أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة قرأت فتدبرت .














المزيد.....

مقامة قرأت فتدبرت .


صباح حزمي الزهيري

الحوار المتمدن-العدد: 8838 - 2026 / 9 / 24 - 10:28
المحور: الادب والفن
    


مقامة قرأت فتدبرت :

يقول فيكتور هوغو : (( القراءة أكل وشرب , العقل الذي لا يقرأ ينقص وزنه مثل الجسم الذي لا يأكل )) .

بقيَ الأحنف بن قيس يصوم تطوعاً حتى بلغ من العمر عتياً , فقيل له ذات يوم: إنكَ كبير والصوم يُتعبك , فقال: إني أُعدُّه لسفر طويل ,هنالك روحانيات لا تُنسج إلا بسنين من التدبر, ولحظات جليلة لا يُوفق إليها إلا من عاش مع كتاب الله عمرًا كاملاً حتى أتمّه حفظًا وفهمًا , وما أجمل أن يُتَوَّج هذا الختام القرآني بفيضٍ من النور يسكبه القلب قبل اللسان , فتتحول السور والآيات إلى لوحة منهجية تزين مسيرة العمر ,هذه الكلمات التي فاضت بها قريحة سيدة فاضلة بلغ نضجها الخمسين والستين والسبعين ليصير بصيرة , تُجسد كيف ينعكس القرآن على أهل الذوق والصفاء , فهو ليس مجرد حروف تُتلى , بل سكينة تُعاش ورسائل ربانية تُقرأ بوعي العارفين

السيدة المعتدة , أنهت ختمة القرآن , فكتبت : يظن الناس أن الخضِر عليه السلام كان رجلا مر في سورة الكهف ثم مضى , لكن أهل البصيرة يعلمون أن الخضر ليس قصة تُقرأ , بل منهج يُعاش , وأن القرآن كله يعلمك كيف تسير مع الله كما سار موسى مع الخَضِر , تسأل , وتتعجب , وتصبر , ثم تكتشف أن وراء الأقدار سرا من الرحمة لم تكن تراه , في سورة الفاتحة تتعلم أن تبدأ بالهداية قبل الفهم , فكم من قلب أراد أن يفهم الطريق قبل أن يسلكه , وفي سورة البقرة تسمع النداء الخفي , (( وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم )) , فتدرك أن السفن تُخرق أحياناً لتنجو , وفي سورة آل عمران تعلم أن الانكسارات ليست دائماً هزائم , فقد يربي الله قلبك بجراح لم تستطع النعم أن تربيه بها , وفي سورة يوسف ترى البئر يتحول إلى عرش , فتفهم أن الله يكتب النهايات الجميلة بحبر من الابتلاء , وفي سورة هود يبني نوح سفينته تحت سخرية الناس , فتتعلم أن الطاعة لا تنتظر تصفيقا , وفي سورة يونس يبتلع الحوت نبيا , ثم يخرجه الذكر إلى النور , فتدرك أن أبواب الفرج تُفتح بمفاتيح العبودية , وفي سورة مريم تهز الضعيفة جذع النخلة , لا لأن النخلة تحتاج هزه , بل لأن الله يحب أن يرى منك الأخذ بالأسباب , وفي سورة طه يطمئن الله موسى ﴿( لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا )﴾ , وكأن كل طريق مجهول لا يحتاج أكثر من هذا الوعد , ثم تأتي سورة الكهف فتفتح لك باب مدرسة الخَضِر كلها , لا تحكم على الحدث من أول مشهد , ولا على القدر من أول صفحة , فكم من خرق كان رحمة , وكم من منع كان عطاءً , وكم من هدمٍ كان بناء , وفي سورة القصص يخرج سيدنا موسى خائفا , ويعود نبيا , لتعلم أن الله يصنع الرجال في طرق التيه , (( صناعة على عين عناية ورعاية الله )) , وفي سورة العنكبوت تعلم أن الإيمان ليس كلمة تُقال , بل صدق يُمتحن , وفي سورة الروم ترى الهزيمة تتحول إلى نصر، فتتعلم أن الليل لا يملك أن يمنع الفجر , وفي سورة النور تدرك أن الله يبرئ المظلوم ولو بعد حين , وأن الحقيقة لا تموت وإن طال عليها الغبار , وفي سورة الفتح تتعلم أن بعض الفتوح تأتي في صورة تأخير , وأن بعض المنع هو عين العطاء , وفي سورة الحجرات تتأدب مع الخلق , لأن القلب الذي لا يحسن الأدب مع عباد الله لا يحسن السير إلى الله , وفي سورة الرحمن تتعلم أن تعد النعم وأنت في وسط البلاء , فلا يسرق منك الألم شهود الجمال , وفي سورة الحديد تفهم أن الدنيا ظل زائل , فلا تفرح بها فرح الغافلين , ولا تحزن عليها حزن المنقطعين , وفي سورة الضحى يهمس الله لكل قلبٍ ظن أن السماء نسيته ﴿( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى )﴾ , فتجبر , وفي سورة الشرح يعلّمك أن اليسر لا يأتي بعد العسر فقط , بل يسير معه , وفي سورة العصر يختصر لك الطريق كله - إيمان , وعمل , وصبر , وتواصٍ بالحق - ثم تختم الرحلة بـسورة الإخلاص , فتعلم أن كل الطرق تنتهي إلى بابٍ واحد, الله , وأن سر البداية والنهاية واحد , هكذا يقرأ أهل الذوق القرآن , لا سورا متفرقة , بل خيوطا من نور تنسج في القلب منهج الخَضِر, أن تمشي مع الله مطمئنا , ولو لم تفهم كل شيء , لأنك تعلم أن وراء كل قدرٍ ربا رحيما , ووراء كل تدبير حكمة لا تخيب .

