلق وتجدد , تُزهر في حضرته الصخور , وتتفتح في أثره القلوب المهجورة , ليتحول الوجود كله إلى بستانٍ عطِر بمجرد أن يبتسم (( قمر العمر )) , وختاماً , ليس هذا النص المندلاوي مجرد بوحٍ عابر أو استراحةٍ في محراب الشعر الشعبي , بل هو شهادةٌ حية على قدرة العاطفة الصادقة في نسيج الوجدان العراقي على تجسير الفجوة بين المستحيل والممكن , إنها لحظةٌ يمتزج فيها العبَقُ بالضوء , ليخبرنا أن قلوبنا - مهما طالها الجفاف وشقّتها القسوة - تظل تنتظر (( هلالها )) الخاص , لتبث فيها الحياة , وتُعيد صياغة الموات خضرةً وعطراً , ففي حضرة الحب الحقيقي , لا قفرَ يدوم , ولا صخرَ يستعصي على الإزهار , بل يتحول الوجود كله إلى بستانٍ عطِر يفيض بالأمل مع كل إطلالة يبتسم فيها (( قمر العمر )) .

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة لغة أكلوني البراغيث : لغة النون.. بين الاستقراء القرآن ...
- مقامة قرأت فتدبرت .
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...


المزيد.....




- بسبب الذكاء الاصطناعي والسرقة الأدبية.. استبعاد رواية تيليسو ...
- سوريا ...حفل الأخرس في اللاذقية يثير جدلا بسبب التنظيم والحج ...
- -حفظت القرآن بروايتين وأنا مسيحي-.. رحلة أستاذ جامعي كفيف هز ...
- ياكوتسك.. مدينة بدأت بحصن على نهر لينا وانتقلت هربا من الفيض ...
- من الوحي إلى الشاشة.. رحلة القرآن الكريم في معرض تفاعلي ببطر ...
- الحرب والموسيقى والحُبّ: أسبوع الشرق الأوسط في الصحافة السوي ...
- احتجاز الممثلتين سوزان ساراندون وهانا أينبيندر خلال احتجاج ض ...
- 120 عاما على ميلاد شوستاكوفيتش.. موسيقى وُلدت وسط العواصف
- -روسيا وإيطاليا-.. كتاب جديد يرصد جسور الثقافة التي جمعت الب ...
- ما الأسماء التي يختارها الروس لمواليدهم في 2026 وما دلالاتها ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة معجزة الكُمرة وإيراق الصندل : عندما يُحيي العشقُ الموات .