|
|
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر عبد الكريم الحلو-1
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 00:48
المحور:
مقابلات و حوارات
مختبر الكلمة وتشريح النص: حوار مع الصيدلاني الذي داوى الأدب بالمنهج حوار:عطا درغام تتشابك في تجربة الدكتور عبد الكريم الحلو تخصصات قد تبدو في الظاهر متباعدة، لكنها تلتقي في جوهر التشريح والبحث عن مكامن الخلل والجمال. فهو الطبيب الصيدلاني الذي يقف في معمله ليحلل المركبات، وهو ذاته الناقد والأديب الذي يقف أمام النص ليفكك بنيته السيميائية ويعيد تركيب دلالاته. هذا المزيج الفريد منح كتاباته النقدية صرامة علمية، وجعل من قصائده فضاءً تأملياً مغايراً يبتعد عن السطحية؛ ليصبح واحداً من الأصوات الثقافية الاستثنائية التي تواجه الأمية الفكرية والجمود النقدي بشجاعة المنهج. في هذا الحوار المكثف، نبحر في عوالمه الخمسة لنستكشف أسرار صناعة الوعي وسرّ الخلطة بين الدواء والقصيدة. الجزء ١ : رؤيتي في مجال الشعر : 1.في قصيدتك "هذا ما تبقى مني"، هل يمثل الشعر لديك محاولة لترميم ذات تشظت بفعل الواقع، أم أنه اعتراف علني بالهزيمة أمام الغياب؟ أظن أن الشعر عندي لا يأتي بعد الهزيمة، بل يولد في اللحظة التي نحاول فيها أن نفهم معنى ما خسرناه. لذلك فإن «هذا ما تبقى مني» ليست اعترافًا بالهزيمة أمام الغياب بقدر ما هي محاولة لاستعادة الذات من بين أنقاضها. الغياب، في القصيدة، ليس فراغًا محضًا؛ إنه حضور آخر، أكثر قسوة وعمقًا. وما نفقده لا يختفي تمامًا، بل يعيد تشكيلنا بطريقة لا نملك معها أن نعود كما كنا. لذلك كنت أكتب لا لأسترد الماضي، فهذا مستحيل، وإنما لأمنح ما تبقى مني معنىً جديدًا. الشعر، في تجربتي، ليس جبيرة نضعها على جرح الروح كي نخفيه، بل هو أن ننظر إلى الجرح طويلًا حتى نكتشف أنه أصبح جزءًا من هويتنا. وربما لهذا أرى أن التشظي نفسه يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال الاكتمال؛ فالإنسان لا يعرف ذاته الحقيقية دائمًا في لحظات القوة، وإنما يكتشفها حين تتساقط عنه الأشياء التي كان يظن أنها تصنعه. لذلك لا أرى في القصيدة هزيمةً أمام الغياب، وإنما مقاومة هادئة له. أنا لا أستطيع أن أعيد من رحل، ولا أن أوقف الزمن، ولا أن أصلح ما أفسده الواقع، لكنني أستطيع أن أكتب. والكتابة هنا ليست إنكارًا للخسارة، بل تحويلًا لها من ألم شخصي إلى معنى إنساني. وربما كان عنوان القصيدة «هذا ما تبقى مني» يحمل مفارقة مقصودة؛ فحين أقول «ما تبقى» يبدو أنني أتحدث عن النقص، بينما الكتابة نفسها تثبت أن شيئًا ما ظل قادرًا على الكلام. وما دام في الإنسان صوتٌ يقول: هذا ما تبقى مني، فهو لم يهزم تمامًا؛ لأن الهزيمة الحقيقية تبدأ حين لا يبقى فينا شيء يريد أن يقول شيئًا. ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ 2.كيف توازن في بناء الصورة الشعرية بين توظيف "الرمز" المكثف لإنتاج شعر خالص، وبين رغبتك في ألا يتحول النص إلى طلاسم مغلقة أمام القارئ؟
أنا لا أتعامل مع الرمز بوصفه لغزًا ينبغي على القارئ أن يفك شفرته، وإنما بوصفه طاقةً إضافية للمعنى. فالرمز الناجح، في رأيي، لا يغلق النص، بل يفتح فيه أكثر من نافذة. أميل إلى أن تكون الصورة الشعرية عميقة، لكنني لا أريد لها أن تكون معتمة. هناك فرق بين الغموض الذي يثري النص، والغموض الذي يعجز عن إنتاج المعنى. الأول يمنح القارئ مساحة للمشاركة والتأويل، أما الثاني فيضع بينه وبين القصيدة جدارًا لا ضرورة له. لذلك أحاول أن يكون الرمز متصلًا بالتجربة الشعورية، لا مفروضًا عليها من الخارج. حين يولد الرمز من جرح حقيقي، أو ذاكرة، أو سؤال وجودي، فإنه يجد طريقه إلى القارئ حتى لو تعددت قراءاته. وأنا لا أريد من القارئ أن يصل إلى «المعنى الذي قصدته أنا» بقدر ما أريده أن يصل إلى المعنى الذي اكتشفه هو داخل النص.