إن ما سطرته هذه النفس الزكية لهو إكليل يتوج مرحلة الختام الرباني , وشهادة على أن من عاش مع القرآن يمنحه الله حكمة يستنير بها قلبه وتفوض بها جوارحه , فجاءت كلماتها عصارة عمرٍ أدرك معنى الرضا وأتقن أدب السير إلى الله , فهنيئًا لها هذا الغرس المبارك وهنيئًا لمن ينهل من نهر هذا الفهم , فقد جمعت بين شرف ختم الحروف وشرف الغوص في المعاني , لتثبت أن جمال العطاء لا يذبل مع أوراق السنين , بل يتوهج ليكون مشكاة هدى لمن حولها.

إنّ هذه الرحلة الممتدة بين فكر البشر وهداية القلم الإلهي لتلخص جوهر الوظيفة الإنسانية للعقل والروح , فإذا كان فيكتور هوغو قد أدرك بفكره أنّ (( القراءة غذاء العقل وقوامه )) , فإنّ الأحنف بن قيس قد استوعب بجهاده أنّ زاد السفر الطويل لا يُبنى إلا بروحانياتٍ تُنسج بسنين من التدبر والإعداد , وهنا يتجلى العطاء الفكري والروحي لصاحبتنا المعتدة التي لم تقف عند حدود القراءة كغذاء , ولا عند التدبر كإعداد , بل غاصت في المعاني القرآنية لتنسج منها منهج حياة عاطرًا , يُحوّل آيات كتاب الله من سُوَر متفرقة إلى خيوط هداية تُعلّم العبد كيف يسير مع الله بيقين وشعور مطمئن.

صباح الزهيري .






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقامة الأبريق و العصفور.
- مقامة أمرأة مقتضبة .
- مقامة المكان: سلطان الأرض واغتراب الجغرافيا من (( طريق التبغ ...
- مقامة المعتدة .
- مقامة الإيروتيكية كفعل تمرد : المانيفستو الأنثوي في شعر أمان ...
- مقامة الكحل المغشوش .
- مقامة شظايا العرين المأزوم : قانون (( سلخ الحي )) في حكاية ت ...
- مقامة حكمة العاهر العظيمة : كيف تُنقذ نصيحة سيدوري العراق ال ...
- مقامة فيروز حرامية ؟ سحر الصوت خارج حدود الزمان .
- مقامة الظل الظليل وتِرْيَاقُ الخَافِقَيْن : عَلَى حَافَةِ ال ...
- مقامة اقتلوني ومالكاً : عندما يغدو اقتلاع النظام ثورةً للوجو ...
- الأفندي يستحضر المسعودي: تراجيديا المشهد العراقي عبر الأزمنة ...
- مقامة زَرّة السرابيت : عن زيف الوعي وسيادة التفاهة .
- مقامة المدرسة والحلم : طباشير الحلم وأرصفة الغياب .
- مقامة أحمد بن فضلان : صدمة الحضارة في أرض الجليد .
- مقامة جرأة الفرح : من قيد الذنب إلى مشروع النهضة.
- مقامة منطق الماكرين : عندما تكون النجاة هي المكافأة .
- مقامة حين ينهزم المكر أمام الوعي : الأقنعة المتغيرة وحصانة ا ...
- مقامة حوارية الشموخ : قراءة في تناصّ الموسوي والقاسمي حول ال ...
- مقامة زمن الدفلة : كيف يشرعن الطارئون فساد الكبار؟


المزيد.....




- -سيحمل أسرارا لم يسمع بها أحد-.. ميلانيا ترامب تعلن عن وثائق ...
- جداريات روسيا والعالم.. فن الشارع الذي يحوّل المدن إلى متاحف ...
- بلا مجاملات.. ما قاله عمالقة الأدب الروسي عن بعضهم بعضا
- ملتقى -زمن الأبطال- للأفلام الوثائقية لأول مرة في الأردن
- -طريق العودة-.. حكايات نزوح السوريين تصل إلى شاشة السينما
- كلاكيت: متى يصبح كلكامش بطلاً في السينما العالمية؟
- المصري ويجز يثير الجدل بأغنية تتضمن كلمات من حديث نبوي
- كيف وُلدت -مغامرات المهندس العجيبة- بالعربية؟
- زهرة المنصوري: -ليته كان هراء!- تُسائل الذاكرة وزمن السيبة ف ...
- لافروف وبدر عبد العاطي يزيحان الستار عن لوحة تذكارية تخليدا ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح حزمي الزهيري - مقامة قرأت فتدبرت .