الشعر، بالنسبة لي، ليس معادلة رياضية لها إجابة واحدة، لكنه أيضًا ليس بابًا مغلقًا لا مفتاح له. أحب أن أترك في القصيدة مساحة للدهشة، ومساحة للتأويل، ومساحة للصمت أيضًا؛ لكنني أحرص على أن أضع للقارئ خيطًا شعوريًا يستطيع أن يمسك به وهو يعبر النص.وقد يكون أجمل ما في الرمز أنه يقول أكثر مما تستطيع اللغة المباشرة قوله، من غير أن يقول أقل مما يحتاجه القارئ لفهم التجربة. أنا أكتب القصيدة بحيث لا أشرح للقارئ الطريق، ولا أضلله فيه؛ أترك له أن يمشي معي قليلًا، ثم أترك له حرية أن يصل إلى المكان الذي يراه هو. ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ 3. هل يكتب عبدالكريم الحلو قصيدته الحديثة بدافع التمرد التام على البنى القديمة، أم هي امتداد متطور لإيقاع وجداني لا يحده زمن؟ لا أكتب القصيدة الحديثة بدافع التمرد على القديم، فالتمرد وحده لا يصنع شعرًا، كما أن القطيعة مع التراث لا تعني بالضرورة الحداثة. أنا أرى أن القصيدة الجديدة ليست خصمًا للقصيدة القديمة، وإنما هي ابنةٌ لها، لكنها تحاول أن تكتشف لغتها الخاصة في زمن مختلف. ما يعنيني في الشعر هو الروح التي تصنع الإيقاع، لا القالب الذي يحتويه. فقد يكون للنص وزن وقافية، ومع ذلك يكون خاليًا من الموسيقى، وقد تتحرر القصيدة من الوزن التقليدي، لكنها تحمل في داخلها إيقاعًا أشد حضورًا من أي بحر شعري. لذلك فإن الإيقاع عندي يبدأ من الداخل: من حركة الشعور، ومن توتر الجملة، ومن تكرار المفردة، ومن الصمت بين الكلمات، ومن ذلك النبض الخفي الذي يجعل القصيدة تُقرأ بالقلب قبل أن تُقرأ بالأذن. أنا لا أريد أن أكون أسيرًا للبنية القديمة، كما لا أريد أن أتحول إلى أسير لفكرة الحداثة نفسها. فالحداثة التي تحتاج إلى إعلان دائم عن تمردها تفقد حريتها؛ لأن الشاعر يصبح تابعًا لنقيض ما يرفضه. أؤمن أن التراث بحرٌ واسع، ومن الخطأ أن نهرب منه كي نثبت أننا حديثون. المهم ألا نكرر ما قيل، بل أن ندخل إلى ذلك البحر ونخرج منه بلغتنا نحن.ولهذا أرى قصيدتي امتدادًا لا قطيعة، وتحولًا لا تمردًا، وتجديدًا للإيقاع الوجداني أكثر مما هي ثورة على الشكل. فالزمن يتغير، والأشكال تتغير، لكن الإنسان في جوهره ما زال يحب ويخاف ويفقد ويحلم وينكسر. وهذه المشاعر هي الإيقاع الأقدم والأبقى للشعر.أنا لا أبحث عن قصيدة تهدم الماضي، بل عن قصيدة تجعل الماضي قادرًا على أن يتنفس في الحاضر، وأن يقول شيئًا جديدًا بصوتي أنا. ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ 4.متى يتحول الحنين في نصوصك من مجرد عاطفة إنسانية عابرة إلى محرك فلسفي يفكك مفهوم الزمن والتحول؟
حين يتجاوز الحنين حدود المكان والأشخاص والأشياء، ويصبح سؤالًا عن الإنسان نفسه: من كنا؟ ومن أصبحنا؟ وماذا فعل الزمن بنا؟ أنا لا أتعامل مع الحنين بوصفه رغبة في استعادة الماضي؛ لأنني أعرف أن الماضي لا يعود، حتى لو عدنا نحن إلى أمكنته. ما يعود إلينا ليس الماضي، وإنما صورته في الذاكرة، وهذه الصورة تكون قد تغيرت بقدر ما تغيرنا نحن. لهذا يصبح الحنين، في بعض نصوصي، وسيلة لمساءلة الزمن لا للبكاء عليه. فالحنين يكشف لنا أن الزمن لا يمر من حولنا فقط، بل يمر في داخلنا أيضًا؛ يأخذ منا أشخاصًا، وأمكنة، وأحلامًا، ثم يعيد إلينا أنفسنا في صورة أخرى. وحين أكتب عن بيت قديم، أو شارع، أو وجه غاب، فأنا في الحقيقة لا أكتب عن المكان وحده، بل عن الإنسان الذي كنتُه وأنا أقف فيه. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: هل نحن نشتاق إلى الأشياء التي فقدناها، أم نشتاق إلى أنفسنا التي كانت تسكن تلك الأشياء؟ لذلك أرى أن الحنين يبلغ ذروته الفلسفية عندما يتحول من «أريد أن يعود الماضي» إلى «أريد أن أفهم ماذا صنع الماضي بي». إنه لا يعيد الزمن، لكنه يكشف أثر الزمن. ولا يسترد الغائب، لكنه يكشف مقدار ما تركه الغياب فينا. وربما لهذا لا أرى الحنين ضعفًا أمام الماضي، بل شكلًا من أشكال الوعي به. فالإنسان لا يحن إلى ما مضى لأنه عاجز عن الحاضر بالضرورة، وإنما لأنه يكتشف، عبر الحنين، أن الزمن ليس سلسلة من اللحظات التي تنتهي، بل طبقات تتراكم داخل الروح.نحن لا نعود إلى الماضي حين نشتاق؛ الماضي هو الذي يعود إلينا، ولكن ليس كما كان… يعود محمّلًا بما أصبحنا عليه. ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ 5.أين يقع "جسد القصيدة" في طقوسك الإبداعية، وهل تولد الفكرة لديك دفعة واحدة أم تنمو عبر لحظات طويلة من الصمت والترقب الداخلي؟
لا أظن أن القصيدة عندي تولد كاملة في لحظة واحدة، وإن كانت قد تبدأ أحيانًا بومضة خاطفة؛ كلمة، صورة، مشهد، سؤال، أو حتى إحساس غامض لا أعرف له اسمًا في البداية.لكن تلك الومضة ليست القصيدة، إنها فقط بذرتها الأولى. بعد ذلك تبدأ القصيدة في النمو داخل الصمت. أتركها فترةً في داخلي، وأعود إليها دون أن أكتبها بالضرورة. أراقبها كما يُراقَب شيء يتشكل في العتمة؛ تتغير صورتها، تسقط منها كلمات، وتأتي أخرى، حتى أشعر أن القصيدة بدأت تمتلك صوتها الخاص. ولذلك فإن الصمت في تجربتي ليس فراغًا إبداعيًا، بل جزء من الكتابة نفسها. أحيانًا أكتب سطرًا واحدًا ثم أتوقف، لأنني أشعر أن القصيدة لم تقل بعد ما تريد قوله. وقد تمر ساعات أو أيام قبل أن أعود إليها. أنا لا أستعجلها؛ فالقصيدة التي تستعجلها قد تمنحك كلامًا كثيرًا، لكنها لا تمنحك بالضرورة شعرًا. أما «جسد القصيدة»، فأراه في المسافة بين الفكرة والشعور. الفكرة وحدها تنتج نصًا ذهنيًا، والشعور وحده قد ينتج انفعالًا عابرًا، لكن الشعر يولد حين يتزاوج الاثنان، وحين تتحول الفكرة إلى صورة، ويتحول الشعور إلى لغة. وأحيانًا لا أعرف ما الذي أريد قوله قبل أن أبدأ الكتابة. أكتشفه وأنا أكتب. القصيدة في هذه الحالة لا تكون تنفيذًا لفكرة مسبقة، وإنما تكون رحلة اكتشاف؛ أبدأ وأنا أبحث عن المعنى، وأنتهي وقد اكتشفت شيئًا عن نفسي لم أكن أعرفه. لهذا لا أملك طقسًا ثابتًا بالمعنى التقليدي. طقسي الحقيقي هو أن أترك للقصيدة وقتها، وأن أصغي إلى الصمت الذي يسبقها. فالقصيدة عندي لا تأتي حين أقرر أن أكتب، بل حين يصبح الصمت عاجزًا عن حمل ما في داخلي. عندها فقط… تبدأ الكلمات بالولادة. ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ الجزء ٢ 🔴 رؤيتي في مجال النقد : 6. يرى البعض أن أدواتك السيميائية والفلسفية في تفكيك النصوص تتسم بالصرامة الشديدة؛ هل تبحث في النقد عن محاسن النص أم تسعى لاستنطاق مساحات الصمت والهفوات التي يتركها المبدع؟
أحترم هذا الرأي، وربما كانت الصرامة التي يراها البعض في قراءاتي نابعة من إيماني بأن النص الأدبي أكبر من أن يُعامل بالمجاملة. أنا لا أدخل النص باحثًا عن أخطائه، كما لا أدخله باحثًا عن محاسنه فقط؛ أدخله لأكتشف ما يقوله، وما لا يقوله، وما يختبئ بين القول والصمت. النقد عندي ليس محكمةً تصدر الأحكام، ولا مديحًا مقنعًا بلغة أكاديمية. إنه فعل إنصات عميق للنص. وقد تكون مساحة الصمت أحيانًا أكثر دلالة من الجملة المعلنة، وقد تكون الهفوة الفنية مجرد هفوة، لكنها أحيانًا تكشف اضطرابًا في الرؤية أو خللًا في البناء لا يمكن تجاهله. أما السيمياء والفلسفة، فلا أستخدمهما لإرهاق النص بالمصطلحات، وإنما لأرى ما وراء سطحه. الرمز عندي ليس مجرد علامة، والصورة ليست مجرد زخرفة، والصمت ليس غيابًا للمعنى. كل ذلك يمكن أن يكون جزءًا من البنية العميقة للنص. ومع ذلك، لا أؤمن بالنقد الذي يبدأ بالبحث عن العيوب وكأنه جاء ليُثبت تفوق الناقد على المبدع. الناقد الحقيقي، في رأيي، لا يقف فوق النص، بل يقف إلى جواره. أنا أبحث أولًا عن الحياة التي جعلت النص ممكنًا، وعن جمالياته وفرادته، ثم أحاول أن أرى أين اكتمل النص وأين تعثر، وأين قال أكثر مما أراد صاحبه، وأين خانته اللغة أو البناء.وقد أكون صارمًا مع النص، لكنني لا أريد أن أكون قاسيًا على صاحبه؛ فهناك فرق كبير بين نقد العمل وإدانة المبدع.وأؤمن أن أفضل نقد هو الذي يجعل الكاتب، بعد أن يقرأه، يعود إلى نصه لا ليكرهه، بل ليكتشف فيه شيئًا لم يكن قد رآه. أنا لا أبحث عن هفوةٍ كي أهزم النص، ولا عن محاسن كي أجامله؛ أبحث عن الحقيقة الجمالية الكامنة فيه. وحين ينجح النقد في أن يكشف للنص وجهًا جديدًا، يكون قد أدى مهمته. ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ 7. وصفت في معاركك الثقافية بعض الممارسات بـ«الجمود والتخوين النقدي»، كيف يواجه الناقد اليوم سلطة القطيع التي ترفض التجديد في الأدب؟
أعتقد أن أول ما يحتاجه الناقد اليوم هو أن يتحرر من الخوف؛ فالناقد الذي يكتب وهو يفكر في رضا الجماعة، أو غضبها، أو عدد الأصوات التي ستقف معه وضده، يفقد أهم شروط النقد: استقلال الضمير. «سلطة القطيع» ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر حضورًا بسبب وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ أصبح من السهل أن يتحول الرأي إلى حملة، والاختلاف إلى تخوين، والنقد إلى اصطفاف. وفي مثل هذا المناخ قد يصبح السؤال ليس: «هل ما يقوله الناقد صحيح؟» بل: «مع من يقف؟».وهنا تبدأ الخطورة. أنا أرى أن الناقد لا يواجه هذه السلطة بالصراخ المضاد، ولا بتشكيل قطيع آخر، وإنما بالمعرفة والمنهج والهدوء والشجاعة. عليه أن يقول ما يراه في النص، حتى لو خالف السائد، وأن يقدم حجته بحيث يكون اختلافه قابلًا للنقاش لا ذريعةً للخصومة. وأخطر ما يمكن أن يحدث للأدب هو أن يصبح هناك «مسموح نقده» و«ممنوع نقده»، أو أن يتحول بعض المبدعين إلى مناطق محرمة لا يقترب منها الناقد إلا بالمديح. عندها لا يعود النقد نقدًا، بل يتحول إلى طقس اجتماعي لتبادل المجاملات. أنا لا أؤمن بأن كل جديد جيد لمجرد أنه جديد، كما لا أؤمن بأن كل قديم صالح لمجرد أنه قديم. المعيار عندي هو القيمة الفنية والفكرية، لا عمر النص ولا شهرة صاحبه ولا عدد المدافعين عنه. والناقد الذي يخشى أن يكون وحيدًا لن يستطيع أن يفتح طريقًا جديدًا. فالتجديد في الأدب يبدأ غالبًا من صوت يبدو في بدايته غريبًا أو منفردًا.لكن الاستقلال لا يعني الاستعلاء. يمكن للناقد أن يختلف دون أن يهين، وأن يفكك دون أن يهدم، وأن يكون صارمًا دون أن يتحول إلى خصم شخصي للمبدع. أنا لا أخشى أن أكون خارج القطيع؛ ما أخشاه أن أكون داخله وأفقد قدرتي على رؤية الطريق. فوظيفة الناقد، في النهاية، ليست أن يحرس ما اعتاد الناس عليه، بل أن يسأل دائمًا: هل ما نعدّه حقيقة أدبية اليوم ما يزال قادرًا على الصمود أمام سؤال الغد؟ ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ 8.حين تقرأ نصوصاً معاصرة في القصة القصيرة، ما هي المعايير التشريحية التي تفصل بها بين رغبة الكاتب الواعية وعفوية الإبداع غير المتحكم بها؟
حين أقرأ نصوصًا معاصرة في القصة القصيرة، لا أحاول أن أفصل بين قصد الكاتب وعفوية الإبداع بحدٍّ ساذج؛ لأن النص الأدبي، بمجرد أن يولد، يصبح كائنًا مستقلًا عن نية صاحبه. لذلك لا أسأل الكاتب: «ماذا كنت تقصد؟»، بقدر ما أسأل النص: «ماذا فعلتَ بما أراده كاتبك؟» المعيار الأول عندي هو تماسك البنية. فإذا تكررت علامة أو صورة أو مفردة في مواضع محسوبة، وأصبحت تؤدي وظيفة داخل حركة السرد، أمكن القول إن وراءها وعيًا فنيًا، حتى لو جاءت الفكرة الأولى بصورة عفوية. ثم أنظر إلى اقتصاد القصة؛ فالقصة القصيرة تحديدًا لا تحتمل فائضًا كبيرًا في اللغة أو الأحداث. اختيار تفصيل صغير، وحذفه لآخر، وترتيب المشاهد، وتوقيت الكشف، كلها أمور يمكن أن تكشف مقدار السيطرة الفنية على النص. وأراقب كذلك العلاقات بين العناصر: الشخصية، المكان، الزمن، الحوار، الصمت، والعنوان. أحيانًا يقول الكاتب شيئًا بصورة مباشرة، لكن بنية النص تقول شيئًا آخر. وهنا تبدأ مهمة الناقد الحقيقية؛ أن يقرأ المسافة بين ما قيل وما حدث فنيًا داخل النص. أما العفوية، فلا أراها عيبًا. بالعكس، كثير من أجمل لحظات الإبداع تأتي من منطقة لا يسيطر عليها الكاتب سيطرة كاملة. المشكلة ليست في أن يفلت شيء من يد الكاتب، بل في أن يعجز النص عن تحويل ذلك الانفلات إلى ضرورة جمالية. ولهذا أعتقد أن الكاتب المتمكن ليس من يسيطر على كل شيء في نصه، وإنما من يعرف كيف يترك للعفوية مكانها دون أن يسمح لها بتدمير البناء.فالكتابة تبدأ أحيانًا من اللاوعي، لكنها لا تبلغ شكلها الفني إلا عبر قدر من الوعي والصياغة والمراجعة. وفي النهاية، لا أملك أن أجزم بما كان يدور في ذهن الكاتب لحظة الكتابة؛ فذلك شأنه هو. ما أملكه هو النص، والنص وحده هو مختبر الحكم. أنا لا أفتش عن نية الكاتب خلف النص، بل أفتش عن أثر النية في النص؛ فالقصد الحقيقي لا يثبت بما يقوله المبدع عن عمله، وإنما بما يستطيع العمل نفسه أن يبرهن عليه. وربما هنا تكمن المفارقة الجميلة في الإبداع: قد يكتب الكاتب شيئًا لم يكن يعرف أنه يعرفه، وقد يكتشف الناقد في النص معنى لم يكن صاحبه قد قصده، لكنه كان موجودًا فيه منذ لحظة الولادة. ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ 9. كيف تنعزل مشاعرك الشخصية كشاعر حين تجلس على كرسي الناقد لتقييم تجربة شاعر آخر مثل السياب أو علي الإمارة دون الانحياز لجمالياتك الخاصة؟
حين أجلس على كرسي الناقد أمام شاعر كبير، لا أبدأ بالسؤال: أين يختلف عني؟ بل أبدأ بالسؤال: ماذا أضاف إلى الشعر؟ وهنا أجد نفسي أمام أسماء لها مكانتها وخصوصيتها في المشهد الشعري العراقي والعربي. السياب ليس مجرد شاعر أقرأ تجربته وأصدر حكمًا عليها؛ إنه أحد الذين غيّروا مسار القصيدة العربية الحديثة، وأعادوا تشكيل علاقتنا بالإيقاع والصورة والأسطورة والمكان والوجع الإنساني. وكذلك علي الإمارة شاعر يمتلك تجربته وصوته وبصمته الخاصة، وله حضوره الذي يستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الأحكام الجاهزة والمقارنات السريعة. لذلك لا أتعامل مع الشاعر الكبير من موقع «الناقد الذي يملك الحقيقة»، بل من موقع القارئ الذي يعرف أنه أمام تجربة تستحق الإنصات أولًا. أنا لست شاعرًا بل محب للشعر ، وهذه ميزة حين أمارس النقد وليست عائقًا؛ لأن الشعر يمنحني حساسية تجاه الموسيقى والصورة والانفعال، لكنني حين أبدأ التحليل أحاول أن أضع ذائقتي الشخصية جانبًا، وأترك للنص أن يفرض منطقه الخاص. لا أريد أن أجعل السياب نسخةً من ذائقتي، ولا علي الإمارة نسخةً من مفهوم معين للشعر. لكل شاعر عالمه، ومهمتي أن أدخل ذلك العالم بأدواته هو، لا بأدواتي وحدها. ومع ذلك، فإن الإعجاب لا يعفيني من النقد. بل ربما يكون الشاعر الكبير أكثر حاجة إلى القراءة النقدية العميقة، لأن مكانته لا ينبغي أن تحوله إلى منطقة محرمة على السؤال. الاحترام الحقيقي للمبدع ليس أن نصفق له دائمًا، وإنما أن نقرأه بجدية تليق بما أنجزه. وأنا حين أنقد شاعرًا كبيرًا لا أبحث عن ثغرة لأنتقص من قامته، بل أحاول أن أضيء المناطق التي صنعت فرادته، وأن أرى في الوقت نفسه ما يمكن أن تقوله التجربة من خارج حدودها.وأعتقد أن الناقد يخطئ حين يدخل النص وفي يده حكم سابق؛ سواء كان حكمًا بالمديح أو بالإدانة. أنا لا أضع نفسي فوق الشاعر حين أنقده، بل أقف أمام تجربته. وكلما ارتفعت قامة الشاعر، ازداد واجب الناقد أن يكون أكثر تواضعًا، وأكثر علمًا، وأكثر عدلًا. فالسياب قامة لا تُختصر في قصيدة، وعلي الإمارة تجربة لا تُختزل في انطباع؛ وكلاهما يستحق أن يُقرأ لا بعين الإعجاب وحدها، ولا بعين النقد وحدها، وإنما بعينٍ ترى الجمال، وتسأل عن أسبابه، وتبحث عن المعنى الكامن وراءه.أنا لا أخلع شاعري حين أصبح ناقدًا؛ بل أضعه في الصف الأخير، وأدع النص يتقدم وحده إلى الضوء. ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ 10. هل أفرغ النقد العربي الحديث نفسه من قيمته بسبب المجاملات والمحسوبيات الثقافية، وكيف يمكن إعطاء هذا الحقل هيبته الرصينة مجددًا؟
لا أقول إن النقد العربي الحديث أفرغ نفسه من قيمته، فهذا سيكون حكمًا جائرًا على حقل أنجب أسماء كبيرة وأسهم في تطوير الوعي الأدبي العربي، وما زالت فيه أقلام نقدية جادة تمتلك المعرفة والمنهج والشجاعة. لكنني أعتقد أن المجاملة حين تدخل إلى النقد تخرجه من وظيفته الأساسية. فالناقد الذي يكتب مديحًا لمجرد الصداقة، أو المجاملة، أو الحضور الاجتماعي للمبدع، لا يخدم الكاتب ولا الأدب؛ بل يؤجل لحظة اكتشاف الحقيقة الفنية. المشكلة ليست في أن نمدح النص الجميل؛ فالمديح حق مشروع حين يكون مستندًا إلى معرفة وحجة. المشكلة حين يصبح المديح موقفًا مسبقًا، وحين تتحول العلاقات الشخصية إلى معيار للقيمة الأدبية. أما المحسوبيات الثقافية، فهي أخطر حين تجعل بعض الأسماء فوق المساءلة، أو تجعل بعض الأصوات تُقدَّم لأنها قريبة من المؤسسة أو الجماعة أو الناقد، لا لأنها الأكثر قدرة وإبداعًا. وأنا أؤمن أن إعادة الهيبة للنقد لا تحتاج إلى خطب كثيرة، وإنما إلى إعادة بناء أخلاقيات الممارسة النقدية. نحتاج إلى ناقد يعرف النص قبل أن يعرف صاحبه، ويقرأ العمل قبل أن ينظر إلى مكانة كاتبه، ويملك الشجاعة ليقول «نعم» حين يستحق النص، و«لا» حين يتعثر، من دون خوف أو مجاملة. ونحتاج أيضًا إلى نقد لا يستعرض المصطلحات، بل يستخدم المنهج لخدمة النص. فليس الناقد العظيم هو من يحشد أكبر عدد من المصطلحات الفلسفية والسيميائية، وإنما من يستطيع أن يجعل القارئ يرى في النص شيئًا لم يكن يراه من قبل. كما أن المؤسسات الثقافية والمجلات والجامعات مطالبة بأن تمنح النقد الجاد مساحة حقيقية، وأن تفصل قدر الإمكان بين القيمة الأدبية والعلاقات الشخصية.وأنا لا أبحث عن نقد قاسٍ، بل عن نقد عادل؛ فالصرامة ليست شتيمة، والمجاملة ليست فضيلة حين تكون على حساب الحقيقة. لقد كان النقد العربي في أفضل مراحله سلطةً معرفية تضيء الطريق أمام الأدب، لا سلطةً اجتماعية تحرس الأسماء.هيبة النقد لا تعود حين يصبح الناقد أكثر قسوة، وإنما حين يصبح أكثر علمًا ونزاهة واستقلالًا. وأؤمن أن الناقد حين يستعيد شجاعته الأخلاقية، سيستعيد النقد مكانته؛ لأن الأدب لا يحتاج إلى من يصفق له، بقدر ما يحتاج إلى من يقرأه بعمق، ويحاوره بصدق، ويختلف معه باحترام.النقد الذي يخاف من الأسماء يفقد هيبته، والنقد الذي يحترم النص يستعيدها. ــــــــ 📌 ــــــــ 📌 ــــــــ
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر سليمان شاحوذ
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة :مع الشاعر زهير الإمامي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: حوار استثنائي مع الشاعر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: الأديبة العراقية رجاء فر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الصيدلي والخطاط والشا
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الشاعر حسن حوني جابر
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر جاسم الطائي-2
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر جاسم الطائي-1
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الكاتب والصحفي العراقي
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة : مع الشاعرة بلادس الزبيد
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة:حوار مع الشاعرة -نوال ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الكاتبة الجزائرية عم
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : حوار شامل مع الكاتبة ا
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: حوار مع الشاعر مسعود بن
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الشاعر والأكاديمي ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الدكتور محمد عربي في حو
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الكاتبة الجزائرية كدوم
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الشاعر والكاتب الجزائر
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة : الشاعر الجزائري عبد ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: الشاعر والمربي الجزائري
...
المزيد.....
-
شاهد.. مشتبه به يخترق جدار منزل بسيارة شرطة مسروقة
-
إسرائيل تعلن تدمير بنية تحتية لحزب الله جنوب لبنان.. وهيئة أ
...
-
-عرض عسكري حوثي بعد السيطرة على مدينة المخا-.. ما حقيقة الفي
...
-
حصري لـCNN.. أمريكا توسع نطاق دعمها الاستخباراتي وتحديد الأه
...
-
المغرب.. انطلاق حملة الانتخابات التشريعية بمشاركة 27 حزبا
-
الجزائر والإمارات إلى القطيعة الدبلوماسية.. مسار خلافات تراك
...
-
الدفاع المدني السعودي يعلن زوال الخطر عن محافظة خميس مشيط وم
...
-
كيف ترى -صومالي لاند- التعاون المستقبلي مع إسرائيل؟ وما موقف
...
-
ألمانيا.. النيابة الاتحادية تحقق في أعمال تخريبية طالت خطوط
...
-
مصر تحدد هدفين إثيوبيين محظورين: لن نسمح لها بتحقيقهما
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|